هل يأتي اليوم الذي نقول فيه لأولادنا وأحفادنا “كنت موجودًا عندما كانت شبكة الإنترنت حرة، وأستطيع زيارة أي موقع في أي مكان بدون أي معاناة أو مرور من حدود”؟. قريبا قد تحتاج لتأشيرة لزيارة مواقع الإنترنت الواقعة خارج بلدك، هذا هو ما يتوقعه بعض الخبراء.

أحد أهم مميزات شبكة الإنترنت هي الحرية؛ حرية المعلومات وحرية الاتصال وحرية المعرفة. لكن مع انتشار الإنترنت وزيادة أهميتها وتأثيرها بدأت الحكومات المختلفة في محاولة التركيز على فهم طبيعتها ومن ثم محاولة مراقبتها والسيطرة عليها، حيث أصبحت الحياة الافتراضية (حياة الناس على شبكة الإنترنت) على مشارف الوصول إلى أن تكون مكافئًا بل ومنافسًا للحياة الواقعية. سواء كانت الدولة ديمقراطية أو غير ديمقراطية فإنها تهتم بمراقبة الإنترنت وتقلق من الحرية المتاحة فيها؛ سواء كان القلق والمراقبة لدوافع أمنية (مثل مراقبة التواصل لمنع تنفيذ عمليات إرهابية) أو سياسية (مثل مراقبة المعارضة في الدول ذات الحكم غير الديمقراطي ومراقبة خططها ومحاولة منعها من الوصول للحكم) أو بدوافع حقوقية وقانونية (مثل مراقبة التعديات على حقوق الملكية الفكرية) أو دوافع أخرى، لكن الهدف المشترك في كل تلك الحالات هو محاولة معرفة ما يقوم به المواطنون على الإنترنت والتدخل في تصرفاتهم ومنعها أو حتى معاقبتهم إذا لزم الأمر. وفي سبيل تحقيق ذلك الهدف بدأت كثير من الدول في تحديد ما يُسمَح للمواطنين في الدولة من الوصول إليه على شبكة الإنترنت. ومن ملاحظة ذلك التوجه العام بين الدول المختلفة يتوقع بعض المتخصصين في مجال تكنولوجيا المعلومات أن يتطور الأمر إلى أن تكون لكل دولة نسختها من الإنترنت تختلف عن نسخة باقي الدول. ليس فقط من حيث المحتوى الذي يمكن الوصول إليه ومنع ما تراه الحكومة غير مناسب، بل قد تصل إلى أن يكون لكل دولة محتوى خاص بها لا يمكن لمواطنيها أن يروا سواه على الشبكة. وهو ما يطلق عليه بلقنة الإنترنت Balkanization of the Internet or Cyber-balkanization- تشبيها له بما حدث في منطقة البلقان في وسط أوروبا، وتعرف عملية البلقنة بأنها عبارة عن تقسيم منطقة ما إلى دويلات صغيرة وفي الأغلب غير متعاونة.

تختلف طريقة المنع وتحديد المحتوى المقبول باختلاف الدولة ونظامها، منهم من يقوم بمنع عنيف مثل الحالة الصينية التي تمنع الوصول لكثير من المواقع، مثل فيس بوك وجوجل وتويتر ويوتيوب، من داخل أراضيها وتزداد القائمة عند ظهور أي شيء لا تريد الحكومة الصينية وصوله لمواطنيها – اختصارًا هي حالة وصاية تامة، ومنهم من يقوم بالحجب بصورة متشككة مثل النموذج التركي، لا يعترف رسميا بالحجب ولذا ينهي الحجب عندما يتم كشفه من الصحافة. ومنهم من يقوم بحجب بعض المواقع المحددة أو محتوى معين وواضح بناء على قوانين رسمية واضحة توافق – بصورة عامة – التوجه العام للمجتمع مثل حجب كثير من الدول للمواقع الإباحية التي تضم أطفالًا أو حجب بعض فيديوهات يوتيوب في ألمانيا أو حجب كوريا الجنوبية المحتوى المؤيد لكوريا الشمالية.

كيف تحدث البلقنة

نظرًا لاختلاف الثقافات واللغات بين الدول والمجتمعات المختلفة، فإن مواطني كل دولة بتابعون في العادة المواقع المحلية بصورة أكبر، وهو ما يؤدي إلى تكون تجمعات متقاربة فيما بينها ومنفصلة عن بعضها إلى حد ما. قد يبدو ذلك مانعًا لفكرة حجب المحتوى والفصل الحقيقي بين المجتمعات، لكن مع ذلك يتم حجب محتوى معين لأسباب كثيرة منها أسباب ثقافية ودينية واجتماعية وسياسية وقانونية. وتعتبر أهم معالم عملية التقسيم هي النموذج الصيني، فالمحتوى الذي يمكن الوصول إليه من داخل الصين هو مختلف تمامًا عما يراه باقي العالم. ويبدو ذلك المحتوى المحجوب كأنه غير موجود على شبكة الإنترنت بالنسبة للصينيين. ومن المتوقع أن تحذو دول أخرى حذو النموذج الصيني مع اختلاف الدوافع وطريقة التنفيذ، وقد يتطور الأمر إلى أن يتم إنشاء تحالفات تجمعها رؤية ثقافية واجتماعية واحدة فتقوم بتحديد محتوى معين مشترك والعمل على إثرائه مع تجاهل وحجب الأفكار الأخرى. وبهذه الطريقة سنجد محتوى أحادي الفكر والتوجه، وقد نجد أيضًا عنصرية وطائفية ضد الأقليات الدينية والعرقية والثقافية والسياسية. وإذا استمر الوضع هكذا فقد نجد الإنترنت تنقسم إلى الإنترنت الإسلامي (الذي بدأت بالفعل إيران في الحديث عنه) وآخر صيني وثالث كوري وأمريكي وأوروبي، وتنقسم شبكة الإنترنت إلى شبكات صغيرة منفصلة.

وتعتبر كوريا الشمالية هي النموذج الأوضح لحالة الإنترنت المحلية، حيث قامت السلطة هناك في عام 2010 بإنشاء نسختهم المحلية من الإنترنت. وسبقتها فقط كوبا وإن كانت متصلة بالإنترنت بالإضافة إلى شبكتها المحلية.

وكبداية حقيقية للإنترنت المقسمة، طالبت الرئيسة البرازيلية ديلما روزيف في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2013 باقي الدول الأعضاء بالخروج من الإنترنت (التي يشير لها البعض بالأمريكية – نظرًا للسيطرة والانتشار الأمريكي عليها) وإنشاء شبكات محلية ذات سيادة عقب أخبار عن تجسس الأمريكان على بريدها الإلكتروني، وأعلنت خطتها في إنشاء شبكة محلية في البرازيل. البرازيل ليست الدولة الوحيدة التي يقلقها الدور الذي تلعبه أمريكا في التحكم في الإنترنت، فينضم إليها في هذا الموقف الرافض للدور الأمريكي الحالي كل من تركيا وإندونيسيا والهند ضمن آخرين مطالبين بهيئة دولية لإدارة شئون الشبكة الدولية.

وفي حالة تطور الوضع إلى تكوين شبكات محلية منفصلة، تكون سيادتها وإدارتها من الشأن المحلي، فقد يعيد إلى أذهاننا وضع الحدود الدولية على الأرض وتكون المعلومات هي الكنز والمورد الذي يجب حمايته وإعلان السيطرة عليه مثلما كانت الأرض ومواردها الطبيعية في العصر الإمبريالي، وكما حكى لنا التاريخ عن ترسيم حدود بين الدول يبدو أن الإنترنت قد تمر بنفس المرحلة.

التوقعات لشكل الإنترنت في حالة تقسيمها

ويتوقع بعض المتخصصين في مجال التكنولوجيا أن يتحول الواقع الافتراضي في شبكة الإنترنت إلى نظير مماثل للواقع الذي نعيشه؛ دول منفصلة ذات سيادة وقد يتطلب منك الأمر أن تحصل على تأشيرة للدخول على إنترنت الدول الأخرى للوصول إلى المعلومات أو التواصل مع مواطني الدولة الأخرى. وستكون الدوافع المحفزة لتطبيق نظام التأشيرات الإلكترونية متعددة، فمنها اقتصادي وهو إدخال بعض الأموال للدول – متخذين السياحة نموذجًا، وسبب آخر هو المراقبة والأمن – فيتيح نظام التأشيرات الإلكترونية للنظام الأمني مراقبة هؤلاء الداخلين على الشبكة ومتابعة تحركاتهم للحفاظ على الأمن.

قد تتجه بعض الدول للدفع في اتجاه اللجنة الإنترنت لما له من مميزات بالنسبة لهم. فمن الناحية السياسية، سيمنح تقسيم الإنترنت لشبكات محلية فرصًا أكثر للحكومات في التحكم في المعلومات سواء من ناحية المعلومات التي تصل لمواطنيها أو من ناحية المعلومات التي تخرج إلى الدول الأخرى – وهو ما قد يجدونه حلا لمشكلة حرية المعلومات ومشاكلها على الحكومات. وبالتالي تمتلك الحكومات سيطرة أكثر على التكنولوجيا والشبكات المحلية، وهو ما يساعد في حماية الخصوصية وتقليل فرص التجسس عليها، فالإنترنت بشكلها الحالي ساهمت بصورة كبيرة في مساعدة وكالة الاستخبارات المحلية الأمريكية NSA في التجسس على كثير من الحكومات والرؤساء. وبالإضافة لذلك سيعطي الإنترنت المقسم فرصًا أكثر لتطبيق القوانين – مثل قوانين الملكية الفكرية – بصورة أسهل وأكثر فاعلية، فعندها يكون مرور البيانات في حدود تنطبق عليها نفس القوانين فيمكن السيطرة عليها والتخلص من مشاكل التطبيق للقوانين المختلفة، وأيضا وجود حدود للمعلومات المتاحة يسمح بمتابعتها ومراقبة حالات التعدي على القانون. وأخيرًا تعاني بعض الدول من مشاكل في حماية بيانات مواطنيها بسبب طبيعة الإنترنت التي قد تسمح لمديري المواقع بتخزين البيانات في أي مكان في العالم وهو ما يمنع بعض الدول – مثل دول الاتحاد الأوروبي – من تطبيق قوانين حماية الخصوصية عليها، وتشترط تلك الدول من مختلف المواقع أن يحفظوا البيانات في نفس الدولة. عندما يسود نموذج الإنترنت المقسمة لن تكون هذه المشكلة موجودة.

بالطبع بلقنة الإنترنت ليست حلا ولا هي شيء جيد – بل يعتبرها البعض كارثة وارتدادًا كبيرًا للتطور الذي أحدثته الإنترنت في حياة الشعوب والدول. فالإنترنت المقسمة المسيطر عليها محليا تضرب فكرة حرية المعلومات في مقتل، فمن أهم فوائد الإنترنت أن أتاحت للمواطنين حرية المعرفة وتنوعها والتخلص من سيطرة الحكومات في الدول الاستبدادية. في حالة نجاح بلقنة الإنترنت ستعود الحكومات الاستبدادية في السيطرة على مواطنيها وتقليل فرص الحصول على المعلومات. وبالتالي تنحسر فرص المعرفة المتاحة وتنحصر في ما تراه الدولة، وتفقد مصادر المعرفة تنوعها وفاعليتها وانتشارها الذي ميز عصر الإنترنت. ونظرًا للسيطرة المحلية على الشبكات فمن المحتمل بقوة أن تحتوي على معلومات ذات توجه أحادي، وبالتالي ينشأ مجتمع أحادي الفكر وهو ما يسبب ضعفًا في المجتمع وضياع حقوق الأقليات وفشلهم في الاندماج في المجتمعات. وأخيرًا ستكون الإنترنت المقسمة سببًا لمعاناة شركات التكنولوجيا في تنفيذ برامجها، التي ستضطر لإعادة إنتاجها عدة مرات لتناسب الشبكات المحلية المختلفة وتقسيم بياناتها على تلك الشبكات بدلا من تطويرها مرة وحيدة ووضعها على الشبكة الدولية كما يحدث الآن.

كيفية مواجهتها

قد تكون طبيعة الإنترنت الحالية من انفتاح وحرية وانتشار هي أسبابًا تقلل من الخوف من انقسام الإنترنت وإنشاء حدود بين النسخ المختلفة كما هو الحال الآن بين الدول، فالشبكة الدولية على صورتها الحالية وصلت لدرجة من النضج والتشعب في حياة الناس تجعل تقسيمها ليس سهلًا. ولكن ذلك الخوف من البلقنة هو خوف مشروع، خاصة مع تزايد القلق على الخصوصية. ولتلافي ذلك المستقبل يحتاج المجتمع الدولي والتكنولوجي أن يقوم ببعض التعديلات لمقاومة فكرة التقسيم. أحد أهم الأسباب الداعية للتقسيم هو عدم الثقة في أمريكا وحمايتها للخصوصية، لذا يطالب كثير من خبراء التكنولوجيا أن يقوم النظام الأمريكي بإصلاحات للحد من ذلك القلق المتزايد، وبالتالي الحفاظ على الشبكة الدولية وحدة واحدة. وقد يكون الحل في إنشاء منظمة دولية مسئولة عن إدارة الإنترنت والتأكد من مصالح جميع الدول خاصة في مجال الخصوصية.

ماذا تتوقع لمستقبل الإنترنت. هل ستظل شبكة واحدة؟ وكيف ترى توجهات التقسيم ومواجهتها؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد