بالرغم من إعلان المسؤولين الأمريكيين تأجيل مشروع إدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية، إلا أن أصواتًا أمريكية أخرى ما تزال تلح على الإدارة الأمريكية الحالية باتخاذ هذه الخطوة متذرعة بما يمارسه الحرس في الداخل الإيراني والخارج من «إرهاب»، على حد وصفها.

وبذلك تخالف هذه الأصوات من يحذر من التوجه الأمريكي لتصنيف الحرس الثوري باعتباره منظمة إرهابية، فهل يتخذ ترامب الذي ثبت تورطه سابقًا بالتربح من التعامل مع مصرف إيراني ارتبط اسمه بالحرس الثوري قرار تصنيف الحرس منظمةً إرهابيةً أجنبية، ووضعه على قائمة وزارة الخارجية الأمريكية للإرهاب، ويكون ذلك القرار الأول الذي يستخدم فيه قانون المنظمات الإرهابية الأجنبية لعام 1996 ضد مؤسسة بأكملها في حكومة أجنبية؟

أصوات تطالب بضم الحرس لـ«قائمة الإرهاب»

«على الإدارة الجديدة أن تفهم بأن تحقيق الاستقرار غير ممكن طالما ظل الحرس الثوري، وإضعافه يعني تقييد حركة إيران، ويمكن لترامب التغلب على أي معارضة من خلال استخدام الأمر التنفيذي رقم 13224، الذي اعتمد عليه بوش بعد 11/ 9»، كانت تلك دعوة الباحثين في الشؤون الإيرانية «مارك دوبويتز» و«ري تاكيه» لحث الإدارة الأمريكية على تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمةً إرهابيةً أجنبيةً، ووضعه على قائمة وزارة الخارجية الأمريكية للإرهاب.

يوصى الباحثان هذه الإدارة باللجوء إلى الأمر التنفيذي لبوش لكونه أكثر فعالية، ويقولان إنه: «لو وسعت إدارة ترامب عدد رموز وكيانات الحرس الثوري التي يطالها الحظر، من 60 شخصية وكيانًا، ليضم الكيانات والأفراد كلهم، وعددهم بالآلاف، وهم المشاركون في مغامرات الحرس الخارجية، سيضغط هذا الأمر على الحرس ماليًا، خاصة أن الشركات الأجنبية ستجد نفسها في خطر عند التعامل مع مشاريع يديرها الحرس»، ويؤكد الباحثان في مقالهما، الذي نشرته مجلة «فورين أفيرز» أن: «الحرس الثوري أصبح أداة طهران للقمع الداخلي والإرهاب الخارجي، ومن أجل تدجين الجمهورية الإسلامية، فإن على الولايات المتحدة البحث عن طرق لإضعاف قوته، وتصنيفه جماعة إرهابية هو بداية الطريق».

 

يقول الناشط الحقوقي الدولي «فيصل فولاذ»: إن الحرس الثوري الذي يخضع لإشراف الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، ومنذ إنشائه بعد الثورة الإسلامية عام 1979، ارتبط بالإرهاب داخليًا وخارجيًا، واستخدمه المتشددون الإيرانيون لقمع المعارضين والتصدي لنضال الشعوب، ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «لذلك لا بد من التصدي له وإضعاف قوته، وتصنيفه جماعة إرهابية هو بداية الطريق، كونه ما يزال يرتكب جرائم حرب وضد الإنسانية في سوريا واليمن والعراق ويمول ويشرف علي الإرهاب في دول عديدة، المجتمع الدولي مطالب بأن يضع الحرس الثوري وقياداته كلها في القائمة السوداء وتقديمهم إلي المحكمة الدولية ومصادرة كل أمواله».

 

يذكر أنه يبلغ عدد المجموعة العسكرية للحرس 125 ألفًا، ويعد دور الحرس في دعم الإرهاب في الخارج في نظر البعض «العلامة البارزة لنشاطاته«، فالحرس درّب مليشيات غير إيرانية كحزب الله؛ للقيام بمهام، مثل تفجير برج الخبر في السعودية عام 1996، الذي قتل فيه 19 أمريكيًا، كما أنه حاول في عام 2011 القيام بأول عملية له على الأراضي الأمريكية، تتمثل في اغتيال السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير، وتعمل الإدارة المالية للحرس الثوري الإيراني على تحقيق ثلاثة أهداف أولها توليد إيرادات لتمويل الأنشطة العسكرية للحرس الثوري وتشكيل شبكة من الشركات والمؤسسات والبنوك والمكاتب والسندات التي تمكنه من إنشاء مشاريع مشتركة، كما تساهم ثروة الحرس في توليد الثراء الشخصي الذي يعزز من النفوذ السياسي، ويمكنا الإشارة إلى أنه تحارب تحت لواء الحرس الثوري الإيراني في سوريا العديد من الميليشيات المسلحة من أبرزها «زينبيون»، و«حيدريون»، و«فاطميون»، وفيلق «حزب الله» الذي يضم عناصر من «حزب الله» اللبناني، و«حزب الله» السوري.

إرث أوباما القائم

«هناك العديد من المحللين الأمريكيين ينصحون الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب بأن إيران تتمتع بموقع يجعلها ترى أمريكا نمرًا من ورق»، هذا ما قاله قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء «علي جعفري» وقت وصف ترامب بـ«الأخرق».

يبدو أن هذه القناعة التي تمتلك جعفري جاءت لثقته بتكرار الإدارة الأمريكية الحالية لموقف إدارة الرئيس الأمريكي السابق «باراك أوباما»، والذي رفض مرتين اتخاذ خطوة تصنيف الحرس الثوري الإيراني باعتباره منظمة إرهابية، وقد اتهم أوباما لذلك في نظر البعض بالتغاضي عن جرائم الحرب التي ارتكبها الحرس والجماعات الوكيلة له في سوريا تحت إلحاح الرغبة في توقيع الاتفاق النووي مع طهران.

 

وقياسًا على انصراف أوباما في نهاية الأمر عن خطوة ضم الحرس لقائمة الإرهاب، يرجح المحلل السياسي المصري، أسامة الهتيمي أن: «ترامب ينصرف أيضًا عن اتخاذ هذه الخطوة أسوة بأوباما»، ويقول خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «تعيش إدارة ترامب حالة من التردد بشأن مسألة إدراج الحرس الثوري الإيراني في قائمة الإرهاب، فترامب نفسه يميل إلى اتخاذ هذه الخطوة، فيما يراها كل من البنتاجون والاستخبارات الأمريكية أنها خطوة ليس لها جدوى».

ويستدرك القول: «بل إن اتخاذ هذه الخطوة من الممكن أن يتسبب في إحداث انعكاسات سلبية تتعلق بالحرب على الإرهاب في كل من سوريا والعراق حيث تعتمد أمريكا وأطراف عديدة من المجتمع الدولي على الدور الإيراني بشكل كبير في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، كما سيعقد هذا التصنيف من تنفيذ الاتفاق النووي الأمر الذي سيثير استياء العديد من الأطراف الدولية والإقليمية فضلًا عن أنه سيضيع أية فرص للحديث مع الإيرانيين».

ويعتقد الهتيمي أن تصنيف الحرس الثوري باعتباره منظمة إرهابية ليس له من تأثير حقيقي سوى في شقه المعنوي، ويوضح: «ذلك أن العقوبات التي فرضت على الدولة الإيرانية نفسها طيلة السنوات الماضية جراء برنامجها النووي لم تمنعها من ممارساتها وانتهاكاتها الإقليمية والدولية»، بل يرى الهتيمي أن هذا التصنيف قد يكون مبررًا لدفع إيران والحرس الثوري إلى إحداث المزيد من توتير الأجواء في بعض البلدان المحيطة حتى تقنع إيران كلًا من أمريكا والمجتمع الدولي بأهمية الدور الذي يلعبه الحرس الثوري ليحظى بدعم وتأييد هذا المجتمع.

عوامل تحول دون ضم الحرس لقائمة الإرهاب

تكشف السابقة التاريخية عن تطبيق الولايات المتحدة لسياسة العصا الغليظة أو الاحتواء الرامية لتطويق نفوذ دولة ما، واعتبار ذلك أكثر نجاعة من سياسة التدخل العسكري الوقائي المباشر الذي طُبق في الصومال العام ١٩٩٣ والعراق العام ٢٠٠٣ ولم يولد إلا الفشل، حسب ما يقوله لنا الباحث في العلاقات الدولية «جلال سلمي».

 

وتبعًا لما سبق، يستبعد «سلمي» ضم الحرس الثوري ككل لقائمة الإرهاب، لكنه يستدرك: «يمكن الحديث عن شمل أشخاص بارزين من الحرس الثوري في قوائم الإرهاب الأمريكية»، ويستعرض سلمي خلال حديثه لـ«ساسة بوست» عدة عوامل ستحول دون ضم الحرس الثوري لقائمة الإرهاب؛ أولها أن الحرس الثوري أحد مؤسسات الدولة الإيرانية، وإعلانه إرهابي يتوجب على الإدارة الأمريكية محاربته، و يعني ذلك إعلان أمريكا الحرب على إيران، ووفقًا للعقلانية السياسية والاقتصادية الاحترازية التي تتسم بها الإدارة الأمريكية الجديدة يبدو من الصعب تحقق ذلك.

ويضيف الباحث في مركز الشرق للسياسات: «توحي أيضًا ملامح التنسيق الروسي الأمريكي التي ظهرت في سوريا تحديدًا في منبج، برغبة الولايات المتحدة في التهدئة لا التصعيد، وبما أن إيران الحليف الأبرز لروسيا، قد يشكل هذا العامل حائلًا لأقدام الولايات المتحدة على ذلك»، وفيما يتعلق بالعامل الأخير، فهو يتمثل في افتقار العرف القانوني الدولي لمثل هذا المثال الذي يقوم على إعلام دولة جهاز دفاع دولة أخرى إرهابي، حسب سلمي.

ويعتبر سلمي أن هناك رغبة لدى الإدارة الأمريكية الجديدة في استرداد ما تعتقد أنه حق سُلم لإيران دون مقابل، والهدف هو استرداد ذلك الحق لا إعلان الحرب على إيران، موضحًا: «الحرب على إيران أو أي دولة أخرى بمنظور الإدارة الأمريكية الجديدة يعني تكرار التجربة الأفغانستانية والعراقية، أي ظهور فراغ سلطة يولد فوضى وعدد من المنظمات الإرهابية مما يضر بالمصلحة الأمريكية في المنطقة، وهذه الإدارة لا تريد تحمل المزيد من التكاليف التي قد تضطر لدفعها في اطار محاربة الحرس الثوري الإيراني، وربما سياسة التطويق والاحتواء تثمر في تقليم أظافره».

التلويح بالموت حتى قبول الحُمى

اعتمد ترامب منذ فترة حملته الانتخابية رؤية واضحة وصارمة تجاه إيران، وقال إنها: «أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم»، كما أنه انتقد الاتفاق النووي الدولي ووصفه بـ«أسوأ صفقة على الإطلاق»، وهو الآن مستمر بالضغط عليها بهدف تحقيق ما يريده من تحجيم لدورها.

يؤكد مدير مركز «ميسان» للدراسات العربية والإيرانية، محمد المذحجي، على أن النقطة المهمة والرئيسية التي يجب أخذها بعين الاعتبار هي: «أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لا يريد أن يخوض مواجهة مباشرة وواقعية مع إيران، بل هو يريد أن يضع ضغطًا كبيرًا على طهران لتركيعها وبسرعة للقبول بأن تكون ضمن اللاعبين المؤيدين لسياسة ترامب الشرق الأوسطية الجديدة، التي تختلف عن سياسة إدارة باراك أوباما وهي بعيدة عن استراتيجية الاتحاد الأوروبي في الإقليم».

ولأن ترامب يدرك أنه لا يمكن إقناع طهران بما يريده بالشكل الذي تعامل معها به أوباما من خلال إعطاء أدوار سياسية وأمنية كبيرة تحت غطاء الاتفاق النووي، يعتقد المذحجي أن الرئيس الأمريكي الحالي يركز على تحجيم الدور الإيراني في الإقليم لفرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تختلف عما كانت الإدارة الأمريكية الفائتة تخطط له، مضيفًا خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «في واقع الأمر يمكن القول أن ترامب لوح بالموت لإيران، حتى يرغمها أن تقبل بالحُمى».

ويرى المذحجي أن خطط ترامب تتمثل في لجم سياسة طهران الخارجية وتخفيض الضغط على الساحة الداخلية الإيرانية، ويعتبر مركز «ميسان» للدراسات العربية والإيرانية ذلك بحد ذاته امتيازًا للمتشددين وخاصة قادة الحرس الثوري والتيار السياسي المقرب منه في المشهد السياسي الإيراني، ويتابع: «يمكن رصد بُعد آخر من التنسيق الأمريكي الروسي الدقيق في المشهد الإيراني، لأن المتشددين والتيار المقرب من الحرس الثوري هم الداعمون الرئيسيون للتقارب من موسكو والمحور الشرقي بدلًا من الغرب، ويعتبر هؤلاء أن الاتفاق النووي يشكل خطرًا وجوديًّا على الجمهورية الإسلامية وقيم الثورة في المدى المتوسط والبعيد».

وتظهر هذه التغيرات أن محصلة التنسيق الدقيق الأمريكي الروسي هو إخراج الحرس الثوري من بعض ساحات الإقليم وتحجيم دوره لصالح الولايات المتحدة، ورفع واشنطن يدها عن الساحة الإيرانية لصالح موسكو، فإذا تماشت طهران مع هذه اللعبة، لن يوضع الحرس الثوري على قائمة التنظيمات الإرهابية، حسب المذحجي.

المصادر

تحميل المزيد