على مدار العاميين الماضيين من ولاية الرئيس المصري ذي الخلفية العسكرية، عبدالفتاح السيسي، كان ملف الإعلام هو أكثر الملفات استحواذًا على اهتمام السلطة، والقائمين على إدارة شؤون البلاد، ساعين من خلال عدد من الإجراءات لتأميم المشهد الإعلامي، وتغيير المحتوى البرامجي لأغلب القنوات التلفازية والصحف.

وكان أحد هذه الإجراءات هو منع مقدمي برامج تلفازية «معينة»، و«مخالفة لتوجه تأييد السلطة»، من الظهور على كافة القنوات، بعد وقائع 30 يونيو (حزيران) من عام 2013، واستصدار أوامر سيادية بمنع أشخاص بعينهم، من الحضور في المشهد الإعلامي، سواء كمقدم أو ضيف.

ريم ماجد

«نحن جميعًا صحفيين، ولدينا شيء يسمى شرط الضمير، وقد وجدت عملي في تلك المحطة لن يتناسب مع ضميري فتركتها». كان هذا نص التصريح المقتضب الشهير، للإعلامية المصرية المعروفة ريم ماجد، مفسرة به سبب استقالتها من عملها بمحطة أون تي في، منذ أكثر من عامين، والتي كانت تقدم من خلال قناتها الرئيسية برنامجًا يوميًا يسمى «بلدنا بالمصري». برنامج اكتسب شهرة استثنائية، خلال وقائع ثورة 25 يناير (كانون الثاني) لعام 2011، على خلفية مواقف ريم الداعمة لمطالب الثوار، ودعمها العلني لهم عبر إطلالتها التلفازية.

(ريم ماجد)

لم تكن ريم ضد ترشح وزير الدفاع حينها، عبدالفتاح السيسي للرئاسة، بعد إعلان الثالث من يوليو (تموز) لعام 2013، وتمثلت قناعتها حينها في قولها: «لازم يترشح، ولازم ينجح، ولازم يدير شؤون البلاد، وفي هذه الحالة سنتمكن من محاسبته، خاصة وأنه سيخلع البذلة العسكرية، وانتقاده وقتها لن يكون إهانة للمؤسسة العسكرية كما يروج البعض».

لم يمر طويلًا على عام السيسي الأول في السلطة، لتنتقل ريم الداعمة السابقة لترشحه في الانتخابات الرئاسية، إلى مُعارضة لسياسته، معارضة أعلنتها بشكل علني، من خلال توصيف التجاوزات بشأن الحريات وحقوق الانسان بـ «الأمر المرعب»، قائلة: «لا يجب أن نسلم بهذه القوانين، لدينا 41 ألف معتقل في السجون، خلال سنة واحدة، لا يمكن التصديق بأن هذا الكم الهائل من المعتقلين خضع لمحاكمات عادلة، وأخذ حقه في الدفاع عن نفسه، هذا مخيف ويمس فكرة العدالة».

كانت مواقف ريم المناهضة للسلطة الحاكمة، وسيلة للقائمين على إدارة الوسط الإعلامي في مصر، لمنع ظهورها على كافة القنوات المصرية، وإنهاء تعاقدها مع قناة أون تي في، وإطلاق أكثر من حملة تشويه إعلامية، من جانب عدد من الصحفيين المُقربين من السلطة، يتهمونها فيها بالتخابر مع جهات أجنبية، وأنها من الطابور الخامس، وتهم أخرى تتعلق بتلقيها تمويلًا أجنبيًا.

تتبع تضييق السلطة الحاكمة ريم مُجددًا، بعد غياب عن الشاشة التلفازية امتد لعامٍين كاملين، إذ ارتأت السلطات المصرية في عودة ريم، لتقديم برنامج نسائي اجتماعي يدعى «جمع مؤنث سالم»، عبر شاشتي DW وon TV، أمرًا مرفوضًا، حتى وإن كان مضمون البرنامج بعيدًا عن السياسة، لتصدر أوامر بوقف بث البرنامج، عبر شاشة ON TV، وليتم وقفه بالفعل بعد ضغوط على إدارة القناة، ولينتهي الحال بريم أن تبتعد عن شاشة التليفزيون، سواء داخل مصر أو خارجها، واكتفائها بالعمل مدربة بمجال الإعلام.

محمود سعد

بعد ثلاثة أعوام من تقديم محمود سعد، الإعلامي الشهير، لبرنامجه التليفزيوني «آخر النهار»، على قناة النهار الفضائية، متضمنًا محتوىً تلفازيًا يغلب عليه البعد السياسي، ومُداخلات لبعض الأصوات المعارضة، والممنوعة من الحديث في وسائل الإعلام المصري، خرج «سعد» من المشهد الإعلامي، بعد تعهد القناة بعدم تجديد تعاقدها معه، وصعوبة ظهوره في أي وسيلة إعلامية أخرى.

محمود سعد

«أنا في الوضع اللي أنا فيه ده مش مبسوط، لكنى مستريح، أنتم شايفين الشاشة عاملة إزاي والدنيا عاملة إزاي». كانت هذه الكلمات التي صاغها «سعد» في رسالة لجمهوره، عقب توقفه عن الظهور الإعلامي، لتبرير استبعاده خلال هذه الفترة.

وكشف أحد المُقربين من «سعد»، لـ «ساسة بوست»، عن طبيعة الضغوط التي تعرض لها البرنامج، خلال أيامه الأخيرة: «الضغوط كانت موجودة طيلة الوقت، سواء كانت من إدارة القناة، أو رسائل شفهية من المسؤولين، قبل أن تنتقل هذه الضغوط لمرحلة جديدة، متمثلة في اتصالات من جهات سياسية، خلال توقيت إذاعة البرنامج، وإبلاغ المعدين بعدم مناقشة قضايا مُحددة، كالاختفاء القسري، أو قطع الاتصال التليفوني بباسم يوسف، أو استضافة بعض الوجوه المنتقدة للنظام، التي اعتاد البرنامج على استضافتها».

ويضيف المصدر، الذي رفض الكشف عن هويته: «بعد انتهاء عقد سعد مع القناة، عرضت القناة عليه مُقترحين: إما إطلاق برنامج فني اجتماعي، يقدمه أسبوعيًا، أو عدم التجديد معه، فكان خيار سعد إنهاء تعاقده، والبقاء ببيته، لتأكده من صعوبة تعاقد قناة أخرى معه».

مجدي الجلاد

كان وجهًا إعلاميًا استثنائيًا، خلال عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مُبارك، فهو من أجاد نسج نمط فريد، وخصوصية في العلاقة جمعته بالسلطة الحاكمة.

مجدي الجلاد

كان «الجلاد» رئيسًا لتحرير جريدة «المصري اليوم»، الصحيفة المصنفة كـ «معارض للنظام»، وتتمتع بمصداقية لدى الجمهور، وتأثير واسع في شرائح عمرية متباينة، وهو أيضًا الصحفي الذي «يتحايل» على ذلك، بخصوصية أنماط صلاته مع رجال السلطة، معتبرين إياه صديقًا لهم، ولا يسعون لتنحيته من المشهد الإعلامي، أو يستخدمون حياله وسائل ترهيب، ويتيحون له مساحة النقد التي يحتاجها، كي تظهر وتنتشر جريدته، التي يترأسها كـ «مُعارضة للنظام».

الخصوصية التي تمتع بها «الجلاد»، في صلته مع سلطة مبارك، لم تكن كفيلة بتسيير علاقاته مع السلطة الحالية، المختلفة من حيث بنيتها السلطوية عن النظام المباركي، ولم تكن كفيلة حتى بتسويق نفسها لهم.

بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، انتقل «الجلاد» لتأسيس تجربة إعلامية جديدة، شملت صحيفة يومية، وقناة فضائية مملوكة لرجل الأعمال المصري، محمد الأمين، المعروف بأنه «واجهة لاستثمارات خليجية»، تجربة جديدة برواتب ضخمة، وامتيازات كبيرة للعاملين في الجريدة أو القناة، التي شهدت ضخ أموال طائلة، في الفترة التي سبقت عزل الرئيس السابق «محمد مرسي».

لمع اسم «الجلاد»، خلال فترة حُكم الإخوان المسلمين، كمعارض سياسي للسلطة الحاكمة، من خلال جريدته اليومية، أو برنامجه التلفازي، الذي يقدمه على شاشة قناة cbc. ولم يستمر بريق الجلاد، الذي كسبه على مدار العشر سنوات الأخيرة، خلال عهد «السيسي»، ولم تكفل له المعادلة القديمة، التي صاغها خلال عهد مبارك، تسويق نفسه للسلطة الجديدة، التي ارتأت في مساحة «الهامش» في جريدته اليومية مساحة بارزة، ومسألة ينبغي اقتلاعها من جذورها.

أحد العاملين بجريدة «الوطن»، يحكي لـ «ساسة بوست» وقائع نفي «الجلاد» ومجموعته من الجريدة: «كان الجلاد ينشر من حين لآخر تحقيقًا، أو مقالًا معارضًا للسلطة، يسعى من خلاله لتسويق جريدته لجمهوره، الذي اعتاده منه هذا الأمر، قبل أن تحدث واقعتان، كانتا بمثابة القشة التي قصمت ظهره في الإعلام».

ويضيف: «في إحدى الحوادث الإرهابية بسيناء، تباينت أعداد ضحايا جنود القوات المُسلحة، ففي حين أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة عددًا للضحايا، أعلنت الجريدة، بناء على مصادرها، رقمًا أكبر من الرقم المُعلن من جانب القوات المسلحة، وتجاهل الجلاد اتصالات الجهات الإعلامية له، من جانب القوات المسلحة، لتغيير الرقم المذكور في الجريدة، وواجههم الجلاد آنذاك بتأكده من صحة الأرقام المُعلنة من جانبنا».

ويتابع: «أما الواقعة الثانية فتمثلت في كتابته مقال أنا صرصار، والمتضمن هجومًا على السلطة القائمة في مصر، والذي كتب نهايته، بعد تواصل جهات سيادية مع مالك الجريدة محمد الأمين، وإبلاغه بإنهاء تعاقده مع الجلاد، جنبًا إلى جانب تخفيض عدد أيام برنامجه على شاشة cbc».

مُحاصرة السلطة الحالية للجلاد، شملت التضييق عليه في تجربته الإعلامية الجديدة، التي تشمل إصدار جريدة يومية، بتمويل رجل الأعمال نجيب ساويرس، حيث لاتزال الأمور عالقة، نتيجة تعنت السلطات في بعض الإجراءات الإدارية، رغم ترويج الجلاد الدائم أن تجربته على وشك الانطلاق.

يسري فودة

«أنا كنت أرى أنه من الأفضل وقف البرنامج، حتى لا نضفي شرعية على مشهد نحن نتحفظ عليه». كان هذا المبرر الذي ساقه الإعلامي ذائع الصيت، يسري فودة، لتوقف برنامجه المتلفز اليومي، المذاع على شاشة قناة ON TV، قبل أن ينتهي مصيره بالخروج من المشهد الإعلامي.

يسري فودة

ظل فودة خارج المشهد الإعلامي المصري على مدار عامٍ ونصف، ترفض أي قناة تليفزيونية مصرية ظهوره على شاشتها، حتى وإن كان ضيفًا على أحد برامجها، قبل أن يعود من جديد عبر بوابة محطة DW الألمانية، من خلال برنامج أسبوعي، يقدمه من العاصمة الألمانية برلين، وينطلق خلال الشهور المُقبلة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد