“سيشنقونني لأني مسلم” جملة قالها الشيخ عبد القادر ملا (أعدم في ديسمبر 2013)، تلخص حقيقة العداء العلماني الذي تتبناه الحكومة البنغلاديشية تجاه سكان رابع أكبر دولة في العالم من حيث السكّان المسلمين الذين يبلغ عددهم 140 مليون نسمة (87% مسلمون).

تستمر الإعدامات المتتالية والمحاكمات غير العادلة ضمن سياسة ممنهجة لتصفية القادة والجماعة الإسلامية في بنجلاديش، وذلك منذ تم حظرها في يناير 2013 وبعد تجفيف ممنهج لمنابع التعليم الإسلامي لإفساح الطريق أمام تمكين الفكر العلماني والهندوسي والتغريبي، وإغلاق العديد من المؤسسات التعليمية والخيرية؛ حيث تحاول الحكومة تصفية الخصوم وخلق موجة العصبية السياسية لتكون ورقتها الرابحة في انتخابات العام القادم، الجماعة التي أعلنت في بيان لها أنها تتعرض لحملة محاكمات منظمة وأنها ترى الاعتقالات والمحاكمة وأحكام الإعدام عمليات انتقام سياسي، ناشدت دول العالم الإسلامي الوقوف جانبها والتسويق لقضيتها عبر وسائل الإعلام، خاصة أنه صدر مؤخرًا بحق ثلاث من قادتها وهم مطيع الرحمن نظامي ومير قاسم ومحمد قمر الزمان أحكام بالإعدام بزعم “ارتكاب جرائم حرب” تعود إلى “حرب الاستقلال” عام 1971.

للوقوف على حقيقة الأمر تطرح “ساسة بوست” التساؤلات التالية:

كيف بدأ عداء الحكومة للجماعة الإسلامية؟ ولماذا؟

عندما انفصلت باكستان عن الهند إبّان الحرب العالمية الثانية في العام 1947، كانت الجماعة الإسلامية بالهند بقيادة الشيخ “أبو الأعلى المودودي” قد أيدت هذا الانفصال باعتباره يؤسس وطنًا للمسلمين بعيدًا عن الهندوس بالهند، لذا تحالف المودودي مع القادة العسكريين بباكستان لمواجهة القوات الهندية، وقامت “جمهورية باكستان الإسلامية”.

وفي عام 1971م انفصلت بنجلاديش عن باكستان، فاعتقل الآلاف من معارضي الانفصال، لكن الحكومة آنذاك برّأتهم وأطلقت سراحهم، بعد إبرام اتفاق بين بنجلاديش وباكستان والهند، وأعلن العفو عن جميع المعارضين.

لقد كان موقف الجماعة الإسلامية آنذاك متحفظًا تجاه الانفصال، فجمهورية باكستان “الإسلامية” ما زالت وليدة ولن تتحمل انفصالاً كهذا، إضافةً إلي أن الهند تدعم هذه الانفصال، مما يعني أنه جاء انتقامًا من الانفصال الباكستاني السابق، وقد قامت دولة باكستان نتيجة لجهود مضنية كانت الجماعة الإسلامية أحد الأطراف الهامة فيها، ودعمت الجماعة الإسلامية باكستان معنويًّا في حربها ضد الانفصال.

دامت الحرب تسعة أشهر استطاعت القوات البنغالية المدعومة من الهند تحقيق نصر ساحق على القوات الباكستانية، وبدأ مجيب الرحمن في قيادة بنجلاديش، وانخرطت الجماعة الإسلامية بعد ذلك في العمل السياسي ببنجلاديش، إلا أن انقسامًا حادًّا حدث بين السياسيين، فقد انقسمت الساحة السياسية ببنجلاديش إلى طائفتين: أولهما: أنصار مجيب الرحمن ( تولت الشيخة حسينة بعده قيادة هذا التيار). وثانيهما: الجماعة الإسلامية وحلفاؤها.

وعبر سلسلة من الانقلابات العسكرية في بنجلاديش واغتيالات من قبل السياسيين لبعضهم البعض، وصلت الشيخة حسينة إلى السلطة في العام 2008، وبدأت ما وصفه محللون بتصفية المعارضة السياسية، وتصفية حساباتها معهم.

ما هي أهم وسائل تصفية الجماعة الإسلامية في بنجلاديش؟

تستخدم الآن الحكومة البنغالية ما تسمى بـ “المحكمة الدولية للجرائم” في دكا كي تتمكن بسهولة من إصدار أحكام إعدام تستهدف قادة الجماعة الإسلامية مفتقدة أبسط قواعد النزاهة والحيادية، فهذه المحكمة التي تثير جدلاً تستهدف في المقام الأول استئصال قادة الجماعة الإسلامية بغية تنفيذ مخطط نشر العلمانية في البلاد.

أنشأت في (مارس) 2010 وأطلقت عليها صفة الدولية مع أنها لا تخضع لإشراف أي مؤسسة دولية كونها محكمة محلية كل قضاتها من الموالين للحكومة، ولم يسمح لأي قاضٍ أو محامٍ من أية دولة في العالم أن يحضر حتى ولو بصفة مراقب.

وكانت أصعب اللحظات في تاريخ القضاء البنغالي في شهر ديسمبر/كانون الأول المنصرم عندما نشرت مجلة “إكونومست” البريطانية نص المكالمات التي بلغت 17 ساعة علاوة على 230 رسالة بالبريد الإلكتروني، وكانت بين رئيس المحكمة نظام الحق وصديقه المقيم في بلجيكا. حيث اعترف فيها رئيس المحكمة بأن المحاكمة هي محاكمة سياسية بحتة، وأن الحكومة تمارس عليه ضغوطًا كبيرة لإصدار حكم الإعدام ضد قيادات المعارضة. وأن المحاكمة مسرحية أعدت أحكامها مسبقًا.

هذه المكالمات التي أدت إلى استقالة رئيس المحكمة نظام الحق كشفت حقيقة المحكمة، وفضحت الحكومة، لكنها لم تغلق باب المحاكمة، وعينت الحكومة رئيسًا جديدًا للمحكمة. خلال شهرين من تولى المسؤولية أصدر الرئيس الجديد أحكامًا تتراوح بين الإعدام والمؤبد ضد ثلاث شخصيات دينية.

لماذا تعاظم عداء الحكومة البنغالية تجاه الإسلاميين في الفترة الأخيرة؟

الإجابة تكمن كما تقول د. ليلى البيومي في أن حزب “رابطة عوامي” العلماني المتطرف، أدرك مدى تعاظم قوة الجماعة الإسلامية، وتضاعف نفوذ الحزب بين الناس، وأيقن أنها وبثقلها الشعبي باتت تشكل خطرًا كبيرًا عليه وعلى الطابع العلماني للدولة، فلم يجد سوى إعادة إثارة القضية عام 2008م. وكانت الاتهامات جاهزة، بل أكثر من ذلك؛ أعلنت الحكومة عدة قرارات قمعية؛ منها حظر أية ممارسة إسلامية سياسية، ومنع التعليم الإسلامي، واتخاذ كل الوسائل الموجهة لإضعاف المعارضة الإسلامية. وفرض العلمانية في التعليم والفكر والثقافة بالقوة، فحزب عوامي الطائفي المتطرف الذي تنتمي إليه حكومة حسينة واجد عاد إلى الحكم بطريقة مريبة بعد انقلاب عسكري عطل الدستور، ثم تم وضع دستور يراه الكثيرون مناقضًا الإسلام، ويهدف إلى تأصيل العلمانية في بنجلاديش، وتمكنت بعده الحكومة من اتخاذ إجراءات تعسفية ضد الحزب الإسلامي بالأساس، ومنعت بموجب مادة تحظر الأحزاب الدينية (12 حزبًا إسلاميًّا من العمل)، واعتقلت المئات من قادة وكوادر وأنصار الجماعة الإسلامية ثالث كتلة سياسية في البلاد، وشرعت في التخلص منهم عبر محاكمات هزلية كتلك التي أعدم بسببها الشيخ عبد القادر ملا.

هل تتخذ الحكومة موقفًا معاديًا ضد أي نشاط ديني في البلاد؟؟

على النقيض من تعنت الحكومة تجاه عمل الأحزاب والجماعات الإسلامية، هناك نشاط بالغ لا يمكن تجاهله لعدد كبير من المنظمات التبشيرية في بلد تقطنه أغلبية إسلامية تزيد نسبتها عن 89% من عدد السكان، تمضي هذه المنظمات التنصيرية في خطوات ثابتة نحو هدف معلن منذ عشرات السنين بتنصير 20 مليون شخص حتى العام 2020، و بجهود تصاعدية تبذلها ما يزيد على 30 ألف منظمة، تركزت جهود هذه المنظمات في بناء الكنائس في كل مكان، حتى في المناطق التي لا يوجد بها أي فرد مسيحي، فارتفع عدد الكنائس في بنجلاديش من 13 كنيسة عام 1960 إلى أكثر من 500 كنيسة حاليًا. وتشمل الأنشطة التنصيرية جميع الطوائف؛ المسلمين والبوذيين والهندوس.

ووفق اعتراف “الأب لينتو” – في وقت سابق لوسائل الإعلام- بأنه: “لا يمر شهر دون أن تأتي مجموعة من الناس ليعلنوا اعتناق المسيحية في كنيسة كاكريل. وليس هناك أية مشكلات تعوق الدعوة إلى المسيحية”، مضيفًا أن: “الحكومة لم تتوان عن تقديم أي دعم لنا.. نحن أقلية، لكننا نمتلك نفوذًا في مجتمعنا”.

ووفقًا لمدير جامعة دار المعارف الإسلامية ببنجلاديش الشيخ “محمد سلطان ذوق الندوي” في حوار أجراه مع ليلى بيومي فإن 30 ألف منظمة غير حكومية تمتلك من مساحة البلاد 54 ألف ميل مربع، تنفق تلك المنظمات ثمانية مليارات “تاكا” (200 مليون دولار) من مجموع المساعدات الخارجية التي تبلغ 10 مليارات “تاكا” سنويًّا (250 مليون دولار) (40 تاكا = دولارًا)، وتنظم بعض هذه المنظمات حملات إساءة للقرآن والرسول -صلى الله عليه وسلم- بصورة علنية، كما تدعم بعض المرشحين في الانتخابات الذين وصل كثير منهم إلى البرلمان ومقاعد الحكومة، ويمثلون غطاءً أو خط دفاع لأنشطتها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد