يحتفي البنك الدولي بانتشال 20 مليون شخص من براثن الفقر في بنجلاديش خلال عقدين؛ إذ تقلصت معدلاته من 44.2% عام 1991 إلى 18.5% عام 2010. ويشهد رئيس البنك الدولي جيم يونج كيم بأن «جهود بنجلاديش في الحد من الفقر يمكن أن تملأ كتابًا». ويصل تفاؤل وزير المالية البنجلاديشي أبو المال عبد المغيث إلى سقف التوقُّع بأن في مقدور بلاده «القضاء على الفقر فعليًّا قبل عام 2030».

وإذا كان الفقر يتراجع بسرعة مليونيّة، فإن صناعة الملابس المزدهرة في بنجلاديش صعدت إلى مستويات قياسية لتحتل المرتبة الثانية عالميًّا بعد الصين، حتى أصبحت مصانع الملابس في بنجلاديش تصدر منتجاتها إلى معظم سلاسل الملابس والأزياء العالمية الشهيرة مثل: مانجو في إسبانيا، وبريمارك في بريطانيا، حسبما أعلنت رابطة شركات صناعة المنسوجات والأزياء بألمانيا. 

وإذا تراجع الفقر وازدهرت الصناعة، فلا غروَ أن يتحسن الوضع الصحي العام، فينخفض عدد وفيات النساء أثناء الوضع بنسبة 40% في عام 2015 عن عام 2001، وينخفض عدد الأطفال الذين يموتون قبل الخامسة بنسبة الثلثين في الفترة من 1990 إلى 2013. 

ولتكتمل الصورة المُشرِقَة، نجحت بنجلاديش في دمج حوالي 99% من الأطفال في التعليم الابتدائي. ومع أن التقدم على مستوى التعليم الثانوي لم يكن بالنجاح ذاته، فإن الانتقال من 29% إلى ما يتجاوز 60%، ليس سيئًا على الإطلاق.

حتى الكوارث الطبيعية، أصبحت بنجلاديش أكثر قدرة على الصمود أمامها؛ بفضل جهودها المتواصلة لتوفير المزيد من مساكن الإيواء وأنظمة الإنذار المبكر، ما أسهم في خفض حالات الوفاة الناجمة عن الأعاصير، بأكثر من مائة ضعف خلال الأربعين عامًا الماضية.

لم يكن كثيرون يتوقعون أن تستطيع بنجلاديش القيام بهذا كله، إبان حرب الاستقلال التي أودت بحياة ثلاثة ملايين شخص، ودمرت ثلثي الاقتصاد، وتركت 70% من سكان الدولة الجديدة يكابدون الفقر، لدرجة أن البلاد والعباد كانوا مثل «المياه الراكدة»، على حد وصف حسين ظل الرحمن، مؤسس مركز بحوث القوة والمشاركة في دكا. 

لكن بينما تفتخر بنجلاديش بأنها تأسست على أربعة مبادئ أساسية هي: القومية، والاشتراكية، والديمقراطية، والعلمانية، يتحسَّر محمد طارق حسن، عالم الأنثروبولوجيا الذي يُدَرِّس في جامعة دكا، على تخلِّي بلاده تدريجيًّا عن مبادئها التأسيسية؛ بعدما تحوَّلت إلى جنة للمشروعات الرأسمالية، ووجهت أشرعتها ناحية القلّة النخبوية بدلًا من جماهير الشعب.

الضحية الأولى لتزاوج السلطة ورأس المال: الشعب

يحذر «حسن»، في مقالٍ نشرته صحيفة «دكا تايمز»، من التغييرات المترتبة على هذا التزاوج بين السلطة ورأس المال، والتي تؤثر بشكل مباشر في الشعب، مثل: التخلي عن برامج الرعاية الاجتماعية، وتسليم الشركات زمام السلطة التنظيمية، ما يؤدي إلى إعادة صياغة النظام الاجتماعي. 

ونظرة إلى الحوادث الأخيرة، مثل: وباء حمى الضنك، وحظر المنتجات الغذائية غير المطابقة للمعايير، والاستيلاء على الأراضي في جميع أنحاء البلاد؛ توضح كيف تمسك القوة الاقتصادية بزمام الأمور في الدولة، بحسب «حسن»، والأكثر خطورة أن يسهم التواطؤ بين الشركات التجارية ووكالات الدولة في انتشار وباء حمى الضنك، نتيجة استخدام المبيدات الحشرية غير الفعالة.

وحين تصبح الدولة مجرد موظف تابع لقوة الشركات الاقتصادية؛ تصير النقابات التجارية عصية على حكم سلطات الدولة، وتتمتع الشركات التجارية التي تنتج وتوزع الأطعمة غير المطابقة للمعايير بحماية وكالات الدولة، وتُستَخدَم المشروعات التجارية التابعة للجهات السيادية في إرهاب الناس من أجل الربح. 

جنة الرأسمالية.. هكذا تتواطأ الحكومة مع الشركات 

أصبح هذا التواطؤ بين الشركات التجارية والهيئات الحكومية أكثر وضوحًا، عندما اكتشف مركز الأبحاث الطبية الحيوية وجود مضادات حيوية ضارة في خمسة من منتجات الألبان المعبأة. والمفاجأة أن المسؤولين الحكوميين المعنيين رفضوا الإقرار بالنتائج، بذريعة أنها كانت ضمن الهامش المقبول بموجب اللوائح.

علاوة على ذلك، ظهر المدعي العام أمام المحكمة العليا محامي دفاع عن شركتين، وكشفت العديد من التقارير الإخبارية مؤخرًا عن أن شقيق نائب في البرلمان انتزع بشكل غير قانوني 60 فدانًا من الأراضي لبناء فندق ومنتجع من فئة الخمس نجوم في حي بندربان مما تسبب في تآكل ثلاث قرى تقريبًا.

علاوة على ذلك، تعد الكوارث الجماعية، مثل: انهيار مبنى رنا بلازا المكون من ثمانية طوابق في عام 2013 ما أدى إلى مقتل 1129 وإصابة 2515 آخرين، ومذبحة فولباري في عام 2006، مثالين على التكلفة البشرية المترتبة على سيطرة الشركات على الدولة. 

وقد تكررت هذه الظاهرة في سوق الأوراق المالية والبنوك التجارية، ومحطات التعدين والطاقة، والصناعات العامة والخاصة، وتحديد أسعار السلع الضرورية، وتبييض الأموال السوداء، وغيرها.

ويكفي لمعرفة مدى عمق تحكم الشركات في الدولة أن 61.07% من المشرعين الحاليين المنتخبين من رجال أعمال. ولا غروَ والحال هكذا أن تسيطر الشركات التجارية على عالم السياسة تدريجيًّا، وبالتالي تؤثر إلى حد كبير في سياسات الدولة. فإذا حصل العديد من السياسيين على حصص في شركات مختلفة، فهذا يعني تحوُّل السياسة إلى فرصة تجارية للسياسيين.

الأرقام قد تكذب أحيانًا!

والحال هكذا، لا يحتاج المراقب إلى حدة بصر ليدرك أن التسويات التي توصلت إليها الدولة مع الشركات لن تصب على الإطلاق في مصلحة الجماهير، وهو ما يشرحه المقال المنشور في صحيفة «دكا تايمز» عبر ثلاثة مؤشرات اقتصادية.

أولًا؛ وفق توقعات بنك التنمية الآسيوي، تحتل بنجلاديش المرتبة الأولى بين دول جنوب آسيا. ومن المقرر أن تحقق بنجلادش نموًّا قدره 8% في الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية الحالية.

ثانيًا؛ توقع دليل «High Net Worth 2019» أن تشهد بنجلاديش ثالث أسرع نمو في الأفراد ذوي القيمة الصافية المرتفعة خلال السنوات الخمس المقبلة بمعدل سنوي مركب قدره 11.4%.

ثالثًا؛ وعلى عكس ما سبق، خلصت دراسة استقصائية حديثة عن دخل الأسرة ونفقاتها في بنجلاديش عام 2016 أن معامل جيني (مقياس عدالة توزيع الدخل القومي) يبلغ 0.482، ما يشكل ارتفاعًا ملحوظًا عن 0.458 في عام 2010 (كلما كانت قيمة معامل جيني صغيرة، كلما كانت عدالة توزيع الدخل أفضل).

وحين ترتفع مؤشرات اللامساواة الاقتصادية بموازاة زيادة النمو الاقتصادي؛ يجدر بأجراس الإنذار أن تُقرَع؛ لأن ذلك دليل واضح على أن التوجه الاقتصادي بعيد كل البعد عن كونه يعمل لمصلحة الجميع. 

ويبقى مصدر القلق الأكبر هو: تداعيات استقلال الشركات المتزايد عن سيطرة الدولة، والتي يمكن تَتَبُّعها في كل المآزق الراهنة- بحسب «حسن»- فعلى الرغم من نمو العديد من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية، كان الناس دائمًا هم الضحية، بينما تسيطر الشركات تدريجيًّا على سلطات الدولة لكن دون التزامات في المقابل.

فوائد أن يكون للشركة صديق في إدارة مكافحة المخدرات 

توصلت شركة كراون للمشروبات إلى طريقة قانونية للالتفاف على الحظر الإسلامي للمشروبات الكحولية؛ بتقديم منتج يبدو مثل الجعة، ومذاقه مثل الجعة، لكنه وفقًا للقانون مجرد شعير منقوع.

وقال شميم إسلام، المدير التنفيذي لشركة كراون للمشروبات: «إن صديقًا في إدارة مكافحة المخدرات منحنا الفكرة، التي ما كانت لتخطر على بالنا، إننا نصنعها مثل الجعة ولكنها بالقطع ليست جعة؛ إذ إن نسبة الكحوليات فيها لا تتجاوز 5%».

بفضل هذا الصديق، استطاعت الشركة التسلل من ثغرة في قانون المخدرات والمسكرات في بنجلاديش الصادر عام 1990، والذي يعرف الجعة بأنها: سائل شعير منتج بطريق التخمير ويحوي نسبة كحول لا تقل عن 5% ولا تزيد عن 8.5%. وهي الصياغة القانونية التي كانت تهدف في الأساس إلى ضمان عدم اندراج العقاقير الطبية التي تحوي الكحول تحت طائلة هذا القانون.

ولفت النائب الإسلامي دلوار حسين، المنتمي لحزب يشارك في الائتلاف الحاكم، إلى أن «الشباب والأطفال باتوا مغرمين بها بفضل تلك الاعلانات الملونة». محذرًا من أن ذلك سيسبب مشكلات اجتماعية.

سيطرة العائلات على الشركات.. بيزنس أم مافيا؟ 

تخضع معظم الشركات المُدرَجة في بنجلاديش إما إلى سيطرة العائلات التي يميل أفرادها إلى إدارة أعمالهم من خلال الملكية المباشرة وغير المباشرة، والمشاركة بنشاط في إدارة الشركة، إما شخصيًا وإما من خلال الروابط العائلية، وإما لسيطرة واحد أو عدد قليل من المساهمين الرئيسيين، مما يتيح للمتنفِّذين داخل الشركة مصادرة مصالح المساهمين الأقلية.

ويرصد بحث أعده بالاب كومار بيسواس في عام 2013 عدة نظريات لتفسير هذه الظاهرة؛ أبرزها أن المؤسس، الذي يكون رجلًا في الغالب، يشعر بالارتياح والرضا عندما يجد أبناءه يديرون الأعمال التجارية التي تحمل اسم العائلة. 

وعندما يصبح للأعمال التجارية دور رعاية الأحداث الاجتماعية، أو السياسية، أو الثقافية الرئيسية، أو التأثير فيها؛ من الطبيعي أن تحاول العائلات الحفاظ على سيطرتها قدر الإمكان. 

ونظرًا لأن المالك والمدير المسيطر يكونان الشخص نفسه في الشركات التي تديرها العائلة، فقد يتمتع المساهمون بحماية أفضل حال ارتكاب مخالفات إدارية. كما أن بعض التعارضات الأكثر شيوعًا بين المالكين والمديرين قد لا تنشأ في الشركات التي تسيطر عليها الأسرة.

ومن الطبيعي في هذا المناخ وقوع العديد من المخالفات التي لم تُكتَشَف أو لم يُعاقب مرتكبوها، حسبما تُظهِر الدراسات المختلفة وتقارير البنك الدولي الذي- برغم شهادته المثبتة في بداية هذا التقرير- يؤكد أهمية إجراء مزيد من الإصلاحات في هذا الإطار. 

خنق الديمقراطية تدريجيًّا

خلُص تقرير أصدرته مؤسسة برتلسمان الألمانية للأبحاث في مارس (آذار) 2018 إلى أن بنجلاديش «تخضع لحكم استبدادي». ورصد التقرير قائمة تضم 13 دولة «أصبح الوضع السياسي فيها أسوأ بكثير»، وفي خمس من هذه الدول، هي: بنجلاديش، ولبنان، وموزمبيق، ونيكاراجوا، وأوغندا، «جرى تقويض الديمقراطية تدريجيًّا على مدى سنوات» ولم تعد تلبي أدنى المعايير. 

وأفادت جماعات حقوق الإنسان، المحلية والدولية، عن تدهور حالة حقوق الإنسان في بنجلاديش خلال السنوات الأخيرة. ورصدت جماعة «Ain o Salish Kendra (ASK» الحقوقية ما يصل إلى 519 شخصًا وقعوا ضحية للاختفاء القسري منذ عام 2010، بينما ما يزال أكثر من 300 شخص آخرين في عداد المفقودين.

وذكر تقرير لـهيومن رايتس ووتش في 2017 أن الحكومة البنجلاديشية اعتقلت سرًّا مئات الأشخاص، معظمهم من الناشطين والشخصيات السياسية، المعارضين للحكومة.

 ونقل موقع الجزيرة الإنجليزية عن موظفة في شركة متعددة الجنسيات في دكا، تدعى نادية تبسم خان، قولها: إن «رابطة عوامي» (الحزب الحاكم) قمعت كل المعارضين لدرجة أنها لا تعتقد «أن أحدًا يجرؤ على الاحتجاج ضدهم».

وبينما تعترف ميناكشي جانجولي، مديرة هيومن رايتس ووتش لشؤون جنوب آسيا، بأن «بنجلادش ربما تكون قد حازت على الثناء الدولي لاستجابتها الإنسانية للتطهير العرقي الذي تمارسه ميانمار بحق الروهنجيا»، فإنها تشدد في الوقت ذاته على أن «الوضع المحلي لحقوق الإنسان ما يزال مدعاة للقلق».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد