يعيش لبنان أزمة اقتصادية حادة على عدة مستويات وفي كل القطاعات تقريبًا، لكن تتبلور الأزمة المالية في لبنان حاليًا بشكل واضح في البنوك، وذلك لأن القطاع المصرفي اللبناني واحدًا من أكبر القطاعات المصرفية العربية والدولية مقارنة بحجم الاقتصاد الوطني، إذ تبلغ الأصول المجمّعة للقطاع أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للبنان، وفق تقديرات صادرة عن اتحاد المصارف العربية في أكتوبر (تشرين الأول) 2018.

هذا يعني أن أي خلل سيصيب هذا القطاع سيهدد الاقتصاد اللبناني بشكل مباشر، لذلك عندما يتم الحديث عن أي مشاكل تواجه البنوك نجد مصطلحات كارثة ونكسة وخلافه من هذه التعبيرات التي توضح ضخامة الأزمة، لكن ما هي أبعاد الأزمة الحالية؟ ومن المسؤول عنها؟ وإلى أين ستصل؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه خلال السطور القادمة.

أزمة ثقة.. هل بنوك لبنان على حافة الانهيار فعلًا؟

في عام 1907 ما بعد الحرب الأهلية في أمريكا شهدت البلاد تضخمًا في عدد البنوك، إذ وصل حينها عدد البنوك بأمريكا إلى أكثر من 22 ألف بنك، لكن حدثت الكارثة التي سميت بالذعر المصرفي الأمريكي، إذ شهدت بنوك نيويورك سحبًا للسيولة، وفقدان كبير للثقة لدى العملاء، وهو ما أدى إلى أزمة مالية ضخمة، ودفع سوق البورصة للانهيار وفقدان أكثر 50% من الحد الأقصى للقيمة المالية المحققة قبل عام من الأزمة.

أزمة الذعر طالت أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية، ما أدى إلى إفلاس العديد من البنوك والشركات، واستمرت أثار الأزمة على مدار نحو ستة سنوات، وانتهت فعليا في 22 ديسمبر (كانون الأول) 1913، بعد إنشاء نظام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

بحث في الجذور.. متى توحش الفقر في لبنان؟

بينما في 2008 إبان الأزمة المالية الأخيرة سارعت الحكومات والقادة السياسيون إلى حماية النظام المصرفي، للحيلولة دون فقدان الثقة في البنوك كما حدث في 1907، فقد أقر الكونجرس خطة لإنقاذ البنوك الأمريكية بنحو 700 مليار دولار سنويًا في عهد الرئيس الأمريكي، جورج بوش، وهو نفس الأمر الذي حدث بأوروبا، إذ عملت الحكومات على ضمان الودائع والقروض بين البنوك لدعم ثقة المواطنين في البنوك؛ لأن انهيار الثقة يعنى إفلاس البنوك وانعدام قدرتها على التمويل والإقراض.

لكن هل هناك أوجه شبه بين أزمة الذعر الأمريكية والذعر الحاصل في لبنان حاليًا؟ في الواقع لا تكمن الأزمة في الإجراءات الاحترازية، مثل القيود على السحب من الأرصدة الدولارية، وهي الإجراءات التي لجأت إليها دول بالمنطقة من قبل كمصر، وتمكنت عبرها بالفعل من السيطرة على أزمة الدولار في بعض الأوقات، لكن الأزمة هي ثقة العملاء في البنوك، فمنذ الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد بين عامي 1975 و1990، لم يشهد الجهاز المصرفي في لبنان مثل هذه الأزمة.

حدوث أزمة الثقة في لبنان الآن أخطر من أي شيء آخر، لأن أغلب استثمارات المصارف اللبنانية تتركز في الديون السيادية، حيث تستحوذ أدوات الدين السيادي على أكثر من 60% من مجمل الموجودات في ميزانية المصارف؛ فلبنان من بين الدول الأعلى مديونية في العالم مقارنة بحجم الاقتصاد؛ إذ يبلغ الدين العام نحو 150% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بسبب تفاقم نسبة خدمة الدين وتزايد الإنفاق الحكومي، مع ارتفاع عجز الموازنة.

ووفق تقديرات جمعية المصارف في لبنان، فإن نسبة الدين من مصرف لبنان ومصارف ومؤسسات مالية لبنانية تصل إلى نحو 89%، مقابل 11% من مؤسسات وصناديق أجنبية، إذ تبلغ حصة القطاع المصرفي اللبناني من إجمالي الدين بالليرة اللبنانية 36.6% بنهاية شهر يونيو (حزيران) 2018، وحصة القطاع غير المصرفي 15.4%، وحصة مصرف لبنان 48%.

الآن وصل الأمر إلى دخول العملاء إلى البنوك بأسلحتهم لتهديد العاملين بسبب القيود على السحب من أرصدتهم، فبحسب نقابة موظفي البنوك، يواجه العاملون في البنوك اللبنانية سبابًا وتهديدات من العملاء، وذلك منذ أن أعادت البنوك فتح أبوابها قبل أسبوع، وذلك في ظل مساعي القطاع المصرفي لتفادي هروب رؤوس الأموال ومنع معظم التحويلات النقدية إلى الخارج وفرض قيود على السحوبات بالعملة الصعبة.

في المقابل لم يعلن مصرف لبنان المركزي عن أي قيود رسمية على رؤوس الأموال، ويقول رئيس اتحاد نقابات موظفي المصارف، جورج الحاج، وفق ما نقلت عنه وكالة «رويترز» أن هناك زبائن يحملون أسلحة دخلوا إلى بنوك وحراس الأمن خشوا التحدث إليهم، مضيفًا أن موظفي البنوك يدرسون الدخول في إضراب.

ويرى، الحاج -يمثل نحو 11 ألف عضو باتحاد نقابات موظفي المصارف- أن الوضع حرج للغاية، ولا يمكن لكثير من الموظفين مواصلة العمل في ظل الظروف الحالية، وهذا الأمر دفع البعض للتوقع بأن إضرابًا محتملًا للموظفين قد يرغم البنوك على إغلاق أبوابها في الأيام القادمة، وهذا الأمر إن حدث قد يضع بالفعل البنوك على حافة الانهيار.

أين وصل القطاع المصرفي اللبناني؟ ولماذا يحتج اللبنانيون على «حكم المصرف»؟

على الجانب الآخر، يصطدم اللبنانيين بقرارات خفض بعض البنوك للحد الأقصى للسحوبات من الحسابات الدولارية هذا الأسبوع، إذ تشير تقارير صحفية محلية إلى بعض البنوك قد خفضت الحد الأقصى لبطاقات الائتمان من 10 آلاف دولار إلى ألف دولار الأسبوع الماضي، فيما قال مصرفيون لوكالة «رويترز» إن «أي شيء يمس سيولة البنوك يجري تقييده».

الصدمة ليست داخل البنوك فقط، ولكن تشهد البلاد الآن طوابير طويلة عند ماكينات الصرف الآلي وتفشل الأغلبية في الحصول على الدولار من ماكينات الصرف، وهو الأمر الذي أنعش السوق السوداء، التي ظهرت للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين من الزمن خلال الأشهر الماضية، إذ تراجعت الليرة اللبنانية عن السعر الرسمي لتسجل أكثر من 1800 ليرة، مقارنة مع السعر الرسمي البالغ 1507.5 ليرة.

من المسؤول عن الهاوية التي سقط بها اقتصاد لبنان؟

بعيدًا عن التطورات بشأن السحب والإيداع، هناك سؤال ملح حاليًا، وهو من المسؤول عن الهاوية التي سقط بها اقتصاد لبنان؟، في الواقع ينبع جزء كبير من أزمة لبنان الاقتصادية من تباطؤ في تدفقات رؤوس الأموال الداخلة، ما أدى إلى نقص شديد في الدولارات الموجودة بالسوق، لكن هذا التباطؤ لم ينتج بين ليلة وضحاها؛ ما يعني أن اتهام الاحتجاجات التي انطلقت في 17 أكتوبر الماضي بالمسؤولية عن الأزمة غير منطقي.

 

في المقابل يتهم تقرير منشور على موقع «المدن» سياسات حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، التي زرعت البذور الأولى لأزمة شح الدولار، التي تعيشها لبنان اليوم، إذ يقول التقرير أن الدولرة أبعدت اللبنانيين عن عملتهم ووجّهت الطلب النقدي نحو الدولار، وبالفعل يمكن القول أن اقتصاد لبنان يعتمد بشكل أساسي على الدولار، إذ يدخل في كل المعاملات تقريبًا.

«إذا ما في دولار بالأسواق، ما في اقتصاد»

هكذا قال سلامة، بشكل مباشر خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده، اليوم، قائلًا إن لبنان تمتلك اقتصاد «مدولار» على حد تعبيره، مشيرًا إلى أن الثقة بالليرة اللبنانية ترتبط بهذا الأمر، خاصة مع تغيير سياسات البنك في 2016، إذ إن البنوك دفعات فوائد كبيرة على الأموال في الفترة الأخيرة، وهو ما وثق الجهاز المصرفي، على حد قوله.

على الجانب الآخر نجد أن لبنان بعد أن كان يصنف في المرتبة 63 عالميًا في العام 2006 تراجع على مستوى الفساد تراجع في 2007 ليصبح في المرتبة 99 من بين 180 دولة، ثم حل في المرتبة 138 في تقرير الفساد لمنظمة الشفافية العالمية لعام 2018، والذي يرصد درجة انتشار الفساد في القطاع العام، وبحسب المنظمة يبقى الفساد السياسي وتضارب المصالح في صدارة التحديات الكبرى التي تحول دون تحقيق أي تقدم في لبنان.

ويقول تقرير صادر عن «الباروميتر العربي» – شبكة بحثية مستقلة – إن غالبية اللبنانيين يرون أن الحكومة فاسدة، بينما يرى نحو الثلثين أن الرشوة ضرورية للحصول على خدمات أفضل، كما يستبعد تسعة من كل 10 تحسن الاقتصاد في غضون العامين إلى الأعوام الثلاثة المقبلة.

ويقول استطلاع الرأي الصادر عن الشبكة إن 91% يرون أن الفساد يؤثر على مؤسسات الدولة، بينما يعتقد الغالبية، خصوصًا من فئة الشباب، أن من الضروري دفع رشوة للحصول على خدمات تعليم أو خدمات رعاية صحية أفضل، فيما تعتقد الغالبية كذلك أن الدين لا يمثل حلًا للفساد، حيث يرجح نحو ثلثي اللبنانيين أن يكون القادة الدينيون فاسدين كغيرهم من المسؤولين.

وكما ذكرنا فالجهاز المصرفي في لبنان هو الاقتصاد، فأزمة سيولة البنوك توشك أن تصبح أزمة أسعار بالسلع أساسية وأزمة صرف عملات صعبة، وقد تقود البلاد نحو أسواق موازية لكل شيء، وإضافة إلى إغلاق محطات وقود، قد يصل الأمر إلى إغلاق المستشفيات، وغيرها من الأزمات، التي تنفجر.

إجراءات تقشفية وإضرابات.. هل يقف لبنان على حافة الإفلاس؟

وما يعقد الوضع أكثر هو أن «موديز» خفضت الأسبوع الماضي، تصنيفها للبنان إلى Caa2، إذ قالت الوكالة إن هذا الخفض يرجع إلى غياب تغيير سريع وكبير للسياسة، وتدهور ميزان المدفوعات ونزوح الودائع، إذ سيهبطان بنمو الناتج المحلي الإجمالي إلى الصفر أو أقل، وهو ما يقوض القدرة على خدمة الدين ويهدد بشكل متزايد جدوى ربط العملة.

إلا أن أهم ما جاء في تقرير «موديز» هو أن احتياطي النقد الأجنبي القابل للاستخدام لدى البنك المركزي يبلغ نحو خمسة إلى 10 مليارات دولار، و«سيُستهلك على الأرجح» في المدفوعات القادمة لخدمة الدين الخارجي للحكومة والتي تقدر بحوالي 6.5 مليار دولار هذا العام والعام القادم، بما في ذلك 1.5 مليار دولار تستحق في 28 نوفمبر (تشرين الثاني)، بحسب «موديز».

هل الأزمة المالية في لبنان متعمدة وهل البنوك لا تمتلك أموالًا؟

يرى حيدر عبد الله الحسيني، الإعلامي اللبناني المتخصص بالشأن الاقتصادي، في حديثه مع «ساسة بوست» أن أزمة السيولة أدت إلى وجود هلع بين المواطنين، لأن البنوك لا تستطيع تلبية كل طلبات العملاء في آن واحد، سواء لسحب الرواتب أو المعاشات، ورغم أن البنوك تمتلك نحو 170 مليار دولار كودائع، إلا أن هذه الأموال غير سائلة، فسحب الرواتب والمعاشات يتم بشكل تدريجي في الظروف الطبيعية، لكن الأوضاع الآن جعلت الجميع يطالب بسحب جميع المستحقات.

وأضاف الحسيني، خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن انتعاش السوق السوداء للدولار دفع الكثيرين أيضًا لمحاولة الاستفادة من فروق الأسعار بين السعر الرسمي في البنوك والسوق الموازي، خاصة أن الفجوة بين السعرين تصل إلى 300 ليرة، في حين أن قوانين مصرف لبنان لا تمنع الصرافات العاملة بالسوق من تحريك السعر هبوطًا وصعودًا، وهو ما ساهم في التلاعب بالسعر، على حد قوله، بينما يقدر المركزي حجم هذه الأموال بنحو 3 مليارات دولار.

ويوضح الحسيني أن هذه المعطيات أنتجت حالة من الهلع، أظهرت أن البنوك لا تمتلك أمولاً، رغم أن مصرف لبنان يمتلك أكثر من 38 مليار دولار احتياطي نقدي، ما يعني أن البنوك لديها أموال بالفعل، لكن الإجراءات الحالية احترازية أكثر من كونها أزمة قاتلة، لأن الحديث عن اختفاء كامل للسيولة يعني الانهيار، ولبنان لم يصل إلى هذه المرحلة.

وينفي الحسيني شبهة أن تكون هذه الأزمة متعمدة للتأثير على الاحتجاجات، قائلًا أن أزمة السيولة بدأت منذ مايو (أيار) الماضي، وذلك قبل نحو خمسة أشهر من الاحتجاجات التي اندلعت في أكتوبر الماضي، لكنه لا ينفي أيضًا البعد السياسي الذي جعل الأزمة أعمق، وخاصة تلك الضغوط على الحكومة المستقيلة، وتشاورات تشكيل حكومة جديدة، وهو ما منع حصول البلاد على أي مساعدات خارجية.

يشار إلى أن مصرف لبنان المركزي طالب البنوك المحلية برفع رؤوس أموالها اعتبارًا من نهاية العام الجاري وحتى نهاية 2020، إذ أصدر المصرف تعميمًا بذلك، من خلال السماح للمساهمين بضخ المزيد من السيولة بنسبة تصل إلى 20% من رأسمال البنوك الحالي.

هذا الإجراء حال تحقيقه، سيرفع رؤوس أموال البنوك اللبنانية بنحو 4 مليارات دولار، لتضاف إلى ما قيمته 20 مليار دولار حاليًا، لكن هذا الأمر قد يكون صعب في ظل الأزمة الحالية وخفض التصنيفات التي تعلنها الوكالات الدولية، وعجز السيولة، إلا أن قرار المصرفي يأمل أن يعزز هذا الإجراء القدرة المالية للبنوك اللبنانية لمواجهة الأوضاع الراهنة وأي تطورات مستقبلية.

ورغم أن «المركزي» لا يترك مناسبة دون الإشادة بمتانة القطاع المصرفي في البلاد، إلا أنه يؤكد على كون الحصول على تمويل محلي من البنوك اللبنانية البالغ عددها 42 بنكًا، حاليًا غاية في الصعوبة، وذلك لأن القروض المصرفية للقطاع الخاص تمثل 110% من إجمالي الناتج المحلي حاليًا.

ختامًا لا يمكن إهمال تصريحات، سليم صفير، رئيس جمعية مصارف لبنان، الذي خرج أول أمس ليقول: إن «أموال المودعين محفوظة ولا داعي للهلع» في محاولة لتهدئة المخاوف، إذ إن المؤتمر الصحافي لصفير جاء بعد اجتماع مع الرئيس ميشال عون ووزيري المالية والاقتصاد وحاكم مصرف لبنان ومسؤولين آخرين؛ ما يوضح أن إجراءات البنوك وإن كانت غير ناتجة عن قرارات مكتوبة، إلا أنها تأتي بتنسيق رسمي يهدف لعدم تفاقم الوضع.

من جانبه شدد رئيس مصرف لبنان اليوم، على أن وضع الودائع آمن تمامًا، ولا يوجد أي تضرر للودائع، لكن ما يحدث هو محاولة للحفاظ على ودائع اللبنانيين من خلال الإجراءات التي حدثت الأيام الماضية، كما أن المصرف فتح المجال للبنوك التجارية الاقتراض من «المركزي» وبفائدة 20%، شرط عدم خروج هذه الأموال إلى الخارج، وأوضح سلامة أن «المركزي» طلب من المصارف تخفيف الإجراءات التي اتخذتها مؤخرًا.

جدير بالذكر أن توبي إيلز، مدير الفريق السيادي في وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية، قد حذر من أنه بالرغم من كون 75% من الودائع مقومة بالدولار، إلا أن عمليات السحب الكبيرة قد تضر باحتياطيات النقد الأجنبي، إذ تواجه البنوك عجزًا كبيرًا في الأرصدة مقابل الالتزامات بالنقد الأجنبي أو الودائع القصيرة الأجل وأصول النقد الأجنبي أو الدولارات المُحتفظ بها في البنك المركزي.

حتى لا ننسى.. كيف ساهم البنك والنقد الدوليان في إفقار العراق ولبنان؟

المصادر

تحميل المزيد