أين وصل القطاع المصرفي اللبناني؟ ولماذا يحتج اللبنانيون على «حكم المصرف»؟

يعرف البنك المركزي بأنه منظمة مستقلة، يعمل على إصدار العملة المحلية ويحافظ على قيمتها، ويساهم في تنظيم كمية المعروض النقدي، ويراقب كافة العمليات الخاصة بالمصارف التجارية والحكومية؛ إذ يسمى «بنك البنوك»؛ لأنه يتحكم بالأموال ضمن القطاع الاقتصادي، بينما أهم وظائف «المركزي» هو تنفيذ السياسات المالية والنقدية.

ويتم الاعتماد على البنك المركزي في تنفيذ السياسات المالية للدولة، سواء من خلال إصدار العملات، وتحديد سعر الفائدة على القروض والسندات وتحريكها حسب معدلات النمو والتضخم، وذلك لتحقيق الأهداف الاقتصادية التي تهدف إليها الحكومة.

6 أسئلة تشرح لك كل ما تريد معرفته عن الحراك اللبناني

هذه هي أبرز المهام التي تقوم بها البنوك المركزية حول العالم، لكن عندما نتحدث عن مصرف لبنان المركزي (البنك المركزي)، قد نجد أن الأمر أكبر من ذلك لعدة اعتبارات، أهمها هو أن القطاع المصرفي في لبنان هو القطاع الأكبر والأهم، ويكاد يكون المتحكم الأول في الاقتصاد الكلي، إذ تشير تقديرات صادرة عن اتحاد المصارف العربية في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، إلى أن القطاع المصرفي اللبناني واحدًا من أكبر القطاعات المصرفية العربية والدولية مقارنة بحجم الاقتصاد الوطني، إذ تبلغ الأصول المجمّعة للقطاع أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للبنان.

إلى أين وصل القطاع المصرفي في لبنان؟

يحتل القطاع المصرفي اللبناني المرتبة الخامسة بين القطاعات المصرفية العربية من حيث حجم الأصول، إذ بلغ حجم الموجودات المجمعة للقطاع المصرفي اللبناني حوالي 234.6 مليار دولار بنهاية الفصل الثاني من العام 2018، مسجلاً نموًا نسبته 6.7% عن نهاية العام 2017، ووصلت نسبة ودائع القطاع الخاص لنحو 97.7% من مجمل الودائع بنهاية الفصل الثاني 2018.

ويتبع القطاع نموذج أعمال محافظ، إذ يلتزم بشكل جيد بالتشريعات الدولية، وتصنف البنوك اللبنانية بنوعية جيدة من الأصول ونسب عالية من السيولة بالعملات المحلية والأجنبية على حد سواء، فقد مثلت السيولة الأولية بالعملات الأجنبية لدى المصارف حوالي 50% من الودائع بالعملات الأجنبية بنهاية النصف الأول 2018.

كما أنه يعد أحد أشهر القطاعات المصرفية في المنطقة، إذ تتدفق عليه الودائع منذ 1997 عندما تم ربط العملة المحلية بسعر 1507.5 ليرة مقابل الدولار، وبحسب ما قال توفيق غاسبار، رئيس البحوث السابق في مصرف لبنان المركزي، لوكالة «رويترز»، فإن «الحصول على العملة الأجنبية في لبنان كان سهلا حتى أثناء الحرب الأهلية التي استمرت 15 عامًا».

إتحاد المصارف العربية – إدارة الدراسات والبحوث

وأضاف، غاسبار، أنه «كان هناك على الدوام فائض في ميزان المدفوعات حتى عام 2011، عندما بدأ العجز يتزايد حتى وصل إلى 12 مليار دولار في العام الماضي»، بينما يرى صندوق النقد الدولي أن دفع المصارف اللبنانية أعلى معدلات فائدة على الودائع (بالليرة والدولار)، على مدار السنوات العشر الماضية بهدف جذب الودائع؛ أثر على جودة الائتمان، بالإضافة إلى زيادة القروض غير المنتظمة أو المتعثرة لدى المصارف.

الانكشاف على الديون.. القطاع المصرفي مهدد رغم متانته

رغم المتانة التي يتحدث عنها الجميع، والقدرة الكبيرة لدى القطاع المصرفي على التعامل مع الأزمات وتجاوزها، إلا أن الديون هي أكبر المخاطر التي تهدد هذا القطاع الحيوي، ففي فبراير (شباط) 2018، قال «صندوق النقد» إن القطاع المصرفي اللبناني قد يتعرض لمخاطر ناجمة عن انكشاف المصارف على الديون السيادية، لكن ما الذي يعنيه ذلك؟

في أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) الماضيين ارتفعت كلفة التأمين على الديون السيادية اللبنانية إلى مستوى قياسي، بينما لم يعد بوسع المودعين سحب الأموال بالدولار بسهولة ولم تعد أغلب أجهزة الصرف الآلي تتيح سحب الدولارات؛ مما اضطر الناس للجوء إلى أسواق الصرف الأجنبي الموازية التي يزيد فيها سعر الدولار عن السعر الرسمي.

إتحاد المصارف العربية – إدارة الدراسات والبحوث

وبالحديث عن كلفة التأمين على الديون السيادية، من المهم هنا الإشارة إلى أن أغلب استثمارات المصارف اللبنانية تتركز في الديون السيادية، حيث تستحوذ أدوات الدين السيادي على أكثر من 60% من مجمل الموجودات في ميزانية المصارف؛ ما يعني انكشاف المصارف على المخاطر السيادي.

ويعد لبنان من بين الدول الأعلى مديونية في العالم مقارنة بحجم الاقتصاد، إذ يبلغ الدين العام نحو 150% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بسبب تفاقم نسبة خدمة الدين وتزايد الإنفاق الحكومي، مع ارتفاع عجز الموازنة.

وبحسب صندوق النقد الدولي، في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، بلغ الدين العام الإجمالي 112.375 تريليون ليرة (74.5 مليار دولار)، وهذا الرقم ارتفع إلى 83 مليار دولار بمنتصف عام 2018، واستنادًا إلى تقرير صادر عن جمعية المصارف في لبنان (جمعية خاصة)، من المتوقع أن يصل هذا الدين إلى 110 مليار دولار بحلول 2022، بينما صندوق النقد يتوقع أن يتخطى 120 مليار دولار في غضون خمس سنوات.

ويقدر محللي جمعية المصارف في لبنان، نسبة الدين من مصرف لبنان ومصارف ومؤسسات مالية لبنانية بنحو 89%، مقابل 11% من مؤسسات وصناديق أجنبية، وتبلغ حصة القطاع المصرفي اللبناني من إجمالي الدين بالليرة اللبنانية 36.6% بنهاية شهر يونيو (حزيران) 2018، وحصة القطاع غير المصرفي 15.4%، وحصة مصرف لبنان 48%.

بينما الديون بالعملات الأجنبية، تتركز أغلبها في سندات الخزينة الحكومة اللبنانية بالعملات الأجنبية، لكن المعضلة الأكبر تكمن فيما ذكرته وكالة «موديز» للتصنيفات الائتمانية، من أن نسبة فوائد الديون إلى الإيرادات في لبنان هي الأعلى في العالم مسجلة نحو 42.9%.

الثقة تضاءلت.. هل انتهى العصر الذهبي لمصارف لبنان؟

كما ذكرنًا، تمكن القطاع المصرفي من تجاوز كل المصاعب التي مر بها على مدار السنوات الماضية، بفضل الثقة الكبيرة من جانب المودعين في هذا القطاع، وقدرة مصرف لبنان على الحفاظ على قيمة الليرة بفضل الاحتياطات النقدية الكبيرة، لكن مؤخرًا تضررت هذه الثقة كثيرًا، مما يشير إلى قرب انتهاء العصر الذهبي للقطاع.

في 11 يوليو (تموز) الماضي، قال صندوق النقد الدولي في تقرير حول المستجدات بالاقتصاد اللبناني، إن تدفقات الودائع الداخلة توقفت فعليًا، كما انخفضت الاحتياطيات الأجنبية لدى مصرف لبنان، إذ كشف الصندوق عن أن معدل نمو الودائع في عام 2018 هو الأدنى منذ عام 2005 وانخفضت الاحتياطيات لدى مصرف لبنان بنحو 6 مليار دولار أمريكي منذ أوائل عام 2018 على الرغم من استمرار العمليات النقدية التي يقوم بها المصرف المركزي.

أرجع الصندوق هذا الأمر جزئيًا إلى مدفوعات أصل الدين وقسائم الفائدة على سندات اليوروبوند التي سددها خلال الفترة نفسها، مشيرًا إلى انخفاض الإقراض المصرفي المقدم للقطاع الخاص، وارتفعت القروض المتعثرة وارتفاع دولرة الودائع إلى أكثر من 70%، وهو ما يعكس تحولات كبيرة في نظرة المتعاملين في السوق والمودعين وتوقعاتهم، وخصوصًا فيما يخص الثقة بالعملة المحلية.

وقالت «رويترز» في تقرير حديث، إن المودعون اتجهوا إلى سحب أموالهم، إذ يشير التقرير إلى أن هناك ثلاثة أحداث عجلت بأزمة الثقة، أولها، مواصلة نمو الودائع بدعم مصرف لبنان المركزي منذ 2016، وذلك بأسعار فائدة تتجاوز 11% على الودائع الكبيرة، بالإضافة إلى زيادة أجور العاملين بالدولة والقطاع العام في العام الماضي، وأخيرًا انخفاض أسعار النفط في السنوات الأخيرة مما قلص دعم الحلفاء الخليجيين.

ونقل تقرير الوكالة العالمية، عن مصرفي لم تسميه، أن البنوك توقفت فعليًا عن الإقراض ولم يعد بإمكانها تنفيذ المعاملات البسيطة بالنقد الأجنبي لعملائها، قائلًا: إن «دور البنوك كله هو ضخ الأموال للبنك المركزي لتمويل الحكومة وحماية العملة».

لكن رغم هذه المعطيات يواصل مصرف لبنان التأكيد في كل مناسبة عبر، رياض سلامة، حاكم المصرف، على متانة ​القطاع المصرفي​، إذ يؤكد على أن القطاع يتمتع برسملة مرتفعة وسيولة مرتفعة وتطبيق للمعايير الدولية المحاسبية والامتثال للقوانين والتشريعات الدولية.

إلا أنه في سبتمبر الماضي خفضت وكالة «فيتش» تصنيفها لأكبر مصرفين، وهما بنك عودة وبنك بيبلوس، وذلك بسبب انكشاف هذه البنوك على الدين العام، وبحسب ما نقل موقع صحيفة «الإندبندنت عربية» عن مروان بركات، كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث في بنك عودة، فإن خفض تصنيف البنكين فقط، يرجع إلى كونهما الوحيدين المصنفين عند الوكالة، موضحًا أن المصارف الأخرى لو كانت مصنفة لتم خفض تصنيفها.

«يسقط حكم المصرف».. هل القطاع المصرفي سبب الأزمة الحالية؟

قبل موجة الاحتجاجات الحالية بأشهر قليلة، شهد لبنان حالة إضراب مختلفة بعض الشيء، وهي السبب الأساسي في أننا نشاهد لافتات «يسقط حكم المصرف» حاضره في الاحتجاجات الحالية، ففي 23 أبريل (نيسان) الماضي، قال رئيس الوزراء سعد الحريري، إنه يعتقد أن البنوك اللبنانية مستعدة لمنح حكومته الدعم المالي الذي تحتاجه، عبر أسعار فائدة منخفضة، لتدشين الإصلاحات، موضحًا: «أنا على ثقة بأن المصارف وحاكم مصرف لبنان سيكونون مستعدين لمساعدتنا».

لكن لم تمر سوى أيام قليلة على هذا التصريح حتى قام موظفو مصرف لبنان بالرد، إذ بدأ موظفو مصرف لبنان المركزي إضرابًا عن العمل في 6 مايو (أيار) الماضي، احتجاجًا على مقترحات في الموازنة تقلص مزاياهم، إذ تشمل مقترحات التقشف الواسعة النطاق.

وتسبب الإضراب في توقف المركزي عن العمل، كما علقت بورصة بيروت حركة التداول لأسباب فنية نتيجة إضراب موظفي مصرف لبنان المركزي، لكن في النهاية انتهى الإضراب بعد وعود من الحكومة بعدم تقليص مزايا موظفي البنك.

الآن مع استمرار الحراك اللبناني الذي بدأ قبل أسبوع، قررت الحكومة اللبنانية تحميل القطاع المصرفي نصيب الأسد من سد عجز الموازنة، فحسب حزمة الإصلاحات الطارئة، فإن القطاع المصرفي ومصرف لبنان يساهمون بخفض العجز 5100 مليار ليرة (3.4 مليار دولار) خلال 2020، ومن ضمنها زيادة الضريبة على أرباح المصارف، وذلك لخفض العجز إلى 0.6%، مقارنة مع عجز قارب 7% في العام الجاري.

وترى «موديز» أن زيادة ضرائب القطاع المالي ستكون ذات أثر ائتماني سلبي على البنوك، حيث ستضغط على عوائدها الضعيفة أصلا وقدرتها على امتصاص الصدمات، كما أنها ستضعف من قدرة الحكومة على خدمة ديونها، المستحقة في الأساس إلى البنوك المحلية.

ومن خلال السرد السابق، من غير المنطقي تحميل القطاع المصرفي مسؤولية الأزمة الاقتصادية في لبنان، بل على العكس فإن صمود اقتصاد البلاد خلال السنوات الماضية يرجع في الأساس إلى تماسك القطاع المصرفي، لكن يرد البعض على هذه النقطة بأن القطاع تم استغلاله لتحقيق غايات سياسية، إلا أن هذه التهمه يجب أن توجه إلى الحكومة بشكل مباشر، فهي التي فشلت في تقويض الفساد.

بينما خلص الباحث الاقتصادي في «الجامعة الأمريكية» بلبنان، جاد شعبان، في دراسة له إلى أن العائلات السياسية استفادت خلال سنوات من أرباح المصارف، وذلك عبر ملكيتهم لبعض المصارف أو وجودهم في مجالس الإدارات أو رئاسة كثير من البنوك الحكومية، ويقول إن 43% من المصارف «قريبة» من عائلات سياسية، لكن هذا الأمر لا يمكن حسمه عبر الاعتماد على مثل هذه الدراسة فقط، كما أن وجود فساد وصل للقطاع لا ينفي أهمية القطاع بالنسبة للاقتصاد اللبناني.

فمع الإقرار بأن نحو ثلث موازنة لبنان تنفق على تسديد فوائد الدين العام، في ظل أسعار الفائدة المرتفعة خلال أخر عشر سنوات كما ذكرنا، وبالتالي تستفيد البنوك التجارية، التي تمتلكها بعض العائلات السياسية، إلا أنه لا يمكن القول إن القطاع المصرفي هو المسوؤل عن تضخم الديون، لأن هذه السياسة هي مسؤولية الحكومة في الأساس، لذلك فالمتهم الأساسي في هذه القضية هي الحكومة.

إجراءات تقشفية وإضرابات.. هل يقف لبنان على حافة الإفلاس؟

احتجاجات لبناناقتصاد لبنانالأزمة الاقتصاديةالحريريالدين العامالقطاع المصرفيالنقد الدوليخدمة الديونمصرف لبنان

المصادر