أحمد طلب

11

أحمد طلب

11

2,087

ليست كل الأشياء دائمًا في حقيقتها كما تبدو لنا في ظاهرها، فكما يقولون إنه من رحم المعاناة يولد الإبداع، وعادةً ما تنتج قصص الكفاح المؤلمة والموجعة نماذج مضيئة، الأمر نفسه يمتد لكل شيء في الحياة بما فيها الاقتصاد، فالإفلاس الذي قد تتعرض له الشركات والأفراد، ويظنه البعض هو النهاية، يمكن أن يكون بمثابة بداية جديدة لنجاح كبير، فبالرغم من أن الإفلاس يعرف بأنه عجز الشخص الطبيعي (فرد) أو المعنوي (شركة) عن الوفاء بالتزاماته المالية تجاه دائنيه، إلا أن هذا التعبير يصف الوضعية القانونية التي يوجد عليها المَدين بالمال لأطراف أخرى، لكنه متوقف عن سداد ديونه.

ففي بعض الأوقات قد ينظر إلى إفلاس الشركات على أنه شيء إيجابي للسوق، إذ إنه بمثابة «غربلة» للشركات العاملة بالسوق، وذلك من خلال خروج الشركات الضعيفة أو التي لم تتمكن من التكيف مع الأوضاع المحيطة بها وفشلت، وكانت النتيجة هي الإفلاس، وهو الأمر الذي يفتح الأبواب لظهور منافسين جدد أكثر كفاءة، ولكن في أوقات أخرى نجد على أرض الواقع نموذجًا يبرهن على أن الإفلاس كان إثبات جدارة لهذه الشركات وليس فشلًا.

عندما تعلن شركة ما إفلاسها فقد يعني ذلك إما أن ساعة بقائها قد بدأت تدق، أو أن تلك اللحظة تشكل منعطفًا جديدًا في تاريخ الشركة للوقوف على قدميها وبدء حقبة جديدة.

هكذا يقول فرانك كيبيكوس، المحامي الألماني المختص في قضايا إفلاس الشركات والمؤسسات الاقتصادية، الجزء الأول من حديث كيبيكوس هو الذي حدث مع سلسلة متاجر «هيرتي» الألمانية، التي ظلت نحو عامين بعد إشهار إفلاسها تصارع من أجل البقاء، ولكنها لم تتمكن من ذلك، بخلاف الشركة الألمانية «يوزيف كينينغ» لأشغال الطلاء، فقد تمكنت الشركة من تجاوز فترة صعبة بعد أن أشهرت إفلاسها، ولكن بعد إجراءات قاسية ويبدو أنها آتت أكلها في النهاية، وتحسنت أوضاع الشركة الاقتصادية وأصبح وضعها المالي مستقرًا، وتمكنت من إعادة هيكلتها.

بالطبع لا نقول هنا إن الإفلاس أمر جيد، ولكن يمكن القول إنه أمر سيئ قد يخرج منه شيء جيد، فعلى سبيل المثال بمجرد إشهار الإفلاس، لا تحتسب فوائد على الأموال المترتبة على المفلس، أي أن ديون المفلس تتوقف عن النمو، وهذه النقطة إيجابية جدًا بالنسبة للمفلس، خاصة أنه في أحيان كثيرة تكون فوائد الديون هي العقبة الأكبر، كما أن قانون الإفلاس ليس قانونًا هدفه العقاب كما يتصور البعض ولكنه أنشئ لإعطاء الناس فرصة ثانية، إذ إن السبب الرئيس لإعلان الإفلاس هو البداية من جديد مع لائحة نظيفة.

ما هي الخيارات أمام المفلس؟

كما ذكرنا فإن الإفلاس هو حالة قضائية، بمعنى أنه لا يتم إشهار الإفلاس سوى بحكم قضائي يصدر عن محكمة مختصة بهذا الشأن، وهي المحاكم التجارية، ويأتي ذلك عندما تطلب الجهة المُفلسة ذلك من المحكمة رسميًا أو بطلب من الدائنين، وفي حال كان الطلب متوفرًا به جميع شروط الإفلاس الموجودة بقانون الإفلاس بالدولة تعلن المحكمة إفلاس الشركة أو الفرد، وهذا بالطبع بعد المحاولة مع الجهة المفلسة من أجل الوصول إلى حلول ودية مع الدائنين.

وهنا تكون المحكمة في حالة الشركات المفلسة أمام حلين، الأول: تعيين وصيّ على الشركة المفلسة وغالبًا ما يكون محاميًا مختصًا في قضايا الإفلاس، ويعمل على تقويم وضع الشركة المالي، وإيجاد حلول لضمان بقاء الشركة دون تسريح العاملين، والثاني: تصفية أصول الشركة وممتلكاتها وبيعها في مزاد علني، وذلك بإدارة قاضٍ تعينه المحكمة لهذا الغرض، ويقوم بتعويض الدائنين، كما أنه في حال فشل الخيار الأول وعجزت الشركة عن إعادة الهيكلة تلجأ المحكمة للخيار الثاني بعد مدة محددة.

وعلى مستوى إفلاس الأفراد، هناك تفاصيل أكثر خاصة بكل دولة، بحسب قانون الإفلاس الخاص بالدولة، وخلال السطور القادمة سنناقش ملامح عامة لقوانين الإفلاس في بعض الدول.

الإفلاس في أمريكا.. طريق الحصول على فرصة ثانية

تعد الولايات المتحدة الأمريكية من أكثر دول العالم من حيث عدد طلبات الإفلاس، إذ استقبلت البلاد ما يقرب من مليون طلب إفلاس سنويًا خلال الفترة ما بين 2014 إلى 2017، أغلب هذه الطلبات فردية من أشخاص طبيعيين، وهذا يرجع إلى أن كثيرًا من مكاتب المحاماة الأمريكية تنصح الأفراد باللجوء للإفلاس باعتباره فرصة جديدة تجعل المفلس غير ملزم بسداد التزامات على مدى طويل، وهو ما يجعله يبدأ من نقطة الصفر.

وبعيدًا عن مناقشة أسباب تقديم الإفلاس، التي تتنوع بشكل كبير ما بين فقدان الوظائف أو المبالغة في الشراء، والرهن العقاري؛ تتوقف الفرصة التي يحصل عليها المفلس على شكل إعلان الإفلاس الذي تقضي به المحكمة، والأكثر شيوعًا هو تسوية الديون مع الحفاظ على أصول أساسية، وهي تعتبر ممتلكات «معفاة»، وغالبًا ما تختلف نسبة الممتلكات المعفاة من ولاية إلى أخرى.

وبشكل عام، فإن أبرز هذه الممتلكات هي المنزل الذي يسكن به المفلس، والسيارة التي يستخدمها للعمل، وكذلك معدات العمل، وشيكات الضمان الاجتماعي، والمعاشات التقاعدية، فكل هذه الأشياء لا يمكن بيعها أو استخدامها لسداد الديون.

ويمثل هذا النوع نحو 63% من حالات الإفلاس الفردية بأمريكا في عام 2015، ويوجد إقبال كبير عليه، إذ كشف معهد الإفلاس الأمريكي أنه منذ 2016 وحتى نهاية 2017، لم تعد 95.5% من قضايا الإفلاس التي لجأت لهذا النوع ملزمة قانونيًا بدفع الدين، وهو الأمر الذي يبرر اتجاه الأمريكيين إليه.

هناك أنواع أخرى من الحلول القانونية للخروج من الإفلاس، مثل جدولة الديون، وهذا خيار للأشخاص الذين لا يريدون التخلي عن ممتلكاتهم أو ترى المحكمة أن هذا النوع لا يتناسب معهم لأن دخلهم مرتفع جدًا، وفي هذا النوع يتم جدولة الديون على فترة تتراوح ما بين ثلاث وخمس سنوات، وبمجرد إكمال هذه المدة يتم مسح الديون المتبقية.

نوع آخر يشمل بشكل خاص أصحاب «المزارع الأسرية» و«الصيادين الأسريين»، وهو مخرج يتيح لهم فرصة اقتراح خطة لسداد كل ديونهم أو جزء منها في غضون خمس سنوات.

جدير بالذكر أنه في عام 2005، وصل عدد طلبات الإفلاس في أمريكا إلى ذروته، وذلك بأكثر من مليوني طلب، إذ كانت هناك موجة من الأشخاص والشركات التي تسعى للابتعاد عن الديون وفقط، وهو ما دفع البلاد لإصدار قانون منع إساءة استعمال الإفلاس وحماية المستهلك.

الإفلاس في ألمانيا.. مساهمة بناءة لإعادة إحياء المفلسين

هناك تشابه نسبيّ بين قوانين الإفلاس المطبقة في مختلف الدول الأوروبية والولايات المتحدة، إلا أن قانون الإفلاس الألماني يتميز عن غيره في فكرة المساهمة، إذ تتمتع نقابات العمال ومجالس العمل بحقوق أقوى في المساهمة في إنقاذ الشركة من الإفلاس، وذلك من خلال المشاركة بشكل أكبر مع الشركة، لإعادة هيكلة أكثر فعالية وأكثر مساواة على أي من الجانبين.

وقد حدّثت ألمانيا قانون الإفلاس لديها في 2012، مستفيدة في ذلك من التجربة الأمريكية في إنقاذ شركة جنرال موتورز، واستقر القانون على أن الهدف هو استمرار وحماية الشركات والوظائف، إذ تعتبر المحكمة الموظفين من الدائنين، لأن الشركة المعسرة تدين بالأجور والرواتب لموظفيها، لذلك يكون هناك ممثل للعاملين في الشركات في هذه اللجنة الجديدة التي تشكلها المحكمة للمشاركة في صنع القرار وتقديم معرفتهم، للتغلب على أزمة الشركة وإعادة هيكلتها خلال فترة إعلان الإفلاس.

قانون الإفلاس.. ماذا لو أفلست في مصر؟

معظم الدول العربية لا يوجد بها قانون للإفلاس حتى الآن، فالسعودية تسعى لإقراره خلال الربع الأول من العام الجاري، وفي مصر وافق مجلس النواب من حيث المبدأ في منتصف يناير (كانون الثاني) 2018 على قانون الإفلاس الجديد؛ إلا أنه لم يشمل الأفراد الطبيعيين إلا من يحمل منهم صفة تاجر. بينما تعتبر الإمارات صاحبة التجربة الأولى عربيًا، فقد أصدرت قانونًا للإفلاس في الربع الأخير من 2016، كان هدفه تعزيز ثقة المستثمرين ودفع عجلة الاقتصاد، وذلك من خلال إعادة تنظيم شؤون الشركات المالية والتجارية، لتجاوز مرحلة التعثر المالي وسداد الديون والالتزامات دون أن تتعطل عجلة الإنتاج.

ولكن يجب أن نسأل هنا، ما الذي تخسره الدول العربية من عدم وجود قانون للإفلاس؟ في الواقع لا تخلو برامج الإصلاح أو نصائح البنك والنقد الدوليين للمنطقة من المطالبة بقانون الإفلاس، إذ يرتبط القانون ارتباطًا وثيقًا بالاستثمارات الأجنبية، وعدم وجوده في الدول العربية هو أحد أهم أسباب هروب الاستثمارات من المنطقة، لأن المستثمر دائمًا ما يفكر في خيارات الخروج من السوق قبل دخوله، لذلك لا تكون الدول العربية من الوجهات المفضلة لدى المستثمرين.

فبحسب الوضع الحالي في مصر مثلًا، من يفلس يتوقف عن العمل، ولكن في دول كأمريكا وألمانيا، فإن القانون يهدف إلى استمرار العمل وعلاج القصور الإداري الذي تسبب في الوصول لحالة الإفلاس، وعلى مستوى الأفراد فإن عقوبة الحبس هي العلاج الذي تنتهي إليه حالات الإفلاس غالبًا، بخلاف الدول المتقدمة التي تجعل المفلس في حالات كثيرة غير ملزم بسداد التزامات على مدى طويل، ويتم إيقاف فوائد الديون فور الإفلاس بحسب بعض القوانين.

وترى وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني أن قانون الإفلاس حال تم العمل به في مصر سيكون خطوة من شأنها تشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية في البلاد، وتسريع وتيرة تصفية الشركات التي ليس لديها فرص للبقاء، بينما سيعزز التصنيف الائتماني للبنوك، وذلك لوجود خيارات متعددة للتعامل مع الشركات المتعثرة والوصول إلى حلول إعادة الهيكلة بسرعة أكبر.

وتحتل مصر المرتبة 115 بين 190 دولة في مؤشر تسوية حالات الإعسار، الصادر عن البنك الدولي، وهو ترتيب متأخر جدًا، فيما تستغرق إجراءات الإفلاس في مصر نحو سنتين ونصفًا في المتوسط، وهي مدة كبيرة جدًا مقارنة بالدول المتقدمة، بينما يسترد الدائنون نحو 26 سنتًا لكل دولار، أما في الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فتصل قيمة ما يسترده الدائنون إلى نحو 71.2 سنتًا من كل دولار.

وعلى الجانب الآخر، وكما ذكرنا فإن قانون الإفلاس يعد آلية لإنقاذ الشركات المتعثرة، وعدم وجوده يعني صعوبة علاج مشاكل الشركات، وهو ما يعني ضياع حقوق الدائنين والمقترضين، وهو ما يضر بشكل مباشر المناخ الاقتصادي والاستثماري، وذلك بخلاف الدول المتقدمة التي تجعل من التعثر المالي بداية لانطلاقة جديدة، وليس بداية النهاية كما هو الحال في معظم الدول العربية.

الإفلاس ودلالاته الاقتصادية

تستخدم بعض الدول بيانات الإفلاس كمؤشر اقتصادي تستفيد منه في ضبط الأسواق، والتحكم في سوق الإقراض والاقتراض ومعدلات الفائدة. فمثلًا عند زيادة حالات الإفلاس، تلجأ البنوك لتشديد سياساتها النقدية، وتخفض من منح القروض للشركات والأفراد، وترفع كذلك أسعار الفائدة، وعلى العكس تتوسع في منح القروض وتلجأ لخفض معدلات الفائدة إذا انخفضت حالات الإفلاس.

وعلى الجانب الآخر، تشير كذلك زيادة حالات الإفلاس على مرور الاقتصاد بحالة من الكساد، إذ إن تزايد حالات الإفلاس هو أحد مظاهر فترات الكساد، بعكس حالة الرواج التي تقل فيها حالات الإفلاس، ولكن هذه ليست قاعدة ثابتة، لأن هنالك عدّة أسباب للإفلاس غير الكساد؛ فعلى سبيل المثال يرجع إفلاس متاجر التجزئة خلال العامين الماضيين إلى النمو القوي للتجارة الإلكترونية.