بدا وكأن كل شيء يسير على ما يرام في قائمة هذا العام، العام هو 2010، والقائمة هي قائمة مجلة «تايم» السنوية لأكثر 100 شخص تأثيرًا في العالم، أسماء مألوفة تقرع أجراسًا لدى الجميع تقريبًا، باراك أوباما، كريستين ليجاردِ، والشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وبيل كلينتون، وحتى قائمة الفنانين الفرعية نفسها احتوت على أسماء لا تخطئها عين، كـ «كونان أوبراين»، وأوبرا وينفري، وتايلور سويفت، أيقونة البوب في نظر ملايين الأمريكيين، وبجانب كل هؤلاء، كان هناك شخص غريب، قد تخطئه الأعين، شخص يدعى «بانكسي».

لنعد إلى ما قبل ذلك التاريخ بعامين، مايو (أيار) من العام 2008، والمكان شارع من شوارع بيت لحم الفلسطينية، بالضفة الغربية، في الأراضي المحتلة، أحد الجدران الإسمنتية للمدينة تحديدًا، حيث رسم جداري ضخم، يصور فتاة فلسطينية صغيرة، ترتدي ثوبًا ورديًا، وجندي احتلال إسرائيلي، يقف مباعدًا بين ساقيه، ومستندًا بيديه على الجدار، بينما تقوم الفتاة بتفتيشه. رسم شديد الوضوح، يمثل سخرية من المعتدي، في قلب مكان ممارسته لاعتدائه، نام سكان بيت لحم بدونه، واستيقظوا على وجوده كشيء لم يتوقعوه، مر من هنا رجل غامض، ترك بصمته ورحل.

ما زلنا في الأراضي المحتلة، وإنما هذه المرة سنعود للخلف ثلاث سنوات أخرى، عام 2005، في الأحضان الباردة، شديدة الجفاف والقسوة، لجدار الفصل العنصري، المعروف باسم «الجدار العازل»، السور الخرساني شديد الضخامة، ذي اللون الرمادي، والمكون من قطاعات طولية من الحديد والإسمنت، والقاضي بفصل الضفة الغربية وشبه «تمزيقها»، وبينما تبنيه إسرائيل، كان هناك شخص ينفذ عملية لاختراقه، بلا أي سلاح، فقط برسوماته، وبصمته مرة أخرى.

رسمة لطفل يقف على أنقاض ويحاول أن يزرعها، وأخرى لطفلين فلسطينيين وفوقهما نافذة كبيرة، تبدو كخرق حقيقي في الجدار العازل، وخلفها مشهد شاطئ استوائي خلاب، وثالثة لفتاة صغيرة تطير في الهواء ممسكة بأكثر من بالون هيليوم، وأخرى لشرطي يبدو وكأنه يجذب الجدار بالغ الضخامة كستار، ليتبدى من خلفه مشهدٌ لجزيرة ومحيط واسع، وخامس لنملة عملاقة، تبدو وكأنها تهدم القوالب العرضية المكونة للجدار، واحدًا بعد الآخر.

استيقظ الإسرائيليون في ذلك اليوم، ليجدوا الجدار العازل وقد تحول لحفلة كبيرة من الرسومات المبهجة، الرافضة للجدار، والنازعة عنه وظيفته الأساسية «بث الخوف»، مرة أخرى، كان في الضفة الغربية رجل غامض، لا يعرفه أحد، مر من هنا، واخترق الجدار، وترك بصماته شديدة الإبداع والوضوح، وأدخل البهجة على قلوب الفلسطينيين، ثم رحل. رجل يدعى «بانكسي».

بانكسي الذي لا يعرفه أحد

فنان جرافيتي، وناشط سياسي، ومخرج أفلام وثائقية، وخارج على القانون، وملهم لملايين الأشخاص حول العالم، ورجل غامض لا يعرفه أحد، شخص كان آخر ظهور له، في مقابلة صحافية، منذ 13 عامًا في عام 2003.

يحكي ويل إيلسورث جونز، المؤلف البريطاني المعروف والصحافي الشهير، وصاحب كتاب «بانكسي، الرجل القابع خلف الجدار»، عن بانكسي في مقال له في عام 2013، فيقول إن بدايته كانت في حي بارتون-هيل، بمدينة بريستول في الجنوب الغربي لإنجلترا، المكان العنصري المخيف الذي لم يكن يسكنه إلا قلة نادرة من ملوني البشرة، والذي كان ساقطًا من حسابات الشرطة البريطانية، في ثمانينيات القرن الماضي.

جرافيتي يمثل عملاءً حكوميين يتنصتون على هاتف عمومي، بطريقة الخمسينات، على بعد ثلاثة أميال فقط من وكالة استخبارات الاتصالات الحكومية البريطانية «GCHQ»، شيلتنهام، إنجلترا، أبريل (نيسان) 2014.

كان أول عمل لبانكسي هناك، وأول احتكاك له مع عالم الجرافيتي أو الرسم على الجدران، مستلهمًا خطى والده، فنان الجرافيتي أيضًا، والذي تعرض لضرب مبرح هناك، في إحدى المرات التي كان يخط فيها شيئًا، في أحد شوارع بريستول.

طورد من رجال الشرطة البريطانية كثيرًا، وكاد أن يقبض عليه أكثر من مرة، في وقت كان فيه الجرافيتي، ومازال بشكل ما، مخالفة قانونية، وهو أمر ما زال مستمرًا في العالم، ورأى في أواخر التسعينات أن عدم الكشف عن هويته هو «أمر لا يقدر بثمن»، وأنه سيعطيه زخمًا لا مثيل له، وسيكسب فنه قوة لا يستهان به، وراهن في ذلك على ميل البشر الفطري للغموض، وكان محقًا، حتى أنه في أعوامنا الأخيرة هذه نشأت حركات ترفض الكشف عن هوية بانكسي، وتفضل بقاءه كما هو، مجهولًا بلا ملف في أي مكان.

جرافيتي بعنوان «تسوق حتى الموت shop til you drop»، يمثل فتاة تسقط من حالق بعد الكثير من التسوق، في إحدى رسومات بانكسي المعترضة على ما يعرفه العالم بـ «Black Friday»، ماي فير، لندن.

لوحظ على بانكسي أنه متأثر بأسلوب «بليك الفأر»، فنان جرافيتي فرنسي معروف، عمل مستخدمًا الستينسيل عام 1981، وهي الصحيفة الرقيقة الجاهزة التي يطبع بها الجرافيتي، والتي اختصرت زمن الرسم إلى أكثر من نصف الوقت المتعارف عليه قديمًا، وابتكرت بسبب مطاردة رجال الشرطة، في معظم الدول حينها، للرسامين على الجدران العامة في الشوارع. إلا أن بانكسي نفسه قال إنه متأثر بـ «3D»، وهو لقب فنان جرافيتي آخر يدعى روبرت ديل ناجا، ومؤسس فرقة «الهجوم الشامل» الغنائية البريطانية، إحدى فرق «الترِب هوب» الأولى، وهو أحد أنواع الموسيقى الإلكترونية الرئيسة.

ليس مجرد رسام آخر

في عام 2010 قدم بانكسي للعالم «المخرج عبر متجر الهدايا»، فيلمٌ وثائقي من إخراجه الشخصي، يحكي ويتتبع المهاجر الفرنسي وفنان الجرافيتي «تييري جوتا»، الملقب بـ«السيد المتلاعب بالعقول»، الفرنسي البسيط والمالك السابق لمتجر ملابس مستعملة، والممارس للجرافيتي عن طريق اقتراح من بانكسي نفسه. وعرض الفيلم في عام يناير (كانون الثاني) عام 2010، بمهرجان صن دانس السينمائي بولاية يوتاه، ثم رشح لأوسكار أحسن فيلم وثائقي في نفس العام أيضًا.

بوستر فيلم بانكسي.. مصدر الصورة: «IMDB»

صاغ الصحافي ماكس فوستر عبارة «تأثير بانكسي The Banksy effect»، بعدما بدا وكأنه هناك موجة من الاهتمام المفاجئ والمتزايد بأعمال فناني الشوارع، تسبب فيها بانكسي بنفسه، بعدما بيعت رسوماته بعشرات الآلاف من الدولارات، والآلاف الذين حضروا معارضه القديمة، في أوائل العقد السابق، ما بين عامي 2000 و2005، فيما بدا وكأنه إعادة إحياء عالمي للجرافيتي ككل.

إحدى أشهر وأعلى أعماله سعرًا كانت «تفجير وسط إنجلترا»، والتي صور فيها ثلاث سيدات يلعبن البولينج بقنابل بدائية، وبيعت الرسمة بما يزيد عن 100 ألف جنيه إسترليني، فيما يعد أحد أغلى الجرافيتي المباع عالميًا، حتى لحظتنا هذه.

جرافيتي «تفجير وسط إنجلترا»

لا يوجد شخص تقريبًا مهتم بالجرافيتي لم يسمع عنه، محركًا إياه بشغفه إلى مستوى آخر، ومحولًا الجرافيتي، الفن شديد القدم، إلى أيقونة عالمية، ولذلك يحب بانكسي الستينسيل بوجه خاص، ذلك الذي قال عنه أن الثورات تبدأ به، كما قال عن الجرافيتي أنه على عكس التلفاز الذي قتل المسرح، والتصوير الذي قتل الرسم، ما زال يحتفظ بمجده وتطوره.

 

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد