التعرف أكثر على مسيرة حركة شبابية فتية، والإجابة على سؤال أين اختفت حركة بركات؟ وما المنجزات التي قدمتها المجموعة الشبابية للطبقة السياسية في ظرف 14 شهرًا؟ وهل هي فعلاً أداة مخابراتية زالت بزوال الجنرال أم يقظة شعب تعكس عمقه وهمومه في صناعة التغيير المنشود؟

يعتقد الشباب العربي أن عديدًا من التحولات طرأت على العمل السياسي في مجتمعاتهم، وساهمت في إنتاج ذهنية تجاوزت الأجيال السابقة التي مازالت مرتبطة بحقبة منتهية الصلاحية، فالصيغ الحالية من العمل الحزبي لم ولن تجدي نفعًا أمام الأنظمة القائمة حسب الشباب، والطبقة السياسية بمفهومها النضالي الكلاسيكي غير قادرة على صناعة التغيير الذي تنادي به الشعوب العربية ما بعد ثورات الربيع العربي.

بالجزائر، سنحاول التعرف أكثر على مسيرة حركة شبابية احتجاجية، والإجابة على سؤال أين اختفت هذه الحركة؟ وما الإضافة التي قدمتها للطبقة السياسية في ظرف 14 شهرًا؟ وهل هي فعلاً أداة مخابراتية زالت بزوال الجنرال “توفيق” أم يقظة شعب تعكس عمقه وهمومه في صناعة التغيير المنشود؟

بالجزائر، لا وجود لتنظيمات سياسية شبابية

العمل الحزبي مقترن بالتمزقات والتشتت والمحسوبية والبزنسية منذ عقد من الزمن، حيث يساهم بشكل مباشر في ترسيخ صورة سوداء لدى العامة من الشباب، فالعزوف عن العمل السياسي والحديث في هذا الشأن يعتبر نادرًا وساخرًا في الجزائر، وتسعى الأحزاب للوصول إلى الجماهير بشتى الطرق عبر أذرعها الطلابية والوظيفية والجماهيرية (جمعيات، تنظيمات، نقابات…).

وتفتقد الأحزاب السياسية إلى تنظيمات شبابية قوية، فلا الإسلاميون ولا العلمانيون ولا اليساريون لديهم تشكيلات سياسية تفتح أفاقـًا للشباب الجزائري من أجل ممارسة نضالية بكل حرية، ولا تكاد تجد في الجزائر شابًا معروفـًا على المستوى الوطني له قاعدة جماهيرية عريضة، وبروز على المستوى الإعلامي وفي الوقت نفسه منخرطًا في حزب، أو على الأقل ينتمي لتيار معين.

تاريخيًا، يدرك الجميع أن من فجر الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي في الفاتح نوفمبر 1945 هم شباب لا يتجاوز أعمارهم الثلاثينات، وغالبيتهم في العشرينات من العمر، تحدوا آنذاك سياسة شيوخ السياسة وأب الحركة الوطنية مصالي الحاج، وكان لهم تحقيق الاستقلال بعد سبع سنين من الإصرار والكفاح.

وجاءت حركة “بركات” تقريبًا بالطرح نفسه وبمشاهد متشابهة من دون “استعمار خارجي”، حيث تجاوز الشباب الجريء في التظاهر بوسط العاصمة شخصيات معارضة كثيرة ضد رئيس البلاد بوتفليقة، ونادى صحفيون ومثقفون بإسقاط النظام في وقت يتحاشى بعضهم النداء بتطبيق المادة 88 من الدستور.

ما بركات؟ وكيف نشأت؟

وعلى غرار ما حدث بالربيع العربي، مثلما ظهرت حركة 6 أبريل في مصر، و23 فبراير بالمغرب، برزت بالجزائر حركة “بركات barakat” مع إعلان ترشح رئيس البلاد عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رابعة في فيفري 2014، وانطلقت المجموعة بداية بخروج شباب يعدون على الأصابع من دون تخطيط مسبق، أبرزهم يوسف بعلوج (كاتب وصحفي) وأميرة بوراوي (طبيبة وناشطة) في شوارع العاصمة رافضين للعهدة الرابعة، حاملين أقمصة تحمل شعارات تنادي بعدم ترشح الرئيس بوتفليقة.

يقول عبد الوكيل بلام الناشط السياسي، إن “بركات” نشأت في خضم غليان سياسي عرفه الشارع الجزائري أشهرًا قبل رئاسيات 2014، ويعتبر بلام أحد القيادات البارزة لحركة “بركات”، يعرفها المتحدث بحركة مواطنة تضم في كنفها شبابًا من كل التيارات السياسية والمشارب الفكرية من ديمقراطيين ووطنيين وإسلاميين ولا حزبيين، يتفقون جميعًا على ضرورة تغيير النظام بعدما تنادوا للخروج إلى الشارع للاحتجاج سلميًا على إصرار الرئيس المقعد على المضي في حكم البلاد.

ALGERIA-POLITICS-ELECTION-DEMO-PRESIDENTوتعني كلمة “بركات” في قاموس المواطن الجزائري “كفى”، وتستعمل عادة للتعبير غضبًا لأجل إنهاء حقبة أو ظاهرة مضرة طالت مدتها، فبركات هنا تشير إلى ضرورة إنهاء حكم النظام السياسي لخمسين سنة كاملة للجزائريين والجزائريات، أي كفى حقرة (ظلمًا) وتعسفـًا واستبدادًا. وعرفت “بركات” لأول مرة بعدما تنادى الشعب بعد الأزمة الداخلية التي عرفتها الجزائر بعد الاستقلال مباشرة (1962) بين زعماء وقادة الثورة، حيث ردد الجميع “بركات” سبع سنوات حرب!

وعرفت وقفات حركة “بركات” بالعاصمة في بدايتها إقبال عشرات المواطنين، وكانت الشرطة الجزائرية تقمع الوقفات بالعصي والهراوات، وحظيت تحركاتها بتغطية إعلامية مكثفة من وسائل إعلام وطنية وأجنبية، وهو ما دفع السلطة لإغلاق قناة الأطلس لتغطيتها التضييق الأمني الذي لازم نشطاء “بركات”، كما أن الحركة تلقت اتهامات كثيرة من خلال ربطها بالمرشح علي بن فليس، أو تحركها بإيعاز من قطب داخل السلطة في إشارة إلى جهاز المخابرات بقيادة الجنرال “توفيق” المقال حاليًا.

ولم تكن “بركات” هي الأولى في إطلاق شرارة الاحتجاج بالشارع الجزائري، فحركة “بزاف” ظهرت عام 2009 كصفحة عبر فيس بوك، رفضًا لتعديل الرئيس بوتفليقة للدستور من أجل الاستمرار في رئاسة البلاد وترشحه لعهدة ثالثة، وكلمة “بزاف” لفظة دارجة جزائرية تعني “كثيرًا” أو “كفاية” بنبرة غضب وغيض، وأعلنت هذه الحركة عن وقفة أمام دار الصحافة وسط العاصمة الجزائر، لكن سرعان ما اختفت عن الوجود والحراك السياسي بعد عامين من ذلك.

هكذا أزعجت «بركات» السلطة!

ALGERIA-POLITICS-ELECTION-DEMO-PRESIDENTيربط أستاذ علم الاجتماع السياسي ناصر جابي “بركات” بالاستقلالية وقدرتها على إثبات ذلك في الواقع، حيث إن هذه الاستقلالية هي ما تخيف النظام السياسي في الجزائر وليس المعارضة مثلما يذكر، ويضيف (المستقل أمره مختلف حتى وإن لم يكن بالضرورة في المعارضة بالمعنى التقليدي للكلمة، وهو ما يجعل ثقافة النظام السياسية تبحث دائمًا على من يكون “وراء” أي حراك لأنها لا تتصور أن يكون مستقلاً).

كما عدد ناصر جابي في مقاله المخصص حول “بركات”، أهم الخصائص التي تجعل منها حركة ذات مصداقية، فرغم التشكيلة النخبوية التي تميزها إلا أن هذا لم يمنع عنها شرعية أو “اخلاقية” مطالبها التي تستند على خروقات قامت عليها سلوكيات النظام الجزائري، وشكّل كسر حاجز الخوف نقطة قوة لدى الشباب الطامح للتغيير خاصة مع جرأة الطرح والإقبال، بالإضافة إلى أن الخطوة بالخروج إلى الشارع جاءت بعد فترة اتسمت بتحييد الأحزاب والجمعيات وإفراغها من المحتوى، بعد ظروف مرت بها تقريبًا كل التشكيلات السياسية.

ولم تكتف “بركات” بالخروج إلى الشارع فقط، بل انتهجت أسلوبًا جديدًا في تنظيم عمل المجموعات السياسية، فكانت الوسيلة الإعلامية المستخدمة هي فيس بوك للإعلان عن الوقفات والندوات الصحفية، وتواصلت في ظرف قصير مع العديد من الشخصيات والأحزاب السياسية التي تشاركها الهدف نفسه على غرار تنسيقية الانتقال الديمقراطي، وما ساعدها على ذلك هو الفئة العمرية التي تتسم بالسرعة والبديهية والقدرة على التحرك وبليونة.

كما اتفق القائمون على شؤون “بركات” بالعمل “جماعيًا” في قيادة التحركات السياسية، حيث تعدد الناطقين باسم الحركة عبر مختلف وسائل الاعلام المكتوبة والسمعية البصرية، وأصبحت لديهم اجتماعات أسبوعية في مقرات مختلفة (جرائد، أحزاب، بيوت..) ودعمت من عديد الإعلاميين والمثقفين والأدباء في الجزائر، أمثال سعد بوعقبة وناصر جابي وجيلالي سفيان وحدة حزام وحميدة العياشي، وهذا ما منحها حضورًا إعلاميًّا قويًّا في تلك الفترة.

ولعل القيادة الجماعية التي انتهجتها “بركات” سابقة في العمل السياسي، قامت بها منذ عامين تشكيلة الأفافاس (حزب القوى الاشتراكية) المعارض من خلال تدوير السكرتير الأول بين قيادة جماعية للحزب مكونة من خمسة أشخاص، القيادة الجماعية تتخذ القرارات حسب الاتفاق وبالإجماع مثلما أعلنت عنه عبر الصفحة الرسمية للحركة بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك.

كما نظمت الحركة احتجاحات ووقفات أمام مؤسسات سيادية مثل المجلس الدستوري، وسلم بيان لرئيس المجلس من أجل تطبيق المادة 88 التي تثبت عجز رئيس البلاد عن الاستمرار بالحكم، كما انتقلت الوقفات تجاه مؤسسة التلفزيون الحكومي الجزائري، حيث كمم المشاركون أفواههم في الوقفة، في إشارة إلى تكميم أفواه النشطاء تضامنًا مع مذيعة بالتلفزيون أشارت برمز يرفض العهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة وتم معاقبتها.

كيف دفعت «بركات» الثمن؟

لم تسلم حركة “بركات” من تهجم وسائل إعلامية قريبة من السلطة، فقيادة الحركة تعرضت لحملة تشويه مست حياتهم الشخصية والمهنية، وبثت قناة النهار الخاصة فيديو خاصًا بالتعرض للعلاقات المشبوهة بالمنظمات الدَّوليَّة لأعضائها، كما تعرض بعض منهم لملاحقات أمنية مباشرة بعد الوقفات التي سلطت عليها وسائل الإعلام المحلية والأجنبية الأضواء كثيرًا.

انظر فيديو قناة النهار:

وفي حوار له مع صحيفة الشروق اليومي، نفى عبد الوكيل بلام تهمة صلة الحركة بالسفارة الفرنسية أو التعامل مع أطراف أجنبية خارجية، كما أوضح أن وقفات الحركة عرفت شعارات تندد بقطبي النظام في صورة الرئيس بوتفليقة وجناح المخابرات (DRS) الذي يعتبره المتحدث أحد أطراف الأزمة في البلد. بالإضافة إلى عدم نفيه بانتماء عديد من أعضاء الحركة إلى أحزاب وشخصيات سياسية مختلفة ولهم قناعات شخصية لا تؤثر على التوجه العام لبركات.

وعرفت الحركة قبيل رئاسيات أفريل 2014 خلافات بين مؤسسيها، حيث فاجأ “يوسف بعلوج” المتابعين بعدم الخروج في وقفات مع الحركة، محتجًا على وجود زعامات داخل التنظيم في إشارة إلى “غول الحفناوي”، والذي هو بدوره انشق عن الحركة وأسس “بركات 52” (لم تعرف صدى إعلاميًا)، كما أن تحويل “بركات” من فكرة إلى تنظيم يحوي قيادة وهياكل تنظيمية أفقدها الوظيفة الذي انطلقت من أجله حسب بعلوج دائمًا.

ويضيف بعلوج – من خلال صفحته الشخصية – أن لكل مواطن الحق في التظاهر باسم بركات، ورفع الشعارات التي يشاء مادام يرفض العهدة الرابعة، كما أنه رفض إقصاء الإسلاميين لأنهم طرف من الشعب – حسب قوله – وطالب المحزبين بالنضال بأسمائهم الشخصية بعيدًا عن أحزابهم، في الأخير يعتقد بعلوج أن لكل الحرية في ممارسة حقه الدستوري في التعبير عن نفسه دون عقدة أو خوف.

بركات تتراجع والبيانات السياسية تختفي!

مؤخرًا تراجع حجم نشاط الحركة، فصفحتها الرسمية على فيس بوك لم تنشر أي تعليق أو بيان أو تعقيب على الأحداث السياسية منذ 1 مايو 2015، بعد أن عودت الحركة متابعيها على التضامن مع المعتقلين أمثال عبد الغني خشنة، ورشيد عوين وغيرهم، بالآونة الأخيرة غاب الحضور الإعلامي والسياسي للحركة خاصة بعد الزيارات التي قادت قيادتها إلى زعماء الأحزاب والشخصيات السياسية.

لا يوافق جعفر خلوفي الناشط السياسي والعضو بالحركة إطلاق وصف التراجع والغياب على ما تعيشه الحركة، ويعكس المتحدث ذلك إلى استراتيجية “بركات” في الاعتماد على أدوات أخرى في العمل السياسي، ويشير خلوفي في حديثه معنا إلى التشويه الكبير الذي لحق بقيادات الحركة من قبل وسائل إعلام قريبة من السلطة في وقت سابق، وعبر صفحات التواصل الاجتماعي باستمرار، كما يؤكد على أن أعضاء “بركات” متواجدون في الميدان ودليل ذلك إقامة وقفات تضامنية في عدد من الولايات مثل عنابة، قسنطينة، البيض، بجاية وتبسة.

كما اعتبر خلوفي وهو صحفي، أن الزيارات التي قادتهم إلى شخصيات وأحزاب المعارضة كانت ثرية، من حيث تبادل الأفكار، وكان الاختلاف فقط -حسبه- في تحسس الأحزاب من العمل الميداني، وأوضح أن الحركة أوقفت نشر البيانات، لأننا نعتبر الفترة الحالية تتطلب العمل على نشر الوعي وتهيئة أرضية صلبة بالمجتمع. ويعتقد أن “بركات” مارست السياسة على سجيتها دون أطر كلاسيكية، ولم تكن يومًا حزبًا وهي روح ما زال يسري في المجتمع.

ALGERIA-POLITICS-ELECTION-DEMO-PRESIDENTوتجدر الإشارة إلى أن الحركة اتهمت في خطابها هيمنة التيار العلماني على الإسلامي المحافظ، وبرزت هذه الاتهامات في منشور للقيادية بالحركة أميرة بوراوي حين دعت عبر صفحتها الشخصية إلى تخفيض مكبرات صوت المساجد أثناء خطبة الجمعة، في حين كانت الصفحة تخاطب متابعيها باللغة الفرنسية في البداية وهو مؤشر جعل بعضهم يصنفها على أساس أيديولوجي.

هذا ما حققته بركات:

لعل أهم ما حققته حركة بركات هو كسر حاجز الخوف الذي ميّز الشارع الجزائري منذ عقدين، لعوامل عديدة أهمها العشرية السوداء التي عاشها الجزائريون في فترة سابقة، ونجاح النظام باستمرار في تشويه العملية السياسية لدى المواطنين، فأصبحت السياسة مقترنة بالفساد والرشوة والمحسوبية والمصلحية.

بركات بالرغم من التهم التي كالها لها الأصدقاء والخصوم بالعمالة والوقوف خدمة لقطب داخل السلطة ضد آخر، جاءت كرد فعل مباشر على رغبة رئيس البلاد عبد العزيز بوتفليقة في الترشح لعهدة رابعة، أي في وقت استسلم الجميع أمام أمر الواقع الذي فرضته السلطة على الجميع، بما فيها أحزاب المعارضة.

خروج العشرات في وقفات ضد النظام السياسي، جعل أحزاب وشخصيات المعارضة تعد العدة للخروج إلى الشارع هي الأخرى، وتجسد ذلك في وقفات الغاز الصخري بكامل التراب الوطني، وأملت على المدير العام للشرطة الجزائرية عبد الغني الهامل تلاوة بيان اعتذار على ممارسات الشرطة غير اللائقة تجاه الصحفيين والناشطين.

ومع الذي حققته “بركات” يمكننا التساؤل، إلى متى يستمر الشباب في وأد مبادراتهم؟ وعدم الاستمرار في تجسيد مشاريع سياسية قادرة على صناعة التغيير الذي أعادت “بركات” جزءًا منه في نفوس الشباب والمواطنين الحالمين بجزائر ديمقراطية مزدهرة، فكل نداءات وصرخات الخارجين عن القانون في نظر السلطة هي “جزائر حرة ديمقراطية”، هذه الصرخات تدفع بك إلى مخفر الشرطة، في حين الصراخ بحياة الرئيس بوتفليقة توفر لك الحماية والأمن اللازمين!

عرض التعليقات
تحميل المزيد