الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا، ركبنا سيارة التاكسي متوجهين من مدينة أزرو بوسط المغرب إلى نقطة أزكورو، على بعد 20 كيلومترًا تقريبًا، حيث يوجدُ المنتزه الوطني لإفران بغابة الأطلس، والذي يحتضن نوعًا من الأنواع الرئيسية الحية المهددة بالانقراض، وهي قرود «المكاك البربري».

لم تمرّ سوى ربع ساعة حتى وصلنا إلى المكان المقصود بطرف الغابة، وعلى غير المتوقع لا يبدو المكان بريًّا، بضع سيارات تصطفُّ على الجنبات، وعدد من النسوة يعرضن الشاي والمأكولات، ويعملُ شبابٌ في ترتيب أماكن صفِّ السيارات، وآخرون يبيعون الموز والفستق للزوار لتقديمها للقردة. وفي المنطقة تظهر شجرة عملاقة يطلقون عليها اسم أزكورو، يقال إنها أقدم شجرة في غابة الأطلس، عمرها يتجاوز القرن من الزمان، وعلى اسمها سُمِّيَ المكان.

اقتربت من إحدى بائعات الخبز والشاي، وسألتها بلطف عن مكان وجود «زعطوط»، هكذا يسمون قردة المكاك محليًّا، فأجابتني بأنها تأتي إلى المكان عشيَّة كل يوم قادمة من عمق الغابة، لالتقاط ما يجود به زوار المنطقة والسياح من طعام، فأشرتُ لمساعدي بأن نبدأ رحلتنا سريعًا في الغابة بحثًا عن قردة المكاك لملاحظتها في بيئتها الطبيعية قبل أن تختلط مع البشر.

دخلنا غابة الأطلس، ​​التي تعد أكبر ملجأ للنظام البيئي للغابات في شمال أفريقيا، حيث أشجار الأرز والبلوط والعرعار تغطي الأرض على مساحات شاسعة، وهي تنتصب عاليًا حتَّى 40 مترًا نحو السماء، توغلنا في الغابة أكثر حتى لم نعد نسمع سوى أصوات الطبيعة وزقزقة الطيور على قمم الأرز الشاهقة، وأنا أتطلع إلى الأعلى لعلي أرصد بعض القردة على الأشجار.

بعد ساعة تقريبًا من التجوال في الغابة، فجأة رمقت قردًا أصفر اللون، وأنا أحاول الاقتراب منه بهدوء أدرك وجودي، ثم تقدم نحوي وكأنه يستكشف الزائر الجديد في منطقته، وبعدها مباشرة وبدون سابق إنذار هرعت إلينا عشرات القردة خارجة من كل مكان لتتحلق حولنا على مسافة قريبة تكاد تلامسنا، وللوهلة الأولى أثارت لدي بعض الخوف، قبل أن أعي بأنها فقط ترغب في الطعام.

كان منظرًا لا يصدق، لأول مرة أتطلع إلى قرود المكاك البربرية، المصنفة عالميًّا في القائمة الحمراء للحيوانات المهددة بالانقراض، وهو النوع الوحيد من فصيلة قردة المكاك الذي يعيش خارج قارة آسيا.

كائن متكيف واجتماعي

حسب الباحثين انتشرت هذه الفصيلة بكثافة في جميع أنحاء شمال أفريقيا، من ليبيا ومصر إلى المغرب، ولكن وجودها حاليًا يقتصر على بقع من الغابات في المغرب والجزائر، بعد أن تناقصت أعدادها بشكل مهول حد خطر الانقراض، وحاليًا صار موطنها الرئيسي في غابات الأطلس المغربية، ويُقدر عددها بنحو 5 آلاف قرد، أي أقل بثلاث مرات مما كان عليه عددها قبل 30 عامًا.

صورة لقرد مكاك بربري. حقوق الصورة: خالد بن الشريف

ليس لدى قرد المكاك البربري ذيل، ولا يغطي وجهه شعرٌ؛ ما يجعل ملامحه أكثر صفاء، ويكسوه فراء مصفَّر بني اللون، يتغير مع تغير الفصول. ويعيش هذا النوع من القردة قرابة 20 سنة، ويتراوح وزن الذكر منها بين 16 و20 كيلوجرامًا، والأنثى بين 11 و15 كيلوجرامًا، ويحدث التزاوج لديها في الخريف أو الشتاء، والولادات في الربيع أو أوائل الصيف، مع وليدٍ واحدٍ لكل ولادة بشكل عام.

تتمتع هذه القرود بقدرة كبيرة على التكيف مع بيئتها الطبيعية، سواء على مستوى الطقس؛ إذ تتأقلم مع الظروف المناخية المتقلبة في منطقة الأطلس، التي تشهد تساقط الثلوج شتاءً والدفء صيفًا، أو على مستوى الطعام، فلها نظام غذائي متنوع، يتكون من النباتات والفواكه والبذور، وأوراق والفطريات واللافقاريات والسحالي، وأوراق الشجر.

مَكَّنت هذه العادات الغذائية المرنة قردة المكاك البربرية على الصمود حتى الآن في الغابات المتأثرة بالتقلبات الموسمية، وقلة الغذاء المتاح، بينما انقرضت العديد من الرئيسيات الأخرى التي كانت تعيش في المغرب، مثل الأسود والدببة الأطلسية. وساهم في بقائها قدرتها على تسلق أشجار الصنوبر الشاهقة، الموجودة في المناطق الصخرية والجبلية الوعرة في جبال الأطلس المتوسط والكبير.

أم قردة مكاك مع صغيرها. حقوق الصورة: خالد بن الشريف

تتميز هذه القرود أيضًا بقدرة فريدة على التعبير عن طريق ملامح الوجه، ساعدتها على تطوير سلوكيات تواصلية واجتماعية تعتمد على إيماءات الوجه، مثل الاتصال بالعين، والخوف، والتقرب والنفور، والغضب والدهشة، ولهذه القردة نوعٌ من الحياة الأسرية، تظهر في رعاية الذكور للأم والطفل، وهي أمور تفتح أمام الباحثين الباب لفهم تطور السلوكيات الاجتماعية العفوية لدى البشر، ولدى الرئيسيات بشكل عام.

أخطار أوشكت على محو المكاك من الوجود

في عام 1975، أعدَّ دراسة عن قردة المكاك في المغرب مجموعة من الباحثين في الغابات وعلم الحيوان، من جامعة أوكسفورد البريطانية وجامعة ساوث كارولينا الأمريكية، وقدَّروا أعدادها حينها بحوالي 21 ألف قرد في البرية، لكن الآن لم يتبق منها سوى 5 آلاف قرد في البلاد، نتيجة الصيد المفرط، وتضرر موائلها الطبيعية في العقود الماضية.

منذ أواخر التسعينيات، شهدت تجارة قرود المكاك غير المشروعة تزايدًا مخيفًا، ولاحظت إدارات المنتزهات والمحميات في أوروبا حينها زيادة كبيرة في أعداد قرود المكاك البربري المعروضة على حدائق الحيوانات، والمدجنة في المنازل، بالإضافة لأعداد القرود التي صادرتها السلطات من المهربين، ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى تعليق واردات هذه الفصيلة من القردة عام 2000.

ويصيد الصيادون صغار المكاك البرية في غابات الأطلس وجبال الريف لبيعها حيواناتٍ أليفة في أوروبا غالبًا، مقابل 200 يورو في المتوسط (ألفي درهم مغربي)، ومن ثم يهربونها خارج البلاد، خاصة إلى فرنسا وبلجيكا وإسبانيا وألمانيا وهولندا، وكان المكاك البربري أكثر الثدييات المصادرة التي سجلتها برامج التربية في حدائق الحيوان الأوروبية بين عامي 2006-2010، حيث يُقدَّر نحو 300 من صغار «المكاك» جرى صيدها سنويًّا في المغرب خلال تلك الفترة.

ويخطف الصيادون القرود الصغيرة من بيئتها الطبيعية لاستعمالها في العروض السياحية، مثل التي تُعرض في ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش، أهم المدن السياحية في المغرب، ويستعمل المروضون هذه القرود في عروضهم لجذب أنظار السياح والزوار.

ومن جهة أخرى، تسبب قطع الأشجار غير المشروع على نطاق واسع في تدمير هائل للحواضن الطبيعية لقردة المكاك البربرية، لدرجة أن «غابات الأطلس، التي كانت قبل عقدين تغطي مساحات شاسعة، اختفى جزء كبير منها ولم يتبق سوى شظايا من الغابة موزعة على مناطق متفرقة، تعيش فيها مجموعات القرود المتبقية» كما أخبرني رضوان، وهو ابن المنطقة ويعمل سائق تاكسي.

من مشاهد قطع الأشجار بغابة الأطلس. حقوق الصورة: خالد بن الشريف

ولسوء الحظ، فإن الطلب على خشب الأرز كبير في سوق النجارة وصناعة الأثاث والحرف اليدوية في المغرب، ويستهلكه السكان المحليون في التدفئة خلال فصل الشتاء القارس؛ إذ تتساقط الثلوج على مدن وبلدات الأطلس، ما يغري الحطابين وقاطعي الأشجار باستهداف غابة الأطلس سريًّا، لبيعها في سوق الخشب، وهذا واحدٌ من أسباب تدمير المسكن الطبيعي لقردة الأطلس.

بالإضافة إلى مخاطر أعمال الصيد وقطع الأشجار، هناك أيضًا ظواهر الرعي الجائر للماشية، وموجات الجفاف والحرائق، والتلوث البيئي، وأعمال المناجم والمحاجر، واستزراع الغابات، كلها عوامل ساهمت على مدى العقود الماضية في دفع قرد المكاك البربري نحو حد الانقراض الوشيك.

هذا ويمنع القانون المغربي صيد قردة المكاك أو الاتجار فيها، ويعاقب المخالفين بفرض غرامات عليهم، كما يعاقب على قطع الأشجار غير القانوني، غير أن ذلك لم يؤد إلى الحد من خطر الانقراض الذي يتهدد هذا النوع من القردة.

مجهودات مبذولة لإنقاذ هذا النوع

منذ 2010، بدأت السلطات البيئية المغربية، ممثلةً في المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر، تدرك أن البلاد على وشك فقدان أحد الحيوانات البرية النادرة في العالم، وما تمثله من ثروة بيولوجية بيئية لمنطقة الأطلس، ومن ثم عملت بجدية أكبر خلال السنوات الأخيرة للحفاظ على هذا النوع، بتشديد الرقابة على الصيد وقطع الأشجار، والتوعية بأهمية التنوع البيئي، بالتعاون مع جمعيات محلية ومنظمات دولية.

وبالفعل اتُّخذت عدة تدابير لتحسين حالة حفظ قرود المكاك، حيث جرى إنشاء المنتزه الوطني لإفران (PNI)، وهو مؤسسة رسمية، لتطوِّر خططًا بيئية وإدارة غابة الأطلس المتوسط، وزاد حضور شرطة البيئة في تلك الغابات لحماية الرئيسيات التي تعيش فيها من الصيادين والحطابين.

صورة لقرد مكاك خارج البرية. حقوق الصورة: خالد بن الشريف

وعلاوة على ذلك، بدأت تنشط مجموعة من الجمعيات المحلية والدولية بمنطقة الأطلس في حماية قردة المكاك، أبرزها منظمة مناصرة وحماية الحيوانات (AAP)، والتي تعمل بشكل وثيق مع الصندوق الدولي لرعاية الحيوان (IFAW)، وفي 2014، أطلقت هذه المنظمة الدولية مشروع «ولد ليكون بريًّا»، بتمويل من يانصيب البريد الهولندي، لتأمين بقاء المكاك البربري في غابات الأطلس بالمغرب، بشراكة مع إدارة المياه والغابات الحكومية.

يعمل عماد الشرقاوي منسقًا للمشروع في المغرب، ويقول «نقوم بإرسال مستكشفين مدربين كل يوم إلى غابات الأطلس، لتتبع حالة قردة المكاك وجمع المعطيات الإحصائية حول تكاثرها وتوزيعها الجغرافي وحالتها الصحية، ونقوم بإبلاغ السلطات المسؤولة عن أية أنشطة بشرية مشبوهة قد تهدد القردة».

وتذكر صفحة المشروع على الإنترنت أنه صُمِّم لوقف الصيد الجائر وتهريب قرود المكاك البربري والاتجار بها، بالمراقبة وتبليغ سلطات إنفاذ القانون بالأفعال المشبوهة، وبزيادة الوعي بين المجتمعات المحلية والسائحين بشأن الإجراءات التي يمكنهم اتخاذها للمساهمة في الحفاظ على هذا الحيوان البري.

سألت الشرقاوي إذا ما كانت هذه البرامج الحكومية والدولية في السنوات الأخيرة ساهمت في زيادة أعداد قرود المكاك، فأجاب قائلًا: «بناء على معطياتنا، سُجِّلت زيادة طفيفة جدًّا في تعداد المكاك البري خلال الفترة الأخيرة، لكن خطر الانقراض لا يزال يهدد هذا النوع». وبالتالي يبدو أن هذه المجهودات الرسمية وغير الرسمية أوقفت على الأقل عجلة التناقص المطرد لأعداد المكاك في غابات الأطلس، بالرغم من أن خطر انقراضه لا يزال قائمًا، وذلك بعد أن قلصت الجهود المبذولة أعمال الصيد وقطع الأشجار نسبيًّا مقارنة مع الوضع قبل عقد من الزمن.

ومع ذلك لا يزال هناك تهديد غير هين يواجه قردة المكاك حاليًّا، وهو «الزوار والسياح الذين يأتون للمكان للترفيه بالتقرب منها وإطعامها، وما يترتب على ذلك من تداعيات صحية وسلوكية على قردة المكاك»، كما يقول الشرقاوي.

السياحة النمطية أكبر خطر يهدد هذه القردة حاليًا

عندما شاهدت خلال رحلتي بغابة أزكورو القردة وهي تلتف حولنا طلبًا للطعام، اعتقدتُ للوهلة الأولى أن هذا ليس سلوكًا طبيعيًّا للحيوانات البرية، التي عادة ما تكون شديدة الحذر من الإنسان، إلا أني لم أكن موقنًا بمدى تقربها من البشر.

ولكن بعد رجوعي من جولتي الطويلة في عمق غابة الأطلس وعودتي إلى محطة الانطلاق، أدهشني منظر القردة وهي تختلط بدون خوف مع زوار المكان، الذين يستمتعون ويضحكون من تصرفاتها، ويلتقطون الصور معها واحدة تلو الأخرى وهم يقدمون لها البذور الجافة وبعض قطع الفواكه وأطعمة أخرى، فيما تتسلَّى بعض القرود بتسلُّق السيارات المركونة على الجانب، وأخرى تقترب من الزوار حد التلامس من أجل الطعام.

جلست على الكرسي بقرب إحدى بائعات الشاي بالمكان، وأنا ألاحظ هذا المنظر الغريب، وكأنه عرضٌ ترفيهيٌّ للسياح في حديقة الحيوانات، وفجأة اختلس صغير مكاك من مؤونة المرأة المتواضعة قطعة سكر بحجم ربع كيلوغرام، ثم صعد الشجرة مسرعًا إلى القمة وبدأ يتناولها مبتهجًا، تاركًا الموجودين غارقين في قهقهات من الضحك.

ورفعت فاطمة صاحبة المحل ناظريها نحو أعلى الشجرة، وبدأت تصرخ على القرد الصغير وكأنها تلوم طفلًا على مشاكساته، ثم أردفت وهي تنظر نحونا مبتسمة، «على كل حال تبقى هذه القرود نعمة بالنسبة إلينا، بفضلها تروج السياحة وبفضلها نعيش»، وقالت لي فاطمة إن «هذه القرود تأتي خارجة من عمق الغابة كل عشية يوم من أجل الطعام الذي يقدمه زوار نقطة أزكورو»، وهي فقط محطة واحدة من خمس محطات سياحية بالأطلس المتوسط، وجميعها تشهد تقريبًا المشهد نفسه: عشرات من القردة، تختلط مع الزوار والسياح لأجل الطعام.

صورة لقردة المكاك الأطلسية وهي تختلط مع الزوار في المنتزه الوطني لإفران. حقوق الصورة: خالد بن الشريف

رغم العائد الاقتصادي فإن هذا النوع من السياحة يؤثر سلبًا في قرود المكاك الأطلسية حسب الخبراء البيئيين؛ إذ تصبح القرود معتمدة على الزوار في طعامها، وتقلُّ لديها مع الوقت غريزة الخوف من البشر؛ ما يغير سلوكياتها الطبيعية كحيوان بري ويعرِّضها لمخاطر عديدة.

وعلى سبيل المثال، اعتياد قردة المكاك التقرب من الإنسان وعدم الخوف منه يجعلها أكثر عرضة للسقوط في يد الصيادين، مثلما يجعلها أكثر عرضة لحوادث السير في الطرق المحاذية لغابات الأطلس؛ إذ تلعب غريزتا الخوف والهرب دورًا مهمًّا لدى الحيوانات البرية في حماية نفسها من أي مخاطر محتملةٍ من الإنسان.

صورة تظهر اعتياد قردة المكاك التقرب مع الإنسان. حقوق الصورة: خالد بن الشريف

كما أن إطعام الزوار والسياح للقردة يسبِّب لها مشكلات صحية، مثل السمنة التي تؤثِّر في قدراتها الإنجابية، وبعض الأطعمة التي يرمي بها الزوار للقرود تضرُّ بصحتها.

وبدوره التواصل الجسدي لهذه القرود مع البشر بشكل متكرر يُعرِّضها لخطر تناقل الأمراض، منها إلى الإنسان، والعكس؛ ما قد يسبب أمراضًا وأوبئة تهدد قردة المكاك أو الإنسان نفسه، وقد علمتنا ولادة جائحة كورونا درسًا قاسيًا حول أهمية عدم اختلاط الناس مع الحيوانات البرية.

وضع المكاك في زمن كورونا

كان عام 2020 بمثابة فترة نقاهة بالنسبة لمجموعة قردة المكاك التي تعيش في غابة المنتزه الوطني لإفران؛ إذ استمر مراقبو منظمة مناصرة وحماية الحيوانات خلال فترة الوباء في القيام بعملهم لحمايتها من الصيادين، وفي الوقت نفسه توقف قدوم الزوار والسياح إلى المكان نتيجة إجراءات الحجر الصحي، فعادت هذه الرئيسيات من جديد لتستقر في وسط الغابة.

وأصبحت قردة المكاك في المحمية مجبرةً على إيجاد طعامها بنفسها في بيئتها الطبيعية دون الاعتماد على الزوار، وبدأت تستعيد طبيعتها البرية، قبل أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه بعد زوال الحجر، في حين «شهدت العديد من الحواضن الطبيعية الأخرى لقردة المكاك تزايدًا ملحوظًا لأعمال الصيد الجائر، والاتجار بالأحياء البرية، وأنشطة قطع الأشجار غير المشروعة، بفعل الحجر وانهيار السياحة البيئية» كما أخبرني الأستاذ الجامعي عماد الشرقاوي، والذي نشر دراسة أكاديمية حديثة بخصوص تأثيرات جائحة كورونا في الحيوانات المهددة بالانقراض في المغرب.

قرد مكاك متسلق على الشجرة. حقوق الصورة: خالد بن الشريف

وتذكر الدراسة التي اعتمدت على محاضر المحكمة وبيانات الجريمة لدى وزارة المياه والغابات وتقارير موثوقة، أن الصيادين وقاطعي الأشجار استغلوا فترة الإغلاق لزيادة أنشطتهم غير المشروعة في المحميات الطبيعية ذات التنوع البيولوجي، مثل سهول غابات أركان وآمزي وتيزنيت، وبعض غابات الأطلس المتوسط والكبير، وتوجه بعض السكان المحليين لتلك المناطق نحو موارد الغابات لتحصيل عائد مالي، بعد انهيار السياحة من جراء جائحة كورونا.

وأيضًا استفاد الرعاة بدورهم من فترة الإغلاق؛ إذ انشغلت السلطات بالوباء، وجمَّدت الجمعيات البيئية أنشطتها، فأطلقوا ماشيتهم في المحميات الطبيعية، التي تحتضن قردة المكاك البربرية.

ويخشى دعاة الحفاظ على البيئة حدوث توسع في أعمال صيد الحيوانات المهددة بالانقراض، بعد أن اضطرت عدد من المنظمات الدولية البيئية العاملة في البلاد على تسريح حراس الحياة البرية وتعليق برامج المراقبة، بسبب تراجع التمويل إثر أزمة كورونا؛ مما قد يوجه ضربة مدمرة للجهود المبذولة لحماية الحياة البرية المهددة بالانقراض في المغرب.

الأدوار البيئية للمكاك البربري

تعد غابات الأطلس من المناطق البيئية الأكثر ثراء من ناحية التنوع البيولوجي في شمال أفريقيا، وقردة المكاك البربرية جزء لا يتجزأ من منظومتها البيئية؛ إذ تتفاعل هذه الكائنات والعناصر الطبيعية فيما بينها داخل المنظومة البيئية المترابطة، في تناغم وتوازن دقيق يصعب رؤيته كاملًا، ولذا بمجرد اختفاء أحد عناصر هذه الحلقة البيئية، يتأثرُ كلُّ الوسط البيئي وتنهار المحمية الطبيعية.

ولهذا السبب يدعو ناشطو البيئة إلى تكثيف الجهود لمنع انقراض قردة المكاك، والتي تلعب دورًا حيويًّا في تجديد غابات الأطلس، أولًا من خلال تشتيتها البذور على الأرض، أثناء تسلقها ولعبها فوق أغصان أشجار الأرز والبلوط، مُتيحةً إعادة التشجير بطريقة طبيعية دون تدخل بشري، وثانيًا، تحافظ القردة على توازن السلسلة الغذائية داخل الغابة، وهذا يظهر تحديدًا في منعها التكاثر المفرط للحشرات الضارة بالنباتات والشجيرات الصغيرة، والتي قد تعرقل تجدد الغابات.

/

مجموعة من الصور تُظهر دور المكاك في نشر البذور في الغابة. حقوق الصور: خالد بن الشريف

ويمكن استخدام توزُّع قرود المكاك البربري ووجودها مؤشرًا لقياس مدى جودة غابات الأطلس والتغيرات الحاصلة فيها؛ إذ يحيل تراجع أعداد هذه القردة إلى تدهور حاصل في تلك الغابات.

إلى جانب دورها الحيوي في تجديد الغابات، تمثل قرد المكاك البربرية، التي عاشت على مدى قرون في غابات الأطلس، تراثا بيئيًّا يجذب السياح، ويولد اقتصادًا محليًّا يعتاش منه الآلاف في المناطق الحضرية والريفية السياحية بمناطق الأطلس.

وهو أمر بات يدركه جيدًا معظم سكان هذه المناطق، وأصبحوا يشاركون بفعالية في حماية قرود المكاك في مناطقهم، ولذا تُشير دراسة اجتماعية قامت بها شيري ألكساندر، من جامعة ألاباما الأمريكية عامَ 2018، إلى أن قرود المكاك البربرية بالمغرب يُنظر إليها عمومًا على «أنها ثروة إيكولوجية مهمة لمجتمعاتهم المحلية، ينبغي الحفاظ عليها».

خريطة لآخر مواطن المكاك البربري المتبقية في شمال إفريقيا. الصورة من تعديل خالد بن الشريف

ومع ذلك، ينبه المختصون البيئيون إلى ضرورة توقُّف الزوار والسياح عن عادة تقديم الطعام للقردة أو ملامستها والتقاط الصور معها أو اقتنائها، باعتبارها حيوانات أليفة تصلح للتسلية، لصون الطبيعة البرية لهذا الحيوان، ويقول الشرقاوي: «يمكننا الحفاظ على قردة المكاك البربرية بدون أن نضحي باقتصاد المجتمعات المحلية، من خلال اعتماد سياحة إيكولوجية مستدامة تحترم التنوع البيولوجي للبيئة، وهذا هو التحدي الأكبر حاليًا».

أُنجز هذا التقرير بدعمٍ من «شبكة الصحافة الأرضية – Internews’ Earth Journalism Network».

المصادر

تحميل المزيد