ميرفت عوف 3
ميرفت عوف 3

6,494

تمادت ثقافة  «تقبيل الأحذية» في الدول العربية لتصبح شكلًا من أشكال «تقديس الديكتاتور» ورمزًا لتبجيله، بعد أن كان الحذاء رمزًا للتحقير والاعتراض والرفض. مؤيدو ما يعرف بـ«محور الممانعة» كانوا الأكثر حضورًا حتى الأيام الأخيرة، قاموا بتقبيل الحذاء العسكري وتعظيمه وتمجيده، بل وصل الأمر حد الاعتذار من «غبرة سباط السيد» على شاشات الفضائيات بعد حادثة شتم زعيم حزب الله اللبناني، حسن نصر الله.

سباق محموم نحو «سباط» نصر الله وغبرته

«كانت لي لحظة من أسعد لحظات حياتي، إبّان حرب الانتصار، حينما نذرت أن أدنو لأقبل حذاءك.. وحينها دنوت، وحاولت إقامتي من الموضع الذي أنا فيه، كنت أستشعر أنني خارج الناسوت (العالم الدنيوي)، وأنني خرجت إلى عالم الملكوت»، تلا النائب عن حزب الله في البرلمان اللبناني، علي عمار، كلماته السابقة مفتخرًا بإقدامه على تقبيل حذاء زعيم الحزب، حسن نصر الله، بعد حرب لبنان مع إسرائيل في العام 2006، وجاء ذكره لهذه الحادثة قبل أيام في محاولة منه لتمجيد نصر الله عقب تعرضه لشتائم لأول مرة على ألسنة أبناء أحياء الضاحية الجنوبية لبيروت.

فقد شهد أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وتحديدًا حي السلم بالضاحية، الذي يدين سكانه بالولاء لحزب الله، حادثة نوعية تمثلت في إقدام سكان الحي على شتم «حسن نصر الله» أمام عدسات الكاميرا، ردًا على إزالة محال تجارية لهم بحجة مخالفة شروط البلدية، فانتقدوا على الهواء مباشرة فساد الحزب الداخلي، ومشاركته في الحرب السورية.

ظهرت امرأتان ورجلان يكيلون الشتائم في «غضبة تلفزيونية» غير مسبوقة، لكنهم عاودوا الظهور قبل مرور 24 ساعة نادمين عن أقوالهم، وطالبين العفو والمسامحة من «سماحة السيد حسن نصر الله»؛ الأمر الذي أثار العديد من الشكوك حول ضغوط وترهيب تعرضوا له.

 ركز  المعتذرون بشكل خاص على تبجيل حذاء «نصر الله»؛ إذ قال اللبناني، علي عبدو شمص، أحد الذين  شتموا «نصر الله»، بلهجته اللبنانية: «نحن فداء كعب صرمايته وغبرة صرمايته»، كما شمل الاعتذار القناة التي عرضت الانتقادات، فبالرغم من أن قناة «الجديد» لم تتجاوز أصول المهنة عندما نقلت المشهد كما هو وبشكل عفوي، إلا أن الحملة التي تعرضت لها من الموالين للحزب وصلت حد المطالبة بإغلاقها، فخرجت مذيعتها على المشاهدين قائلة: «عاد الحي إلى سلمه، وما كان غضبًا بالأمس هدّأ من روعه، وقدم الاعتذار إلى غبرة سباط السيد».

يقول الكاتب الصحافي اللبناني، حازم الأمين في مقاله «نائب لبناني أعلن أنه قبّل حذاء رئيسه»: «المشهد اكتمل إذًا، وصار ممنوعًا أن تُمس الذات السياسية للسيد نصر الله، وفعلة باعة حي السلم، وإن لم تكن مندرجة في سياق انتفاضة على الحزب، هي سابقة لا يجب أن تتكرر».

شباب يحملون صورة «حسن نصر الله»

ويتابع «الأمين» القول بصحيفة «الحياة» اللندنية: «ما كشفه النائب في البرلمان اللبناني لجهة تقبيله حذاء الأمين العام يأتي في هذا السياق أيضًا. موقع الرجل ممثلًا للبنانيين في البرلمان لن يهتز طالما أنه قال ما قاله، مشهده المتخيّل، وهو يقدم على فعلته، سيصير عاديًا طالما أن التليفزيون، وهو ليس تليفزيون «حزب الله»، أعاد الفعلة، وكشف لنا أن حذاء السيد ذهب».

مؤيدو النظام السوري ينشرون عدوى تبجيل الحذاء 

«على كل خائن تائب أن يذهب إلى نقطة من نقاط الجيش العربي السوري؛ لينحني أمام الجنود الذين حمونا من نتائج خيانته، بل ليقبل بصطار أحد الجنود أمام وسائل الإعلام»، هذا ما كتبه وزير الإعلام الأسبق في حكومة النظام السوري «مهدي دخل الله» في مقاله بصحفية «البعث» كشرط على المعارضين، «التائبين» الذين يريدون العودة لسوريا، تنفيذه.

لقد كان مؤيدو النظام السوري أول من دفع نحو انتشار عدوى تبجيل الحذاء العسكري، لم يكتف هؤلاء بإصدار أغان تمتدح «البوط العسكري» لقوات النظام، ونشر إعلانات على الطرقات لهذا الحذاء، مع شعار «لنداوي جراحكن»، بل وصل الأمر حد إقامة مجسمات وتماثيل ضخمة لهذا الحذاء في مدن، كطرطوس، واللاذقية، التي وضعت نصبًا تذكاريًا للحذاء عند مدخلها، ولذلك يذهب تقرير موقع «المدن» اللبناني للقول: إنه تم «تكريس البوط العسكري شيئًا فشيئًا كعبادة جديدة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهو ما بات ملاحظًا على الشاشات من حين لآخر، مع تسابق الموالين للنظام إلى تقبيل الحذاء العسكري».

وتلاحقت حوادث قيام سياسيين وفنانين وإعلاميين بتقبيل الأحذية، والتي من أشهرها حادثة تقبيل الإعلامية التونسية «كوثر البشراوي» لـ«بوط» حصلت عليه من أحد عناصر جيش النظام السوري، فعلت ذلك في أثناء استضافتها في برنامج «كلام سياسي» على قناة «الإخبارية السورية» التابعة للنظام.

 فقالت أثناء تقبيلها واحتضانها للحذاء على الهواء مباشرة: «هذا كل ما اشتهيته من سوريا، هذا البوط العسكري هو من سيفرض السلام، هذه أغلى هدية في حياتي»، لم تكتف «البشراوي»، بل طلبت فيما بعد تقبيل قدمي «حسن نصر الله»، فقالت في قصيدة ألقتها أمامه «نعم يا نصر الله… أتشرف بتقبيل قدميك»، أما الفنان السوري، زهير عبد الكريم، فحدث أن انهال على قدم جندي لتقبيل بوطه العسكري، مصرًا أمام الكاميرا على الظهور  في وضع مهين؛ لتأكيد ولائه خلال زيارته لعدة مواقع عسكرية بغية «رفع معنويات الجنود» كما قال.

أنصار النظام السوري

يقول المحلل السياسي السوري، جميل عمار: «فقط في شرق أوسطنا التعيس تكتسب الأحذية قدسية خاصة عند العديد من أشباه البشر؛ فحذاء الجندي السوري الذي هزمت قيادته في معارك مع العدو، وانتصرت على أبناء جلدتها، أصبح يُقبّل ويُباس ويُوضع فوق الرؤوس».

 ويضيف عمار في مقاله «متلازمة الأحذية»: «هذا العشق لحذاء الجندي – وفق عمار – ليس حبًا وتكريمًا للجندي، بقدر ما هو أسلوب لتطويع النفوس على تقبل الذل والاستكانة والخنوع للنظام الأمني والبوليسي»، أما الإعلامي السوري، أبو آدم الحلبي فيرى: أن «متلازمة الحذاء العسكري ليست حالةً فرديّة، بل إنه مرضٌ استشرى بين قطعان المؤيدين؛ نظام الأسد لم يجد طريقة يذلُّ بها مؤيديه أفضل من إجبارهم على لعق الحذاء العسكري وتعظيمه وتمجيده».

ويتابع القول لصحيفة «القدس»: «إنّ مستوى الانحطاط الذي وصل له نظام الأسد ومؤيدوه لم يسبقهم لها أيًّ من أمم الأرض؛ فقد ذهب مؤيدو الأسد للمطالبة ببناء تمثال للحذاء العسكري، مثل تمثال الحرية».

كيف تحول الحذاء من رمز للتحقير إلى رمز للتبجيل؟

استخدمت تسميات الحذاء المتعددة في اللغة العربية للتعبير عن الرفض والشتائم والتحقير للهدف المستخدم ضده هذا الحذاء، لكن بعد مجيء ثورات الربيع العربي استخدم الحذاء في التعبير عن وجهات النظر السياسية، بل تغيرت كليًا استخداماته لتصبح للتأييد والتبجيل والتكريم، حتى وصل الأمر حد إزاحة المعنى الأساسي، فأصبح تقبيل الحذاء تعظيمًا للعظيم، وهو ما يسمّى في لغة التحليل النفسي بالتعلق الهوسي بأشياء الآخر، والمعروفة باسم «الفيتشيزم»، أو «الفيتشية»، والتي من سماتها استبدال المرغوب بما ينوب عنه.

نصب للحذاء العسكري في مدخل مدينة اللاذقية (المصدر :العربية نت)

على سبيل المثال، نقلت وسائل الإعلام صورًا لمصريين، شيوخًا وأطفالًا، يحملون على رؤوسهم الحذاء العسكري المعروف باسم «البيادة»، بعد عزل الرئيس المصري، محمد مرسي، كتأييد لتحرك الجيش في الثالث من يوليو (تموز) 2013.

كما تصاعدت رمزية الحذاء العسكري على وجه التحديد في إعلام «محور الممانعة»، الذي تمكن من تكريس «البوط» أو «البسطار» العسكري حتى أصبح نهجًا لدى الموالين للنظام السوري؛ فتسابقوا إلى تقبيل الحذاء العسكري كما أسلفنا، لتنتقل الظاهرة لجميع مؤيدي «محور الممانعة»، خاصة في لبنان، ويصبح الحذاء تعبيرًا عن عقيدة الإيمان بالدور الخارق الذي يمكن أن ينطوي عليه ذلك الحذاء، لكن ما لا يمكن تجاوزه بالقول، هو حقيقة أن تقبيل الحذاء ممارسة خلقتها ممارسات «الشبّيحة» في سوريا؛ إذ كان على المعتقل النازف من شدة التعذيب في السجون السورية تقبيل أحذية الضبّاط كجزء من عملية التعذيب.

ماذا يفعل معتقلو النظام السوري في يومهم كي يبقوا على قيد الحياة لأطول فترة ممكنة؟

تقول الكاتبة الكويتية، سعدية مفرح: «لا أدري لماذا اختار هؤلاء الحذاء تحديدًا، من بين قطع الزي العسكري الأخرى، لرفعه فوق رؤوسهم، إلا إن كان الهدف حقًا إظهار التذلل والعبودية والانسحاق النهائي تحت الوطأة العسكرية في أبشع صورها الديكتاتورية الحاكمة، وليس التأييد وحسب».

وتضيف في مقالها: «الداء والدواء.. في تقبيل الحذاء»: «فلو كان التأييد هو الهدف، لاختاروا مثلًا القبعة العسكرية
ليضعوها فوق رؤوسهم، حيث موقعها الطبيعي فوق الرأس. أما أن يختاروا ما هو للقدم ليكون فوق الرأس، مع رمزية هذا الفعل في الثقافة العربية، فهذا يبعث على الأسى».