لطالما كان السودان غائبًا عن المشهد العربي، كونه بلدًا ليس له نفوذٌ إقليميّ؛ زاد من عزلته انضمامه سابقًا إلى حلف طهران الاقتصادي، وهو ما استدعى غضبًا خليجيًّا عليه جعل القادة العرب يشاركون في العقوبات الاقتصادية التي أقرتها عليه الولايات المتحدة منذ عام 2009، والجدير بالذكر أنَّ قطر لم تكن ضمن الدول التي شاركت في «سنوات الحصار»؛ وعندما أراد البشير الانخراط في الصفّ العربي مرةً أخرى، كان عليه تقديم تنازلات تليقُ بحق العودة؛ فطرد المستشار الإيراني في أواخر عام 2013، ثم أعلن المشاركة في عاصفة الحزم في أوائل 2015، وكانت السودان حاضرة بقوة إلى صف الرياض أثناء خصومتها مع القاهرة عام 2016.

لكنّ العام الحالي الذي شهد خمسة لقاءاتٍ رسمية في أقل من ستّة أشهر، لم يخلُ الشهر الأخير من التوترات التي جاءت إثر رفض الخرطوم قطع العلاقات مع قطر، لتأتي عقوبات السعودية فيما بعد لتؤكد أن «التحالف لم يصمد».

المزيد لا يكفي.. السعودية تطلب رسوم صداقة دائمًا

السودان دعمت السعودية دعمًا مُطلقًا إلا في حصار قطر

«السودان دعمت السعودية دعمًا مُطلقًا إلا في حصار قطر»، وجاء الرد السعودي: بسبب عدم توفيق أوضاعهم في المملكة بطريقة قانونية؛ قررت السعودية فجأة ترحيل 50 ألف سوداني إلى بلادهم، بعدما منحتهم فرصة لتنسيق إقامتهم، وتمثل العمالة السودانية نسبة كبيرة من العمال الأجانب، وتعود الأزمة قبل أربع سنوات بعد إقرار قانون «العمالة السعودي» عام 2013.

 ما يثير الانتباه هنا أن هذا القانون جاء سابقًا عقابًا للرئيس السوداني بعد علاقاته الممتدة مع طهران؛ وبعدما قدَّم البشير أول تنازلاته بقطع العلاقات مع طهران، قررت الرياض تجاهل القانون بمرونةٍ واضحة إرضاءً للحليف الجديد الذي قرر أن يطرد المستشار الإيراني للأبد؛ وكانت حقيقة القطيعة أن السودان أدركت أن إيران لن تستطيع أن تنتشلها من أزماتها الاقتصادية وكلاهما مُطبقٌ عليه الحظر الاقتصادي؛ وبعد ثلاث سنوات من تجميد القانون عاد مرة أخرى بقسوة؛ بعدما أعلنت الخرطوم عدم انحيازها لدول الحصار.

ويبدو أن السعودية نجحت في تهديد البشير الذي ما لبث أن أعلن قبل يومين عن زيارة للسعودية والإمارات مرورًا على الكويت؛ بدعوى بحث الأزمة القطرية، وتجدر الإشارة إلى أن العام 2017، شهد خمسة لقاءات بين الملك سلمان، والرئيس السوداني. فالبشير زار السعودية في 23 يناير (كانون الثاني) ورجع بعقودٍ استثمارية كبيرة، وفي خطوةٍ لافتة أعاد الزيارة في 23 فبراير (شباط) وهى الزيارة التي هاجم فيها مصر حين كانت علاقاتها متوترة مع السعودية؛ بينما كان اللقاء الثالث بينهما في القمة العربية التي عقدت في الأردن، والتي تعهد العرب حينها بدعم السودان اقتصاديًا.

ولأسبابٍ غير مُعلنة اعتذر البشير عن حضور قمَّة الرياض التي حضرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ وبعد الأزمة الخليجة بأقلّ من أسبوعين كرر زيارته بدعوى أداء رحلة العُمرة، لكنها جاءت بعد يومين فقط من زيارة مسئول بوزارة الخارجية القطرية للسودان؛ وهو اللقاء الذي أزعج الملك سلمان. بينما تعتبر الزيارة الحالية هى اللقاء الخامس بينهما الذي يختلف كثيرًا عن كل الزيارات السابقة؛ لأنّ السعودية تطلب من الرئيس السوداني رسومًا جديدة للصداقة في صورة تنازلاتٍ تناسبُ المرحلة، ويتخوَّف السودان من أن تقوده مواقفه الرافضة من الأزمة القطرية إلى خسارة الدعم المالي السعودي، أو أن يُجبر على تنفيذ المطالب فيخسر الدولة التي دعمته في «سنوات الحصار».

وبالحديث عن الأموال السعودية في الخرطوم؛ فقد بلغت نحو 15 مليار دولار في عام 2016، والرياض تحتكر 50% من النشاط الزراعي، وفي إحدى زيارات البشير قام الملك سلمان بتوقيع صفقةٍ تقضي بزراعة مليون فدَّان شرق السودان بميزانية ٍبلغت 500 مليون دولار، إضافةً إلى اتفاقات السدود السبعة التي يبلغ تكلفة إنشاء أربعة منهم فقط مليارًا وربع المليار دولار. السعودية أيضًا قامت بانتشال البشير من أزمة الديون الخارجية، وتعثُّر سعر الصرف؛ فأودعت في بداية العام الجاري وديعةً تُقدر بمليار دولار في بنك السودان المركزي، إضافةً إلى التعهُّد بتوفير 370 ألف فرصة عمل جديدة، مقارنة بـ13 ألف فرصة عمل توفرها الحكومة السودانية، والأهم في ذلك أنها دعمت موازنة الجيش في صورة مساعدات عسكرية تصل إلى خمسة مليارات دولار.

وما يثير الانتباه هنا هو ما يُقلق البشير؛ فالسودان لم تحصل على الدعم العربي إلا بعدما قدَّمت تنازلات كبيرة في كلّ مرحلة، والسعودية التي انتشلت الاقتصاد السوداني من السقوط قد تدفعه للهاوية مرة أخرى في حال قررت رفع المعونات، وهو الأمر نفسه الذي حدث مع القاهرة، ففي الوقت الذي اتجه فيه الدعم العربي للخرطوم، كانت القاهرة تعاني من الإجراءات العقابية التي فرضتها عليها السعودية بسبب دعمها مشروع القرار الروسي في مجلس الأمن؛ حيث قامت بوقف إمداد مصر بالمواد البترولية نحو ستَّة أشهر، وهو الأمر الذي قد يتكرر بسهولة بعدما اتضح أن البشير متمسكٌ بعلاقاته مع قطر. ولكن لماذا قد يغامر البشير بعلاقاته مع الرياض، من أجل عدم قطع العلاقات مع الدوحة؟

اقرأ أيضًا: ما وراء علاقة البشير وسلمان.. المعلومات والمقاتلون مقابل الدولارات

البشير لن يُضحِّي بأصدقائه القدامى من أجل حلفائه الجُدد

الحزب الحاكم والمعارضة السودانية طالبا الحكومة بالانحياز لقطر

 في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تفرض حظرًا اقتصاديًا على الرئيس السوداني عمر البشير؛ لاتهامه في جرائم حرب في دارفور عام 2008؛ كانت السعودية تقود عقابًا عربيًّا؛ بسبب علاقات السودان الممتدة مع طهران، بل إنّ الأمر تطوّر لقيام المملكة بمنع عبور طائرة البشير من أجوائها، وكان متوجهًا لحضور حفل تنصيب الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني، والذي فاز مؤخرًا بفترة ولاية ثانية؛ ثم قامت السعودية بالتهديد بطرد الجالية السودانية من أراضيها -وهو الذي نفذته الآن- قبل أن تعلن رسميًا عن وقف التعامل مع البنوك السودانية، في خطوة لإسقاط الاقتصاد السوداني المتعثر، وفي المقابل؛ فإن قطر لم تشارك في «سنوات الحصار» الممتدة من عام 2009 إلى عام 2014.

لذلك فإنّ عودة العلاقات مع المملكة، لم تمنع البشير من الجهر مرارًا بأنّ قطر ساعدت بلاده في تجاوز مخطط تدميرها اقتصاديًا، إذ قام الأمير تميم أثناء زيارته للخرطوم عام 2014 بضخّ مليار دولار في البنك المركزي لإنعاش الاقتصاد المتعثِّر الذي لم يسمح للدولة بالاقتراض الخارجي بعدما وصلت الديون نحو 43 مليار دولار-تبلغ الآن 45 مليارا-؛ والسودان اليوم ترعى مصالح اليمنيين في قطر، كما أن هناك مسؤولين حكوميين يزورون الخرطوم وسط غضب خليجي، والرئيس السوداني أقال منذ فترة مدير مكتبه؛ لعدة أسباب أهمها دعمه لحصار قطر.

اقرأ أيضًا: الفريق «طه عثمان».. ظل البشير ورجل «الخليج» الذي كاد أن ينقلب عليه

وبالرجوع إلى أزمة الحرب في دارفور؛ فإنّ الدور القطري لإنهاء الأزمة يبدو جليًا؛ إذ قادت قطر منذ عام 2011 عمليات السلام المعروفة باسم «وثيقة الدوحة»؛ لإنهاء القتال الذي بدأ منذ عام 2003 بين الحكومة السودانية والحركات المتمردة، ثم قامت في 2013 بدفع نصف مليار دولار مساهمةً في صندوق إعادة إعمار الجزء الغربي من المدينة بعد أن دمرتها الحرب، كما نجحت في العام الماضي من استقطاب أكبر الحركات التي رفضت التوقيع على الاتفاقية، وهذه هي إحدى الأسباب التي لن تجعل السودان ينضمّ لدول الحصار في اتهام قطر برعاية الإرهاب؛ فقد قضت ما يزيد عن 14 عامًا تحاول وقف القتال، وتدعم البلد المُحاصر الذي مارست عليه السعودية في ذلك الوقت كل أشكال العقاب.

الصديق القديم للسودان كان حاضرًا بقوة عقب انفصال الجنوب السوداني عن الشمال عام 2011؛ والذي ساهم بشدة في الإضرار بالاقتصاد؛ فالشمال خسر الجنوب المكتنز بالنفط، وخسر معه بالتالي في نفس العام نصف عائداته النفطية البالغة 4.4 مليار دولار في هذا العام، ونتيجة لارتفاع الديون، والتجاهل العربي، إضافة للحظر الاقتصادي، لم يقترب من السودان سوى قطر والصين وإيران؛ الذين دفعوا بالمستثمرين من أجل إنعاش الاقتصاد، كما ساهمت قطر في إنعاش السياحة عن طريق الدفع بأربعين بعثة استكشافية، من أجل البحث عن المقابر المختفية، كما قامت قطر بتمويل مشروع «أهرامات السودان» لترميم 53 هرمًا من المتوقع أن يساهم في زيادة العائدات الاقتصادية.

اقرأ أيضًا: «إخوة أم أعداء؟»: التفاصيل شبه الكاملة للصراع المحتدم بين مصر والسودان

أمرٌ آخر لا يجب إغفاله؛ فبينما تتكرر زيارات البشير للسعودية والإمارات، تتعالى الأصوات الغاضبة في البرلمان السوداني بأن القادة العرب لا يزورون السودان، ما عدا قطر التي تُكرر زياراتها؛ فخلال التقارب (السعودي السوداني) منذ عام 2015 لم يقم الملك سلمان بزيارةٍ للخرطوم سوى مرة واحدة في نفس العام؛ بينما تكررت زيارات أمير قطر ووالدته، إضافة للمسئولين الرسميين؛ لذلك ليس غريبًا أن يتوحَّد الحزب الحاكم مع المعارضة السودانية لمطالبة الحكومة بالانحياز لقطر، وفي خطوة لافتة؛ قام البرلمان باستجواب وزير الإعلام، على خلفية هجومه على قناة الجزيرة القطرية، واتهامها بدعم الإرهاب، واضطر الأخير في المقابل للاعتذار؛ والرئيس السوداني أيضًا يشارك حكومته الغضب من السعودية، لكنه غضب تدفعه أسبابٌ أخرى.

الخلافات الثنائية.. البشير أيضًا غاضبٌ من السعودية

السعودية عيّنت عدو البشير في منصب مستشار وزير الخارجية

في توقيتٍ سيئ، قرّرت الولايات المتحدة تأجيل رفع الحظر الاقتصادي على السودان ثلاثة أشهر، وكان الخرطوم على موعدٍ للاحتفال بانضمامه إلى الاقتصاد العالمي قبل خمسة أيام؛ لكنّ الشكوك حامت حول دور السعودية في تأجيل رفع الحظر، كما كان لها دورٌ كبير في التوسُّط لرفع العقوبات التي امتدت ثمانية سنوات، مكافأةً للسودان على دوره في حرب اليمن، وبالرغم من عدم وجود تأكيدات إلا أن الدور السعودي يبدو حاضرًا في الضغط على البشير، الذي من المؤكد أنه ناقش القرار الأمريكي أثناء الزيارة الجارية.

البشير مع بن زايد آل نهيان وبن راشد آل مكتوم

بدأت الخلافات بين الملك سلمان – أو بن سلمان بالأحرى – والرئيس السوداني، عقب اكتشاف الأخير، –بحسب التفسيرات المتداولة في الأوساط السودانية-، تسجيلاتٍ تُثبت خطة الفريق طه عثمان، مدير مكتبه بالتورط مع دولتين خليجيتين والتنسيق معهما (السعودية والإمارات) لترتيب انقلابٍ في دولةٍ خليجيةٍ ثالثة (قطر)، كما حصل البشير على تسريب صورة لتحويل بنكي للفريق المُقال بقيمة 30 مليون دولار.

غضب البشير لم يدم طويلًا حتى اشتعل حين تدخلت السعودية لعدم القبض على رجل بن سلمان في أفريقيا، إذ سمحت له السلطات بمغادرة البلاد إلى السعودية التي يحمل جنسيتها؛ ليتفاجأ الجميع بحصول عثمان طه على منصب مستشار وزير الخارجية للشئون الأفريقية، والذي سافر مؤخرًا إلى «أديس أبابا»، خلال الوفد الذي يقوده وزير الخارجية السعودي عادل الجبير.

طعنة كهذه لن ينساها البشير الذي تلقاها من حلفائه الذين دعمهم دعمًا مُطلقًا في الفترة الأخيرة، ورفع شعار «حماية المملكة والدين» خلال تأييدها لعاصفة الحزم بمشاركة ستة آلاف جندي، كما أنَّ التحالف العربي أشاد بالقوات السودانية، وهى نقطة قوة لم يلوّح بها البشير حتى الآن، رغم الخسائر التي تكبَّدها في الأرواح، المملكة أيضًا خذلت البشير في أزمة «حلايب وشلاتين»؛ فبعدما تنازلت مصر عن أحقيّتها في جزيرتي «تيران وصنافير»، سارع السودان لحثّ السعودية على تنفيذ وعدها بدعمه في قضيته، وهو الذي تزامن مع توتر العلاقات مع القاهرة؛ لكنَّ التقارب المصري السعودي الحالي، والذي تمثَّل في المشاركة المصرية في قطع العلاقات مع قطر – والذي لم يكن للخرطوم دورٌ فيه – جاء مُخيّبًا لآمال البشير الذي يواجه ضغوطًا من حكومته باسترداد المثلث الحدودي.

اقرأ أيضًا: عربي21: هذه تفاصيل الإطاحة بمدير مكتب الرئيس السوداني وعلاقته بالرياض

وفي المقابل، فإنّ التقارب «الفكري» بين السودان وقطر، يُغضب السعودية التي تهاجم قطر لدعمها لنظام الإخوان المُسلمين، والسودان نظامًا وحكومة يسير وفق دعايا «الحُكم الإسلامي»، حتى وإن كان شكليًا، كما أنَّ أكبر الأحزاب المعارضة للبشير هو حزب «الأمة» الإسلامي الذي يترأسه الصادق المهدي، وهو أحد أكبر الزعماء الإسلاميين الذين عارضوا مشاركة بلاده في حرب اليمن؛ لذلك فالانتخابات الرئاسية القادمة التي ستشهدها الخرطوم بعد ثلاث سنوات من المؤكد أنها ستفرز أحد أبناء التيار الإسلامي – إذا افترضنا خسارة البشير -، ومن الضعيف الحديث عن استمرار التحالف السوداني السعودي لأكثر من ثلاث سنوات.

التحالف لم يصمد.. لكنّ العلاقات مستمرة

وبالرغم من أنّ السودان تقاربت مع الخليج في فترةٍ شعرت فيها بأنّ إيران لن تستطيع أن تخدم أهدافها الاقتصادية؛ فإنّ السعودية في المقابل تتعامل مع الخرطوم وفق المصالح المشتركة، فعاصفة الحزم التي تعتبر نقطة قوة لصالح البشير، وحرص السعودية على عدم صنع عداوات تصبُّ في مصلحة قطر في النهاية، هو ما يجعل العلاقات تستمر، حتى وإن فشل التحالف.

في المقابل، فإنّ البشير مضطرٌّ لأن يقدِّم تنازلاتٍ إضافية قادمة، من أجل توسُّط السعودية لرفع الحظر الاقتصادي عليه نهائيًا، كما أنَّه ليس من مصلحته إبداء الغضب في ظل أزمته الاقتصادية التي يمرُّ بها حاليًا، والتي من المؤكد أنَّها تعيده إلى سنوات الحصار؛ إذا رُفع الدعم.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد