«الباسيج».. قوات تعبئة الفقراء والمستضعفين التي يخشاها الخليج

في شتاء ديسمبر (كانون الأول) عام 1978، وقبل ثلاثة أشهرٍ كاملة من سقوط نظام الشّاه في إيران، كان آية الله الخُميني في فرنسا قادمًا من النجف العراقية التي مكث فيها 13 عامًا يؤسس لنظرية «ولاية الفقيه»، وكان التساؤل حول مصير الاحتجاجات الشعبية التي ضربت نظام الشاه هو أحد أكثر الأسئلة صعوبةً التي لا يملك الخُميني نفسه إجابة عنها؛ نظرًا إلى أنّ أكبر التحديات التي واجهت الثوار «العُزّل» تمثلت في جيش الشاه القوي المدعوم أمريكيًّا؛ لذا فنجاح الثورة ظل مرهونًا في رأس أصحابها إمّا بتحييد العسكريين، وإما اتخاذ القرار بمواجهة جيش في عنفوان قوته، وفي الحالتين، لم يكن أحدٌ يدري وقتها إلى أين تسير العاصفة.

ورغم أنّ العسكر سمحوا لطائرة الخميني بالهبوط في طهران، وهو ما كان إعلانًا بسقوط النظام، فإنّ إفشال الثورة ظل واردًا؛ فمن يضمنُ أنّ الجيش النظامي لن يقوم بانقلابٍ عسكري، ويُعيد النظام السابق المُتغلغل في دولةٍ عميقة، مثلما حدث قبل ثلاثة عقودٍ حين انقلب جيش الشاه على حكومة رئيس الوزراء محمد مُصدق الإصلاحية برعاية أمريكية بريطانية، لكنّ درس التاريخ الذي تلقاه الخميني دفعه سريعًا لتأسيس جيش موازٍ ضم الفقراء والمستضعفين.

هذا التقرير يُسلط الضوء على أهمّ مليشيا عقائدية مسلحة إيرانية، وضعتها واشنطن والخليج على قوائم الإرهاب «الباسيج»، والتي تُعدّ الأكثر تأثيرًا في الحياة السياسية والأمنية والمجتمعية داخل طهران.

«الباسيج».. 20 مليون رجل لحماية الثورة وقائدها الذكي

في اللقاء الأول الذي جمع الخميني بالصحافي المصري محمد حسنين هيكل في باريس، طرح عليه الأخير سؤاله: «إنني أظن أنك بسلاح الدين تستطيع أن تقوم بدور المدفعية بعيدة المدى، وأن تهدم نظام الشاه فوق رؤوس أصحابه.. إنني أسمع دوي مدافعك، ولكني حتى الآن لا أرى أثرًا لمُشاتك؛ تحقيق النصر فى الثورة كما فى الحرب يتحقّق بالمشاة الذين يحتلون المواقع ويتولّون تطهيرها ويتحملون مسؤولية المحافظة عليها». يقول هيكل في كتابه «مدافع آية الله.. قصة إيران والثورة»: «لم يكن للخميني في هذا الوقت إجابة مقنعة على هذا السؤال».

ويبدو أنّ السؤال الصعب سُرعان ما وجد الخميني إجابته حين عاد إلى طهران، فبينما كان اليساريون، والقوميون، والإسلاميون يتنافسون لتحديد مسار الجمهورية الثورية، كان رئيس الوزراء المؤقت، مرتضى مطهري -تمليذ الخميني- يسيطر على الحكومة، والجيش، ووزارة الداخلية، وكافة الوزارات السيادية، أيضًا قادة الثورة أعلنوا بعد أربعة أشهرٍ من سقوط النظام، تأسيس «الحرس الثوري» لتكون مهمته الأولى حماية نظام الجمهورية الإسلامية في الداخل والخارج، ومنع التدخل الأجنبي بالإضافة إلى منع الانقلابات العسكرية، أو الحركات التي تهدد بقاء المرشد الأعلى للثورة، أو التي تستهدف صلاحياته.

أصبحت إيران الجديدة خليطًا بين التيارات الليبرالية والإسلامية، فبينما أصبح الخميني أول مرشد للثورة إرساءً لمبدأ «ولاية الفقيه»، انتُخب أبو الحسن بني صدر الليبرالي أول رئيس للجمهورية الإسلامية، وفي الوقت نفسه عمد رجال الدين إلى إرساء النظام الوليد على مبدأ «الديمقراطية الدينية» فسارعوا لإنشاء الحزب الجمهوري الإسلامي، تزامنًا مع قرار الخُميني بتشكيل مجلس الشورى الثوري، مما دفع التيارات العلمانية إلى إنشاء جبهة يسارية تقف ضد طموح رجال الدين، لكن الخميني كان أسرع من الجميع، فدعا إلى استفتاء عام على الهوية الإسلامية للنظام الجديد، وكانت النتيجة أن 98% من الإيرانيين صوتوا بنعم لنظام جمهوري إسلامي.

ورغم سيطرة الخميني على المشهد سياسيًّا وعسكريًّا، فإنه أراد تأسيس كيان يتغلغل ثقافيًّا واجتماعيًّا في مفاصل المجتمع، ويكون له صلاحيات موازية لكل مؤسسة يُمكن عدها عدوًا مُحتملًا في حال ضعف النظام الوليد، لذا أطلق آية الله استغاثته الشهيرة أواخر عام 1979، بتشكيل جيش من 20 مليون رجل من المتطوعين –الباسيج بالفارسي- لحماية الثورة ونظامها السياسي والديني.

الفكرة التي أطلقها الخميني، بات يُنظر إليها على أنها الأكثر دهاءً على الإطلاق؛ فالنظام الديني الوليد الذي أرسى مبادئ الحُكم على ثمانية مستويات لا يكاد يخلو منها رجال الدين: (المرشد الأعلى، ورئيس إيران، ومجلس خبراء القيادة –الذي ينتخب المُرشد- ومجلس الشورى الإسلامي –البرلمان- ومجلس صيانة الدستور، تشخيص مصلحة النظام، والقضاء، ومجلس الأمن القومي)، وضع في المقابل كيانًا شبه عسكري قوامه عوام الشعب الأقل ثقافةً وتدينًا، وحتى في مستوى المعيشة، ومنح له قوةً رمزية لا يُستهان بها قادرة على توجيه مصير الأحداث.

يقول الباحث الإيراني سعد الله زارعي في مقابلة مع قناة «الجزيرة»: «إذا مال 20 مليونًا من «الباسيج» باتجاه مُرشحٍ مُعين، فبطبيعة الحال ستكون نتيجة الانتخابات معروفةً سلفًا». الأمر نفسه يذكره الأستاذ الجامعي المُعارض سعيد جولكار في كتابه «مجتمع أسير: ميليشيا الباسيج ونظام السيطرة الاجتماعية في إيران»، فإنّ معظم المنتسبين إلى قوات الباسيج هم من أبناء الريف الفقير الذين وجدوا فيها مصدرًا لامتيازات حرموا منها، وأسهل طريقة للحصول على دخل ثابت والانتساب إلى الجامعة بسهولة فائقة، يُضيف في سطورٍ أخرى من الكتاب ذاته: «من بين كل ثلاثة موظفين في الدولة، هناك واحد من أعضاء الباسيج».

يدُ «آية الله» العُظمى.. من أين جاء جنود الباسيج بسطوتهم؟

ولأنّ المذهب الشيعي يستند في الأساس إلى مظلومية آل البيت، واعتبار مقتل الحسين بن علي رمزًا للظلم والغُربة، فإنّ المجتمع الإيراني قبل الثورة كان مُشبعًا بالأفكار الثورية التي بثها آية الله الخميني وعلي شريعتي وأحيت آلام المذهب نفسه؛ فشريعتي مكث سنوات يؤسس في كتابة «الإنسان والإسلام» لفكرة أنّ «الدين والثورة ما هما إلا لفظة واحدة، وأنّ جميع الأديان كانت في بدايتها تمردًا وعصيانًا على القوى الحاكمة، وهي تأتي لإنقاذ الناس من السلطة والعبودية»، لذا حين انتصرت الثورة الإسلامية، رفع الخميني شعاره الذكي: «ثورتنا جاءت نصرة للمظلوم وإطاحة للظالم».

الخميني بعيون المثقفين.. كيف وصف ميشيل فوكو وآخرون زعيم الثورة الإسلامية؟

واستفادةً من إحياء الشعور بالمظلومية والتغريب التي أشعلته الثورة؛ استقطب آية الله كل الفقراء والضعفاء والمستضعفين، المُحملين بشعور الهزيمة الدينية والدنيوية، وكوّن منهم جيشًا من المتطوعين ممن هم دون الـ45 وفوق الـ18، لكنه حرّم على هذا الكيان المشاركة السياسية، وفقًا للدستور الإيراني، وبدلًا من ذلك أصبح الباسيجيون الذين تجمعهم فكرة واحدة يدينون بالولاء المطلق لقائد الثورة، الذي هو في الأساس نائب الإمام الغائب الذي يستند إليه المذهب الإثنا عشري.

وطبقًا للمادة 151 من الدستور الإيراني، فالحكومة أصبحت مُلزمة بعد تأسيس «الباسيج» بتوفير برنامج للتدريب العسكري مع جميع التسهيلات اللازمة، لجميع مواطنيها وفقًا للمعايير الإسلامية، ويتولى المرشد فقط مسؤولية اختيار قائدها وتعيينه، والمسؤولين عن الميلشيات التابعة لها، وذلك عبر ترشيحات يقدمها قائد الحرس الثوري، وتتكون قوات «الباسيج» في الأساس من جناحين رئيسيين؛ «كتائب الزهراء»، وتضم المتطوعات الإناث، و«كتائب عاشوراء» والتي تضمّ المتطوعين الذكور.

انخرط الباسيجيون منذ اعتراف البرلمان بهم عام 1981 في مساعدة الحرس الثوري لتأمين القانون والنظام، كما شاركت الوحدات العسكرية ضد الانفصاليين البلوشيين، والأكراد والتركمان، على أطراف الدولة، أمّا في قلب العاصمة، فبرز «الباسيج» أداة تأثير ثقافية واجتماعية وأمنية، توغلت جذروها في الشوارع والأحياء للحفاظ على النظام السياسي.

وخلال حرب الخليج الأولى (180- 1988)، ظهر جليًّا مدى خطورة الأيديولوجية الفكرية التي يتبناها «الباسيج»؛ فالمتطوعون الشيعة –بلغ تعدادهم مليوني شخص- الذين جاءوا من خلفيات فقيرة وريفية، اجتاحوا الأراضي العراقية لدعم قوات «الحرس الثوري»، لكن استراتيجيتهم العسكرية الهجومية قامت بالأساس على الاندفاع في موجات بشرية لتطهير حقول الألغام أو مواجهة نيران العدو بصدورٍ عارية، يقول أحد أفراد الباسيج المُشاركين في الحرب لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»: «كُنّا مجرد أطفال صغار يحملون الكلاشينكوف والقنابل اليدوية – والتي لم نجرؤ على استخدامها في البداية؛ لأن الكثير منا كانوا خائفين من إلقائهم، لكن العهد الذي أعطيناه للإمام الخميني كان قويًّا لدرجة أنه غطى كل شيء».

وبعد انتهاء الحرب التي خلّفت وراءها  نحو مليون قتيل، وأكثر من مليار دولار خسائر، أصبحت قوات الباسيج أكثر سطوةً ونفوذًا داخل المُجتمع بعد مشاركتها في إعادة الإعمار، فالبرلمان الإيراني في عهد الرئيس الإصلاحي هاشمي رفسنجاني سنّ قانونًا عام 1991، منح بموجبه تلك القوات بتلقي رواتب ثابتة، تخصصها ميزانية الدولة الإيرانية، وبعدها بعامٍ حصل أعضاء الباسيج على سُلطة «الشُرطة الأخلاقية» لكبح السلوك المنافي للنظام الإسلامي، ولقمع التجمعات السياسية المعارضة له، وأشهرها انتفاضة الطلبة عام 1999.

ومنذ انتخاب الرئيس الأصولي أحمدي نجاد القادم من «الحرس الثوري» عام 2005، سمح  المرشد الثاني للثورة آية الله خامنئي لقوات الباسيج بالتدخل المباشر في السياسة عبر قمع التظاهرات بالقوة، وبعد ثلاث سنوات دُمجت تلك القوات في الهيكل الإقليمي للحرس الثوري؛ فصار كل منهما مقسمًا إلى 31 وحدة، بمعدل وحدة واحدة لكل محافظة إيرانية ووحدتين لمنطقة طهران؛ لكنها في الفترة الثانية من ولاية «نجاد» أصبحت أداة قمعٍ في الداخل، وذراع النظام في الخارج.

جيش خامنئي.. حين زحف الباسيج صوب 4 دول عربية!

حين وصل خامنئي إلى أعلى منصب في إيران عام 1989، قاد تيار الصقور في النظام القديم من رجال الدين حملة بدأت بإسقاط شرط أن يحمل المرشد الأعلى لقب «آية الله العظمى»، لذا لجأ الزعيم الجديد إلى الباسيج -ميليشيا الشعب- للسيطرة على الشوارع، كما عقد صفقة مع «الحرس الثوري» -الجيش الموازي- تقتضي بحماية القيادة العليا، مقابل منح كل من الباسيج والحرس غطاءً سياسيًّا، بالإضافة للحصول على أموال من الميزانية، والمساهمة في الاقتصاد الإيراني، والسماح لهم بإنشاء فرع استخباراتي منفصل وقوي لمنافسة وزارة الاستخبارات.

«ف. بوليسي»: «استعدوا لأحداث كبرى».. ما مصير الحرس الثوري الإيراني بعد خامنئي؟

الفكرة القديمة التي أسسها الخميني، والمعاهدة الاستثنائية التي عقدها خامنئي مع جناحي السُلطة، صنعت حائط صدّ للنظام الإسلامي ضد أكبر موجتين احتجاجيتين في تاريخ إيران؛ بداية من انتفاضة الطلاب عام 1999 ضد خامنئي، ودفاعهم عن الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، نهايةً بـ«الانتفاضة الخضراء» عام 2009 حشدت ملايين الأصوات الغاضبة اعتراضًا على شُبهة تزوير الانتخابات الرئاسية، التي منحت الرئيس أحمدي نجاد ولاية ثانية، وكانت قوات الباسيج في تلك الفترة هي البندقية التي أنقذت خامنئي والتيار الأصولي بأكمله.

الجدار الذي بناه الخميني حول نظامه، سُرعان ما انتقل للعمل في عدة دول عربية لحماية المصالح الإيرانية؛ فعقب اندلاع الثورة السورية في مارس (آذار) عام 2011، أرسلت طهران رسميًا كتائب شبه عسكرية من قوات الباسيج إلى جانب «حزب الله» اللبناني تحت شعار حماية «المدافعون عن الموقع المُقدّس» في إشارة إلى مدفن زينب بنت علي بن أبي طالب التي شهدت مقتل أخيها الحسين في معركة كربلاء، وقطع رأسه، قبل أن تُرسل مع الأسرى إلى الشام، حيث ماتت هناك؛ وسبق لإيران أن أسست قبل ثلاثة أعوام «قوات الباسيج» السورية من الطائفة العلوية التي ينتسب إليها الرئيس السوري.

وحين ظهر «تنظيم الدولة الإسلامية» كقوة كبرى في العراق مطلع يوليو (تموز) عام 2013، زادت وتيرة المُقاتلين بوتيرة كبيرة، الأمر الذي جعل التنظيم يُعلن من مدينة الموصل –شمال العراق- عاصمة الدولة، نظرًا لأنها جغرافيًا تعتبر ثاني أكبر مدينة عراقية، وتحتوي على أكثر من مليون ونصف نسمة، معظمهم من السُنة، وهو ما عُد تهديدًا لإيران التي أعدت المعارضة الشيعية للحكم عقب سقوط نظام صدام حسن عام 2003، لذا تدخلت قوات الباسيج لحماية المصالح الإيرانية في العراق، تحت ذريعة «حماية الأماكن المقدسة».

وبعدما أطلق المرجع الشيعي في العراق آية الله السيستاني فتوى «الجهاد الكفائي»، تشكّل الحشد الشعبي من 67 ميليشيا كان نصيب خامنئي منها نحو 44 ميليشا، بينما كان السيستاني المُعارض لنظام ولاية الفقيه في إيران يسيطر على 17 فرقة.

وشاركت قوات الباسيج المنضوية تحت «الحرس الثوري» في مهمات استشارية لدى الجيش العراقي، وخاضت معه معارك متعددة ضد «تنظيم الدولة الإسلامية»، والتي قـُتل فيها القائد السابق لـ «كتائب عاشوراء» علي رضا بابايي.

وعلى خلفية تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وتقديم وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو قائمة شروط مكونة من 12 مطلبًا لرفع العقوبات، صرّح قائد قوات «الباسيج» غلام رضا سليماني، بأن قواته ما عادت محدودة جغرافيًّا بإيران، وأنها باتت واضحة اليوم في سوريا، والعراق، وسواحل المتوسط (لبنان) وجنوب شرقي شبه جزيرة الحجاز (اليمن).

ورغم أنّ الباسيج أصبحت إحدى روافد الحرس الثوري، فإنها لا تتلقى أوامرها إلا من خامنئي شخصيًّا، وبحسب التقديرات الرسمية، فإنّ عدد المؤمنين بفكر الباسيج الحامي للثورة يبلغ نحو 23 مليونًا، وهو ما يُمثّل ربع عدد السكان؛ وفي خُطوةٍ لافتة صنفت الدول السبع الأعضاء في مركز «استهداف تمويل الإرهاب» المكون من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والولايات المتحدة الأميركية قوات الباسيج على قوائم الإرهاب، لتسبق بذلك الحرس الثوري نفسه.

إيرانالباسيجالثورة الإسلاميةالحرس الثوريالخمينيالنظامالولايات المتحدةخامنئيطهرانقوات الباسيج

المصادر