في عام 1918، وتزامنًا مع الحرب العالمية الثانية، شهدت المغرب معركة من نوع خاص مع المستعمر الفرنسي، عرفت بمعركة البطحاء. تلك المعركة التي اندلعت في إقليم تافيلالت جنوب شرق البلاد، وقادها مقاوم مغربي من أصل يهودي، وانتهت بانتصار المقاومة المغربية، بل ومقتل القائد الفرنسي بطريقة يمكن تلخيصها بعبارة «الحرب خدعة».

«لوستري».. قائد فرنسي في تافيلالت يتقن العربية ويحفظ القرآن!

حكم إقليم تافيلالت قائد فرنسي مُستعرب يُدعى لوستري، ومع ملامحه الغربية الفرنسية، بعينيه الزرقاوين وبشرته الشقراء، إلا أن لوستري منذ نشأته ترّبى في المغرب ليكون جاسوسًا فرنسيًا على أهلها. ومن مدخل الدين حاول الدخول إلى قلوب المغاربة، فظهر لوستري مسلمًا محافظًا يتقن اللغة العربية، ويواظب على الصلاة، بل ويحفظ أجزاء من القرآن الكريم بشكل جعله يشغل إمامة الناس في الصلاة، ويلقي الخطب والعظات ودروس العلم الشرعي للأبناء.

ويحكي الفقيه المختار السوسي بأن لوستري ظهر بمظهر: «ابن البلد الذي يعرف مداخلها ولا يخفى عنه خافية فيها. وهكذا عرف البلاد وطرقها ومداخلها ومخارجها وعاداتها، فما كاد الجيش الفرنسي يقبل إليها لاحتلالها حتى تعين رئيسًا عليه، فاحتل البلاد بسرعة، ثم صار يدير الأمر إدارة من لا يفزع له بالعصا».

ولذلك كانت مؤهلات لوستري وقدراته، جديرة لنيل ثقة الاستعمار الفرنسي، ليكون حاكمًا فرنسيًا على إقليم تافيلالت. وقد كان لوستري جبارًا وطاغية يحكم الإقليم بالحديد والنار، ووصل جبروته إلى حرق الناس أحياء، وكان لوستري يوظف تمكنه من اللغة العربية وعلمه بالدين الإسلامي وعلومه الشرعية وإلمامه بمداخل الناس، لضبط حركاتهم وسكناتهم، وكبح جماح تمردهم المحتمل ضده، لكنه لم يعلم أن التمرد والمقاومة المغربية ستأتي من يهودي الأصل.

معركة الكرامة.. حين هزم العرب أعتى آلات الحرب الإسرائيلية بـ«الأسلحة البيضاء»

مبارك التوزونيني.. المناضل الذي قاد المقاومة ضد الاستعمار في تافيلالت

كلما ارتفعت وتيرة قمع المستعمر وطغيانه، زاد الغضب المغربي منه، فالشعب المغربي يغلي وينتظر فقط شرارة اشتعال المقاومة المغربية ضد المستعمر الفرنسي في تافيلالت. وهي شرارة أطلقها المقاوم المغربي مبارك بن الحسن التوزونيني، ويعود الأصل اليهودي له إلى جده الذي كان يهوديًا وأسلم.

وقاد التوزونيني المقاومة المغربية في تافيلالت في الفترة من عام 1912 حتى 1919، ورفع شعار الجهاد وإحياء الدين واعتمد على أسلوب الوعظ والإرشاد لجذب المغاربة حوله، وقد وجدت حركته صداها في قلوب المغاربة الغاضبين من الاستعمار الفرنسي، ليلتفوا حول التوزونيني وتزداد حركته المقاومة قوة.

مبارك التوزونيني (المصدر: زمان)

ونظرًا لابتعاد تافيلالت جغرافيًا عن مركز الحكم، اعتمدت المقاومة المغربية على أبناء القبائل المحلية هُناك، بعيدًا عن المخزن (أي النخبة الحاكمة في المغرب)، ولذلك كانت أسلحتهم بسيطة، تتشكل معظمها من أسلحة بيضاء وفئوس وهراوات، ولكن حَمِيتهم كانت قوية في صد الاستعمار ومقاومته، خلال معركة البطحاء.

ويحكي المختار السوسي في كتابه «المعسول» عن طبيعة البادية في تلك الفترة ويقول: «إن البوادي رغم ما عرفته من تفشي الأمية في تلك الآونة كان أهلها أقرب إلى التدين، وأكثر نفورًا من مخالطة الأجنبي وأكثر رفضًا لأساليب المستعمرين في العيش، وأكثر استهجانًا لسلوكهم. ولعل ذلك ما يفسر انخراط أبناء القبائل في الأطلس والريف والصحراء عن بكرة أبيهم في حروب المقاومة، يضاف إلى كل ذلك أن وعورة تضاريس البوادي التي تأججت فيها شرارة المقاومة، جعلتها عصية على الاختراق بخلاف المدن التي مكنت بنيتها العمرانية من حصارها وإلحاق أذى عظيم بساكنتها بأيسر الطرق».

اغتيال لوستري يُشعل معركة البطحاء

من أعلى لأسفل فكّر التوزونيني في توجيه ضرباته القاسمة للاستعمار الفرنسي، فاستهدف القائد الفرنسي لوستري وأعد خطة محكمة لاغتياله، لعل باغتياله تتحرك المياه الراكدة، ويتشجع المغاربة أكثر في المقاومة وكسر حاجز الخوف، وينهزم الفرنسيون هزيمة اعتبارية ومعنوية كبيرة، تمهد لهزيمة عسكرية.

سطوة لوستري واتقاء المغاربة طغيانه، أبعد عن خياله فكرة اغتياله، لدرجة أن الدخول إلى مكتب لوستري كان سهلًا، فالقائد الفرنسي لا يخشى الناس، ويترك مكتبه مفتوح وبإجراءت أمنية مخففة، وهي نقطة استغلها التوزونيني في خطة اغتياله، فابتعث رسولًا للوستري يُشيد به، ويُبلغه باستسلام القبائل المغربية في تافيلالت، وبينما يستمتع لوستري بقراءة الرسالة، باغته الرسول بطنعات متوالية من خنجره، أردت القائد الفرنسي قتيلًا، بنحو 18 طعنة.

وتلقى الفرنسيون خبر مقتل لوستري بالصدمة من هذه الخسارة الفرنسية التي تكبدها الاستعمار نتيجة مقتل لوستري، وقال الفرنسيون في تأبينه إن قتله يُعادل قتل ثُلث االفرنسيين. على الجانب الآخر؛ زادت الحماسة لدى المغاربة لمقاومة المستعمر الفرنسي بعد مقتل لوستري، وهي حماسة وظفها التوزونيني لحشد المغاربة وتنظيمهم لاقتحام مركز الاستعمار الفرنسي في تافيلالت بغرض طرد الفرنسيين من الإقليم.

بالفئوس والخناجر.. هكذا انتصرت المقاومة في تافيلالت

بالفعل عيّن التوزونيني بلقاسم النكادي قائدًا لمعركة البطحاء، وتوجه النكادي مع نحو 300 مقاوم معظمهم مُسلحين بأسلحة بسطية، إلى مركز الاحتلال الفرنسي، وعندما تسربّت أخبار قدومهم، استعد الفرنسيون للقائهم، واستقبل جنود الاستعمار المقاومين بالقنابل والبنادق، والأسلحة الأكثر تطورًا، فتشتت جمع المقاومين واستولى المستعمرون على ممتلكاتهم في انتصار أولي أعقبه حملة فرنسية إلى البطحاء، ولكن المقاومة لم تستسلم وباغتت المستعمر بهجماتها من جديد، وهي هجمات استمرت حتى انتصرت المقاومة المغربية على الاستعمار الفرنسي في إقليم تافيلالت.

ويحكي المختار السوسي عن الهجوم المضاد للمقاومة المغربية، في كتابه «المعسول» فيقول: «إذا بالمنهزمين كروا على الجيش الفرنسي.. فتزعزع حتى تفرق إلى قسمين: قسم مع الرئيس وقسم آخر تشتت بين السواقي والبساتين، فيضع الناس عليهم أيديهم يسلبون وينهبون ويقتلون وقد وقع بعض الجيش في بعض خطأ، فكم بغال وأثقال وأثاث وعدة حرب استولى عليها (المقاومون)، فكان نصرًا مبينًا».

تافيلالتإقليم تافيلالت

ساعد أيضًا على انتصار المقاومة المغربية الظروف المناخية التي شهدتها المعركة، فالرياح كانت هوجاء والغبار كان شديدًا يملأ الأفق لدرجة تصعب من أن يفتح الإنسان عينه، وهي أجواء مع صعوبتها كانت مألوفة لأهل البلد المحليين ونقطة قوة لهم، على الفرنسيين الذين اختلت صفوفهم لدرجة وقوع بعضهم في سواقي عميقة ليهاجمهم المقاومون ويقتلونهم، ويتمكنوا من تحقيق النصر وحصد الكثير من الغنائم، التي تتضمن البغال والأسلحة والذخائر، ليحصل كل مقاوم على ثلاث أو أربع بنادق من الاستعمار الفرنسي الذي خرج مطرودًا من إقليم تافيلالت، واستعصى عليه إعادة احتلاله لسنوات طويلة، بل وظلت وزارة الحربية الفرنسية تتخوف من احتلاله لأكثر من عقد من الزمان!

وبعد الانتصار في البطحاء، تفيد مصادر تاريخية بأن التوزونيني عندما حكم تافيلات لم يكن حكمه مثاليًا وأجار على المغاربة أحيانًا وبالأخص ما ذُكر في كتاب «نعت الغطريس الفسيس» لمؤلفه للمهدي الناصري، والذي يحكي عن مقاومة الاستعمار بمنطقتي تافيلالت وتدغى، وتفنن فيه الناصري في مهاجمة التوزونيني الذي قُتل عام 1919، على يد مساعده النكادي، إثر خلاف دبّ بينهما، لتتم مبايعة النكادي الذي قاد حملة المقاومة ضد المستعمر حتى عام 1930.

«تورغوت باشا».. الأمير العثماني الذي حرر ليبيا من سطوة فرسان مالطا

المصادر

تحميل المزيد