قبل استسلام النازيين وانتهاء الحرب العالمية الثانية في أوروبا بثلاثة أيام، وتحديدًا في 5 مايو (أيار) 1945، وقعت واحدة من أغرب المعارك، حين قاتلت القوات الأمريكية والألمانية جنبًا إلى جنب لتحرير أسرى الحرب الفرنسيين البارزين الذين احتجزتهم قوات الأمن الخاصة النازية «فافن إس إس» في معتقل «قلعة لاتر» في تيرول بالنمسا، فما قصة هذه المعركة؟

قلعة خاصة حولها النازيون إلى سجن للسياسيين البارزين

بنى البفاريون (مجموعة عرقية في ألمانيا) قلعة لاتر في القرن التاسع الميلادي في جبال الألب النمساوية على تل قريب من قرية لاتر، وكانت في بادئ الأمر مسكنًا خاصًّا. ثم أُعيد بناء القلعة عام 1532، وحولها مالكها إلى فندق في أوائل القرن العشرين.

قلعة لاتر بالنمسا

قلعة لاتر بالنمسا. المصدر: ويكيميديا

في عام 1940، ضمت ألمانيا النمسا لتصبح تابعة للرايخ الثالث، وفي أواخر العام، استأجرت الحكومة الألمانية القلعة من مالكها، فرانز غرونر. في فبراير (شباط) عام 1943، استولى الفريق «إس إس أسوالد بول»، بأمر من هاينريش هيملر قائد فرقة القوات الخاصة الألمانية النازية، على القلعة وحولوها إلى سجن خاضع للسيطرة الإدارية لمعتقل داخاو النازي، وخُصصت لاحتجاز كبار الشخصيات والسياسيين الفرنسيين، وتحت حراسة قوات الأمن الخاصة «فافن إس إس».

اثنان من رؤساء وزراء فرنسا ضمن أبرز سجناء القلعة

شهدت القلعة في أواخر عهدها باعتبارها معتقلًا نازيًّا للسياسيين؛ على وجود نخبة من المسؤولين الحكوميين الفرنسيين رفيعي المستوى بينهم رئيس الوزراء الفرنسي إدوار دلادييه الذي وقع اتفاقية ميونخ مع النازيين وتنازل لهم عن إقليم السوديت غرب التشيك، ورئيس الوزراء الفرنسي بول رينو الذي رفض الانضمام إلى الهدنة مع ألمانيا فاستقال من منصبه واعتقل بعدها بقليل.

رئيسا وزراء فرنسا إدوارد دلادييه وبول رينييه

رئيسا وزراء فرنسا إدوارد دلادييه وبول رينييه

كان من بين السجناء الجنرال السابق (القائد العام للجيش الفرنسي عام 1940)، وكان من أبرز القادة الذين أعلنوا الهدنة مع النازيين، وقُبض عليه عام 1942. أيضًا كان الزعيم النقابي ليون جوو الذي حصل على جائزة نوبل للسلام عام 1951، من بين المحتجزين في معتقل قلعة لاتر، وجان روبرت بوروترا، لاعب التنس الذي شغل منصب وزير الرياضة في حكومة فيشي قبل أن يتعارض مع النظام.

لم يكن معتقل قلعة لاتر مخصصًا للرجال فقط، فقد احتُجز فيه العديد من النساء منهن ماري أغنيس كايليو الأخت الكبرى للجنرال شارل ديجول، وإحدى أقارب الجنرال هنري جيرو بسبب صلات أسرهم بأعداء النازية.

أقام السجناء في غرف القلعة، وكانوا أحرارًا في المشي داخل القلعة، إلا أنهم وُضعوا تحت حراسة مشددة من قبل قوات من وحدة «الجماجم» التابعة لقوات الأمن الخاصة النازية «فافن إس إس» التابعة للجيش الألماني النازي.

انتحار هتلر وبداية نهاية معتقل قلعة لاتر

بعد انتحار هتلر في 30 أبريل (نيسان) 1945، خاف السجناء على حياتهم، وأدركوا أن الحرب قد أشرفت على الانتهاء. ولم يمر سوى يومين حتى شهدت قلعة لاتر انتحار قائد معتقل داخاو الذي كان قد لجأ للقلعة عقب هروبه من معسكر داخاو أثناء تحرير القوات الأمريكية له.

في يوم 3 مايو (أيار)، تمكن السجناء من إرسال عضو المقاومة الشيوعية اليوغوسلافي، زفونيمير كوكوفيتش، حاملًا معه رسالة باللغة الإنجليزية للحصول على مساعدة من قوات الحلفاء بحجة أداء مهمة لقائد السجن سيبستيان فيمر.

تاريخ

منذ سنة واحدة
معركة الثغرة.. رقصة هتلر الأخيرة التي كادت تقلب مسار الحرب العالمية

في المساء، كان كوكوفيتش قد وصل إلى ضواحي مدينة إنسبروك النمساوية على بعد 64 كيلومترًا تقريبًا، ولم يجرؤ على الذهاب إلى بلدة فارغل القريبة لأنها كانت تحت القيادة الألمانية. تمكن كوكوفيتش من التواصل مع فوج المشاة 409 التابع لفرقة المشاة 103 الأمريكية في الفيلق السادس الأمريكي في إنسبروك، ورغم أن القلعة تقع خارج الولاية العسكرية للفرقة، فقد أرسل الرائد جون ت. كرامرز قائد الفرقة، قوة إنقاذ صغيرة إلى القلعة.

في فجر اليوم التالي، توجهت فرقة الإنقاذ إلى القلعة، لكنها اضطرت للتوقف عند مواجهة قصف عنيف بعد جينباخ (بلدية فاصلة بين إنسبروك ولاتر). في تلك الأثناء تقريبًا، لم يقو قائد السجن سيبستيان فيمر والحراس (عدا حارس منشق عن قوات الأمن الخاصة وهو كورت زيغفريد شرادر) على الصمود، فتخلوا عن مواقعهم ليبقى سجن قلعة لاتر بلا حراس. لكن، لم يجرؤ المساجين على الفرار ونيل حرياتهم، فلا يزال الألمان النازيون في الجوار، فتولى السجناء مسؤولية أنفسهم تحت قيادة الحارس المنشق زيغفريد شرادر، وحملوا الأسلحة التي خلفها الحراس، وتأهبوا للدفاع عن القلعة ضد أي هجوم.

السجناء يغامرون بإرسال طلب إغاثة مرة ثانية

مرّ الليل، وكان السجناء لا يزالون في قلعة لاتر يجهلون مصير كوكوفيتش، فأرسلوا مبعوثًا ثانيًا، وهو السجين التشيكي، أندرياس كروبوت لمحاولة طلب الإغاثة من مدينة فارغل أقرب مدينة لهم. كان من حسن حظ كروبوت أن قوات الفيرماخت الألمانية قد تركت المدينة لتوها، فتمكن من الاتصال بالمقاومة النمساوية.

التقى كروبوت بالرائد سيب جانجل، ضابط من الجيش الألماني انحاز للمقاومة النمساوية بعد ترك النازية. لقلة عدد الجنود، قرر جانجل التواصل مع الأمريكيين لطلب المساعدة، وتمكن من الوصول إلى قرية كوفشتاين النمساوية، وعثر على كتيبة دبابات شيرمان تابعة للفرقة 12 مدرعات أمريكية، وأجرى اتصالات مع قائدهم النقيب جاك سي لي، وبدأ الضابطان في التخطيط لعملية الإنقاذ.

أجرى الضابطان مهمة استطلاعية زارا خلالها القلعة خلسة، وحينها قرر القائد جاك سي لي أن يقود المهمة، وأحضر معه دبابات شيرمان للدفاع عن القلعة، لكن تسببت البنية التحتية السيئة على طول الطريق، في تمكن دبابة واحدة فقط من عبور أحد الجسور المتهالكة الموجودة على الطريق المؤدية إلى القلعة.

الرائد سيب جانجل والنقيب جاك سي لي

الرائد سيب جانجل والنقيب جاك سي لي

انطلق جانجل برفقة 14 جنديًّا أمريكيًّا، وشاحنة تقل 10 من رجال المدفعية الألمانية المنضمين للمقاومة، وتمكنوا جميعهم من هزيمة قوات نازية كانت تحاول إقامة حصار على الطريق على بعد حوالي 6.4 كيلومترات من القلعة. توجه الجميع نحو القلعة، ومعهم دبابة شيرمان أوقفوها بالقرب من المدخل، وأصبح القائد لي ومعه الجنود الأمريكيون، والقائد جانجل برفقة الجنود الألمان المنشقين عن النازية يدًا بيد للدفاع عن السجناء الفرنسيين في قلعة لاتر.

السجناء يشاركون في تحرير أنفسهم

بعد وصول قوات المساعدة إلى القلعة، شعر السجناء بخيبة أمل كبيرة لأن القوات تتكون فقط من حوالي 30 جنديًّا أمريكيًّا وألمانيًّا ودبابة شيرمان واحدة. أصدر القائد لي تعليماته للسجناء بالبقاء في أمان داخل القلعة بعيدًا عن مسرح المعركة، إلا أن الكثيرين منهم رفضوا الانصياع للأوامر، وفضلوا الانضمام إلى القتال إلى جانب القوات الألمانية والأمريكية.

بحلول ليلة 4 مايو، تعرضت قلعة لاتر لإطلاق النار من 200 من رجال «الفرقة 17 بانزر غرينادير» التابعة لقوات الأمن الخاصة «فافن إس إس» التي جاءت لتقييم الوضع وتحديد نقاط ضعف القلعة تمهيدًا للاستيلاء عليها. تمكنت تلك القوات النازية من تدمير دبابة القائد لي بمدفع مضاد للدبابات 88 ملم.

في تلك الأثناء، كانت قوة إغاثة المشاة 142 التابعة للقوات الأمريكية التي استدعاها كوكوفيتش قد بدأت في التوجه إلى القلعة، لكنها كانت لا تزال بعيدة بعض الشيء.

المعركة الفاصلة.. تحرير السجناء وموت جانجل

في صباح 5 مايو 1945، تمكن جانجل من الاتصال بالمقاومة النمساوية، وحصل منهم على دعم قليل (جنديان ألمان، وجندي نمساوي). بعد وصول الجنود الثلاثة بقليل، شنت قوات «فافن إس إس» هجومًا جديدًا على القلعة.

تمكن مهاجمو «فافن إس إس» من إلحاق الأضرار بجدران القلعة، كما أطلقوا النار على القائد جانجل وأردوه قتيلًا. خلال المعركة، تخلى أحد جنود الألمان عن منصبه، إلا أن هذا لم يثبط عزيمة المقاتلين.

سياسة

منذ 3 سنوات
معركة ستالينجراد.. عندما تحطمت مطرقة الألمان على الصخرة الروسية

من أجل الانضمام إلى صفوف القوات خارج القلعة، قفز لاعب التنس جان بوروترا الذي كان بين المساجين، على الجدار وركض في متاهة بين جنود العدو حتى وصل إلى القوات، وارتدى زيًّا رسميًّا، وانضم إلى قوة المقاومة وهي تشق طريقها نحو السجن قبل نفاد ذخيرة المدافعين.

عندما أوشكت ذخيرة المدافعين عن القلعة على النفاد، وصل فوج المشاة 142 من القوات الأمريكية التي استدعاها كوكوفيتش حوالي الرابعة مساءً. بعد مرور 12 ساعة من بدء القتال، تمكنت القوات الألمانية والأمريكية جنبًا إلى جنب من هزيمة قوات «فافن إس إس» وإجبارهم على الانسحاب، ثم تحرير سجناء قلعة لاتر، وحصل القائد لي في النهاية على وسام صليب الخدمة المتميزة لبطولته، وانسدل الستار على آخر معركة دارت في المسرح الأوروبي خلال الحرب العالمية الثانية.

وجدير بالذكر أن ملكية القلعة حاليًّا انتقلت إلى مالك خاص، وليست مفتوحة للجمهور، لكنها تقف في موقع خلاب في منطقة تيرول بالنمسا بوصفها نصبًا تذكاريًّا لأغرب تحالف في الحرب العالمية الثانية، بين الأمريكان والألمان!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد