عاد متظاهرو لبنان من جديد للشوارع مرة ثانية بعد هدوء دام لأيام، متمسكين بمطالبهم، في مواجهات جديدة مع قوات الأمن كان العنف عنوانًا رئيسًا لها، وكان من أبرز مظاهرها اقتحام منازل رموز أنظمة الحُكم السابقة، أو محاولة اقتحام المصارف اللبنانية وتحطيم واجهات المتاجر في شوارع وسط المدينة الأنيقة بالأخص شارع الحمرا الشهير؛ تلك الشوارع التي أعاد بناءها الرئيس الراحل رفيق الحريري عقب الحرب الأهلية اللبنانية.

احتكام السلطة في حلولها المخطط لها لنفس الوجوه القديمة في المناصب الحكومية دون تغيير جذري في السياسات الحاكمة للمؤسسات اللبنانية، وهيكلة كاملة للاقتصاد، أعاد المحتجين للميادين من جديد، عبر رفع راية العصيان، متحدين عنف قوات الأمن بعنف مقابل، كانت أبرز مظاهره اقتحام المصارف اللبنانية، ووقوع بعض أعمال العنف داخل شارع الحمرا السياحي. للعنف الذي دخلت فيه الاحتجاجات اللبنانية مسبّبات، وسياسات تعزّزه لا تجوز قراءته بمعزل عنها، وهو ما يحاول التقرير فهم دوافعه، وبحث آثار مقتل قاسم سليماني، جنرال إيران البارز، صاحب العلاقات الوثيقة مع «حزب الله»، على المتغيرات في الحراك الدائر.

عربي

منذ 3 شهور
عائلات تترأس السلطة وتتهرب من الضرائب.. من الذين انتفض ضدهم الشعب اللبناني؟
2751
فريق العمل

«تقليص رواتب وتشديد القيود على السحب».. فتش عن الاقتصاد

كان التحول الأبرز في موجة الاحتجاجات الثانية التي شهدتها بيروت على مدار الأيام الماضية هو الاستخدام المفرط لقوات الأمن اللبنانية لقنابل الغاز مسيل الدموع والرصاص المطاطي من مسافات متباينة، خلال الأيام الماضية، ليؤدي إلى وقوع إصابات مباشرة في الرأس والوجه، وإصابات أخرى أدت إلى بتر أطراف، وفقدان النظر، وارتجاج وكسر في الجمجمة.

وخلافًا للمواجهات السابقة بين قوات الأمن والمتظاهرين، منذ انطلاق الانتفاضة اللبنانية في أكتوبر (تشرين الأول)، فالمواجهة هذه المرة هي الأعنف، خصوصًا بعدما كشفت شهادات لمئات المصابين والمحتجين تعرضهم «لمعاملة وحشية بعد إلقاء القبض عليهم وتوجيه العبارات المسيئة والمهينة لهم وتهديدهم بالعنف الجسدي والجنسي»، بحسبهم.

لكن «لماذا عاد المتظاهرون من جديد إلى شوارع لبنان؟»، يُجيب عن ذلك وسام جاد، وهو عضو بـ«الحزب الشيوعي اللبناني»، وباحث اقتصادي، في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست» بأن السبب الرئيس وراء تجدد التظاهرات بالشكل الذي شاهده الجميع هو تفاقم أزمة المصارف وتشديد القيود على سحب المدخرات وحتى الرواتب، بحيث وضعت بعض المصارف حدًا أقصى للسحب بقيمة 100 دولار أسبوعيًا، وبعضها 200 دولار؛ مما أدى الى عجز لدى أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة عن سداد رواتب موظفيهم؛ وبالتالي إغلاق هذه المؤسسات، أو تقليص عدد الموظفين.

ويُضيف جاد أن بعض المصارف لجأت الى تقليص رواتب الموظفين بنسبة 20% على الأقل، فضلًا عن التلكؤ في تشكيل الحكومة الجديدة، وقد أدت الأنباء عن أنّ ما يعرقل تلك الحكومة هو مقعدان وزاريان لقوى سياسية تقليدية إلى تفاقم غضب المتظاهرين، اذ بدا المشهد مهينًا للتحركات الشعبية المستمرة (بتفاوت) منذ ثلاثة أشهر، وكأن شيئًا لم يحدث.

بعد آخر يضيفه جاد لما أسماه «الموجة الثانية» من الاحتجاجات يتصل بطبيعة الأسماء التي تم تداولها لتكون ضمن الحكومة الجديدة بحيث تبيّن أنّ بعضهم مستشارون للوزراء الحاليين، من جانبه، يقول ربيع بركات، الصحافي والأكاديمي اللبناني، أن الحركة الاحتجاجية لم تتوقف، لكن بما أنها ممتدة زمنيًا، فطبيعي أن تخبو أحيانًا وتستعيد زخمها أحيانًا أخرى، خصوصًا أن المحرّك الرئيس لها هو الانهيار الاقتصادي الذي ينتظر أن يستمر، وأن تظهر تبعاته المعيشية تباعًا كلّما تقدّمنا في الزمن، ومن ثم زادت القابلية لوقوع أعمال عنف وفوضى.

ويُضيف بركات، الذي يعمل مدرسًا للإعلام في الجامعة الأمريكية بلبنان في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست» أن الحلول باتت صعبة، قائلًا: «في انهيار هيستمر، اللي ممكن يتعمل هو التخفيف من تبعاته وتوزيع أعبائه على الأكثر ملاءة (ماليًا) والابتداء في إنجاز تحول في طبيعة النظام الاقتصادي والسياسي»، ويتابع بركات أن الشيء الوحيد الذي تستطيع القيام به أي حكومة هو  التخفف من حدة الانهيار، وليس منعه، مؤكدًا أن الحاصل في لبنان يشبه بعض الشيء ما وقع في الأرجنتين مطلع الألفية، مع وجود اختلافات كثيرة نتيجة خصوصية كل حالة.

الربيع العربي

منذ 3 شهور
الجنوب اللبناني الذي لا نعرفه.. «مَن ضد مَن» في المظاهرات اللبنانية؟
557
فريق العمل

«حزب الله» أم الشيوعيين.. من الذي يقف وراء «غزوة الحمرا» على المصارف

كان المشهد الأبرز في عودة الاحتجاجات الأيام الماضية هو اندفاع مئات من المتظاهرين نحو المصارف اللبنانية بشارع الحمرا في وسط المدينة، وتكسير واجهاتها، فيما عُرف «بغزوة الحمرا»، في إشارة للشارع الرئيس بوسط المدينة، الذي شهد أعمالًا تخريبية عبر تكسير واجهات بعض المصارف، وماكينات الصرف، بعد محاولات اقتحامه.

مُطيعة مندور، الصحافية اللبنانية، رسمت صورة شاملة لما عُرف «بغزوة المصارف»، وقالت: إن «حزب الله هو المعارض الرئيس لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ويتهمه بالخضوع لواشنطن في تعزيز القيود على تحويلاته المالية ودعم الحصار المالي الأمريكي على الحزب».

وأدت العوامل السابقة إلى تخوف قوى معارضة لحزب الله من أن يكون هو وراء «غزوة الحمرا» على المصارف، وهذا غير دقيق، بحسب مُطيغة. وتشرح ذلك قائلة: «إن الحزب ربما يستفيد سياسيًا، ويغض النظر عن مشاركة مناصرين له في تلك الاحتجاجات، لكن الأكيد أن العصب المحرك لها هم مجموعات يسارية وشيوعية مختلفة وبعضها مناهض بشدة للحزب وسياساته. لكن ذلك لم يخفف مخاوف البعض من أن يكون ما يجري ضد المصارف هو بتخطيط من الحزب».

أحد المظاهر الجديدة التي شهدتها تظاهرات لبنان في الأيام الأخيرة هو الاتجاه نحو محاصرة منازل رموز سياسية في بيروت كحال فؤاد سنيورة، رئيس الوزراء السابق، إذ تقول مُطيعة: «إن هذه الأحداث أدت لبروز آراء عبر السوشيال ميديا تقول إن الذهاب لمحاصرة السنيورة وقبله استقالة الحريري يعني أن الطائفة السنية هي المستهدفة، فلماذا لا يتم الذهاب نحو المجلس النيابي والهاتف ضد رئيسه منذ 1992 نبيه بري المدعوم من حزب الله؟».

وتكمل مُطيعة أن الأيام التالية لمحاصرة منزل فؤاد سنيورة شهدت المواجهات العنيفة في وسط بيروت وعند مداخل مجلس النواب، وتم تسليط الضوء عبر بعض الإعلام على أن المجموعات الأساسية التي استخدمت العنف ضد القوات الأمنية جاءت من مناطق طرابلس وعكار (السنّية) لمحاولة دخول مجلس النواب (ورئيسه الشيعي) ردًا على تكسير المصارف في الحمرا.

ومن منظور اقتصادي واجتماعي، يرى محمد زبيب، الصحافي والناشط الاجتماعي اللبناني، أن ما حدث لا يندرج تحت « العنف» بقدر ما هو «حالة الدفاع عن النفس» تجاه القوّة المفرطة من جانب الجيش والأجهزة الأمنية، وعلى الاستخفاف المفرط من جانب السياسيين والقضاة والموظفين العامين، وعلى الاعتداءات المفرطة التي نتعرض لها في أماكن العمل والسكن وفي المصارف وأسواق الصرف والاستهلاك .

حتى الآن، نحن نواجه عنف الاوليغارشية ضدنا، وما زلنا في "حالة الدفاع عن النفس"، وبالكاد نتلمس طريقنا الى ممارسة العنف…

Geplaatst door Mohammad Zbeeb op Zondag 19 januari 2020

ويدافع زبيب، المُحرر السابق لملحق «رأس المال» في جريدة «الأخبار» في منشور له على صفحته بموقع الفيس بوك عن أفعال المتظاهرين قائلًا: «إن ما حدث لا يمكن تصنيفه في خانة العنف، أو العنف المتبادل، أو حتى الشغب، أو التخريب، أو الاعتداء، على الملكيات الخاصة والعامة.. وهو حتمًا لم يبلغ لا العنف المنظم، ولا العنف الثوري».

ويؤكد زبيب أن محاولة البعض إضفاء صفة «الغوغائية» و«المرتزقة» على بعض المتظاهرين وصبغها بالخروج على القانون، وانتهاك السلمية، واتهامها بالتبعية لهذه القوة الحزبية أو تلك، أو عبر حث شرائح اخرى على نبذ «العنف» ومقاومته والتنديد به، والمطالبة بعزل الشرائح المشاركة فيه، وقمعها باسم تطبيق القانون. هي محاولات لخلق المناخ لوأد الميول الجذرية التي بدأت تظهر في الانتفاضة الشعبية، وإحباط عزيمة شرائح كثيرة وعزلها بعضها عن بعض.

عربي

منذ 3 شهور
عائلات تترأس السلطة وتتهرب من الضرائب.. من الذين انتفض ضدهم الشعب اللبناني؟
2751
فريق العمل

مقتل سليماني.. كيف أثر على الاحتجاجات اللبنانية؟

انعكس مقتل الجنرال الإيراني البارز قاسم سليماني في غارة أمريكية بالعراق على كثرة من الأوضاع داخل البلدان العربية التي تمتعت فيها طهران بنفوذ سياسي وعسكري، وأبرزها لبنان، حيث شكل «حزب الله» المدعوم إيرانيًا وكيلًا لطهران في الداخل اللبناني.

من جانبه، يعتقد بركات، المسؤول السابق عن صفحة الرأي بصحيفة السفير اللبنانية، أن مقتل سليماني هو مجرّد فاصل إقليمي قصير يحرق الاهتمام لأيام فقط لكن لا تأثير له على ديناميكيات الداخل المرتبطة أساسًا بالعامل الاقتصادي، موضحًا أن «حزب الله» يحاول الخروج بحد أدنى من الخسائر، في ضوء أنه يظهر الأقل تضررًا؛ لأنه ببساطة الأقل مشاركة في الحكومات بين الكبار، ولأنه ضابط جمهوره، لكن بالرغم من ذلك تضرر، وسيلحقه مزيد من الضرر،

فيما تحدث صحافي لبناني يعمل بقناة المنار اللبنانية، التابعة لـ«حزب الله»، «لساسة بوست» أن مقتل سليماني لم يُلحظ بعد أي تأثير مباشر له على مسار الأمور في لبنان، إلا اذا اعتُبر أن «حزب الله» هو من يعرقل تشكيلها طمعًا بحكومة مواجهة للولايات المتحدة بعد مقتل سليماني، مؤكدًا أن «حزب الله» معركته الداخلية الآن هي مع رياض سلامة، حاكم مصرف لبنان منذ سنة 1993، ويبدو أنه يريد الإطاحة به بأي ثمن.

ويتوقع الصحافي اللبناني، المُقيم بالضاحية، حاضنة داعمي «حزب الله» في بيروت، أن الحزب قد يكون أكثر ليونة وتفهمًا لمشاركة قسم من جمهوره في الشارع، ليس بسبب مقتل سليماني، إنما لأنه بات مدركًا أنه سيخسر كثيرًا حال تمسكه بموقفه، موضحًا أن الحزب سيتغير موقفه تبعًا لطبيعة الظروف وهوية الجهة المستهدَفة، سواء كانت السياسات المالية ورياض سلامة، أم مجلس النواب ونبيه بري أو الحكومة، إلى جانب توقيت الاستهداف.

عرض التعليقات
تحميل المزيد