خرج أهلُ إشبيلية حاضرة الأندلس عن بكرة أبيهم يستقبلون الجيشَ المنتصر في أجواءِ احتفالية كبرى، لم تشهدْ الأندلس مثلَها منذ أكثر من قرن، منذ انتصار الزلاقة الكبير عام 479هـ على ألفونسو السادس ملك قشتالة، في زمن قائد المرابطين الشهير يوسف بن تاشفين. وها هي الأندلس تهزم ألفونسو جديدًا، لكنه ألفونسو الثامن هذه المرة، وتحت حكم المغاربة أيضًا، وكان الانتصار من نصيب سلطان الموحدين المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن.

على مقربةٍ من حصن الأرك الحدودي، ألحق جيشُ الموحدين الذي ضمَّ خيرة مقاتلي المغرب والأندلس هزيمةً نكراء بجيش ألفونسو الثامن، ذي الطموحات العسكرية الكبيرة، ملك قشتالة، أكبر الممالك المسيحية في شمال ووسط الأندلس، والذي هدَّد باجتياحٍ شامل لما بقي من حواضر الأندلس الإسلامية، وإتمام حرب الاسترداد المسيحية التي تهدف إلى التخلص من الوجود الإسلامي في الجزيرة بشكلٍ تام، ودفع الأندلسيين إلى الجهة الأخرى من البحر المتوسط.

ورغم أن سلطان المغرب والأندلس يعقوب الموحدي لم يستغل حالة الاضطراب الشديد التي عصفت بقشتالة في أعقاب تلك الهزيمة النكراء، من أجل قلبِ الطاولة، وانتزاع إحدى حواضر قشتالة الكبرى؛ لا سيَّما طُليطلة، التي اختطفها الإسبان قبل 113 عامًا، فإن ذلك لم يقلل من قيمة الانتصار الكبير في الأرك، ومن هالة النشوة التي انتابت الأندلسيين والمغاربة من النجاح في كسر تلك الموجة الصليبية. لكن قبل الحديث عن لحظة الأرك، لا بد من الرجوع إلى الوراء قليلًا في كتاب التاريخ الأندلسي.

الأندلس المُحتلَّة.. بين سندان قشتالة ومطرقة البرتغال

مع مطلع القرن السادس الهجري – الثاني عشر الميلادي – والذي وقعت موقعة الأرك في العقد الأخير منه، كانت الأندلس على موعدٍ مع انتصارٍ كبير في موقعة أُقليش عام 501هـ، والذي تمكَّنت خلاله جيوش المرابطين المغاربة من إلحاق هزيمة جديدة بملك قشتالة العتيد ألفونسو السادس، قُتل أثناءها ولي عهده الصغير، فمات ألفونسو كمدًا.

عزَّز هذا الانتصار من موقع المرابطين في الأندلس في مواجهة الإسبان، وكذلك إزاء نوازع التمرد التي بدأت تدب في الأندلس ضد حكم المرابطين الذي لم يناسب طبائع الكثير من الأندلسيين في شدته وعسفه أحيانًا، وكذلك في جلافته وبداوته، وإن قبله غالبيتهم مضطرين، نظرًا لقوة المرابطين العسكرية التي أعادت التوازن المختل بين الأندلس والممالك الإسبانية المسيحية التي بدأت تتوسع في حربها لاسترداد الأندلس من المسلمين.

كانت الأندلس في القرن السابق قد تمزَّقت في أعقاب الفتنة الكبرى التي وقعت عام 399هـ، والتي دارت رحاها 23 عامًا، وانتهت بدخول الأندلس في عصر ملوك الطوائف، الذي تفرقت فيه دولتها الموحَّدة إلى أكثر من 20 دويلة صغيرة، خضع أكثرها لنفوذ ممالك إسبانيا المسيحية لا سيَّما قشتالة، والتي فرضت الجزية على أغلب ملوك الطوائف الذين انشغلوا بمحاربة بعضهم البعض على فتات مائدة الأندلس العامرة.

عام 478هـ، اضطرّ كبار ملوك الطوائف، وعلى رأسهم ملك إشبيلية ابن عباد للاستنجاد بدولة البربر المرابطين في المغرب لنجدة الأندلس بعد نجاح ملك قشتالة ألفونسو السادس في الاستيلاء على طليلطة، وتهديده باجتياح ما بقي من الأندلس. عبر جيش المرابطين إلى الأندلس ونجحوا في هزيمة ألفونسو في موقعة الزلاقة التاريخية عام 479هـ. لكن في السنوات التالية دبَّت الخلافات بين المرابطين وملوك الأندلس، لا سيَّما مع عودة بعضهم للتواصل مع القشتاليين، فاستصدر ملك المرابطين يوسف بن تاشفين الفتاوى من علماء الأندلس والمغرب، وانتزع الأندلس من ملوكها بعد صدامات دامت لأعوام. 

ورغم قوة يوسف وعدله وورعه، وصدقه في مواجهة الإسبان، فقد شعر الأندلسيين أنهم بشكلٍ أو بآخر تحت احتلال المرابطين، الذين كان يشتدون في فرض أحكامهم وأسلوبهم على الأندلسيين. لكن جمع العدو المشترك بين الجميع ولو إلى حين.

بعد وفاة يوسف، وتولي ابنه علي مقاليد دولة المرابطين، بدأت الدولة في الضعف تدريجيًا، حتى اندلعت ضدها ثورة الموحدين في المغرب بزعامة محمد بن تومرت الذي لقَّب نفسه بالمهدي، وشنَّ حربًا سياسية وعسكرية ومذهبية ضد المرابطين، دارت رحاها 30 عامًا، وقتل فيها عشرات الآلاف من المحاربين الأشداء، وكانت الأمور في أولها سجالًا بين الطرفين، ثم مالت الكفة للموحدين ودخلوا عاصمة المرابطين مُرَّاكش المغربية عام 541هـ / 1146م. 

أدت حروب المرابطين والموحدين إلى إضعاف موقف الأندلس ضد الإسبان، فنجح هؤلاء في انتزاع سرقسطة، ثغر الأندلس الشمالي، واحتلوا العديد من الحصون الحدودية الهامة، وأصبحت الأندلس في خطرٍ وجوديًّ داهم، وتفكَكت تحت حكم عدد من الثوار. كذلك ظهر في تلك الأثناء عدو عنيد جديد للأندلس، هو دولة البرتغال التي انتزعت استقلالها غربي الجزيرة على حساب الحواضر الإسلامية هناك، وكذلك بعض المناطق الخاضعة لسيطرة مملكة قشتالة.

بحلول منتصف القرن، وبعد أن حسم الموحدُّون الصراعَ في المغرب، توجَّهت أنظارهم إلى الأندلس، ولاقى هذا التوجه استحسانًا من كثير من الأندلسيين الذي خافوا من أن تسمح الفوضى الحالية بالجزيرة للممالك المسيحية الشمالية باقتطاع المزيد من حواضر الأندلس.

خلال عهدي عبد المؤمن بن علي الموحدي، وابنه يوسف بن عبد المؤمن، نجح الموحدون في ضم معظم ما بقي من الأندلس الإسلامية في وسط وجنوب الجزيرة، واشتبكوا أكثر من مرة مع القتشاليين من جانب، ومع البرتغاليين من جانبٍ آخر، حتى أن يوسف بن عبد المؤمن قُتِل عام 580هـ/ 1184م تحت أسوار مدينة شنترين التي احتلَّها البرتغاليون، وخلفه في الحكم ابنه أبو يوسف يعقوب المنصور، الذي أصبح من أشهر ملوك الموحدين على مدار تاريخهم، ويُعد آخر حُكَّامهم الأقوياء.

اضطر المنصور الموحدي عام 585هـ/ 1189م، إلى العبور إلى الأندلس بجيشٍ ضخم، وذلك للتصدي للبرتغاليين الذين استغلوا انشغاله بقمع تمردات بقايا المرابطين وسواهم في المغرب، فتوسعوا جنوبًا، حتى انتزعوا مدينة شلب الأندلسية في أقصى جنوب غربي الجزيرة. تمكَّن المنصور من إلحاق هزيمة كبيرة بالبرتغاليين، واستعادة مدينة شِلب.

تعزَّز مركز الموحدين في الأندلس بعد هذا الانتصار على البرتغاليين، وفرضوا هدنة دامت لخمس سنوات على مملكة قشتالة، وذلك للتفرغ لبسط سيطرة الدولة على المغرب.

موقعة الأرك.. ألفونسو الثامن يسير نحو الهلاك

بانتهاء الهدنة بين قشتالة والموحدين عام 590هـ/ 1194م، حشد ألفونسو الثامن جيوشَ قشتالة، ومن انضمَّ إليها من المتطوعين الصليبيين من أنحاء متفرقة من أوروبا، لشن هجومٍ شامل على حواضر الأندلس الكبرى، لا سيَّما إشبيلية في أقصى الجنوب، التي كانت بمثابة عاصمة الموحدين في الأندلس، والتي شنَّ عليها مُطران طُليطلة غارة تخريبية كبيرة، أتلفت الكثير من زروعها، وبثَّت الخراب في ضواحيها.

مقطع قصير عن موقعة الأرك

اشتدَّت الغارات الإسبانية على المدن الأندلسية، لا سيَّما الثغور، ولم تكن الحاميات الموجودة في الأندلس قادرة بمفردها على مواجهة هذا الزحف الصليبي الكبير، فتوالت البعوث برسائل الاستنجاد إلى بلاط المنصور الموحدي في مُرَّاكش.

في تلك الأثناء، أرسل ألفونسو الثامن إلى المنصور الموحدي رسالة لاذعة يتحدَّاهُ فيها أن يعبر إليه ليواجهه بالأندلس، أو أن يرسل له بالسفن، لكي يأتي لمحاربته بالمغرب، وكان نص الرسالة على أشهر الروايات:

«بسم الله الرحمن الرحيم، من ملك النصرانية إلى أمير الحنيفية، أما بعد؛ فإن كنتَ عجزتَ عن الحركة إلينا، وتثاقلتَ عن الوصول والوفود علينا، فوجِّه لي المراكب والشواني أجوز فيها بجيوشي إليك حتى أقاتلك في أعز البلاد عليك، فإن هزمتَني فهدية جاءتك إلى يدك، فتكون ملك الدينَيْن، وإن كان الظهور لي، كنت ملك المِلَّتَيْن، والسلام».

فأمر المنصور الموحدي ابنَه بالرد علي الرسالة بردٍ قصيرٍ ومُعبِّر عن قبول التحدي والاستعداد له. وحشد المنصور القوة الضاربة من جيش الموحدين وعبر مضيق جبل طارق إلى الأندلس في الأول من يونيو (حزيران) 1195م/ 20 جمادى الآخرة 591هـ. وحشد ولاة الموحدين على المدن الأندلسية ما استطاعوا من قوات الموحدين ومن المتطوعين الأندلسيين، وانضمَّ كذلك إلى جيش المنصور وحدة عسكرية مسيحية من خصوم ألفونسو الثامن.

وصل الجيش الكبير الذي قُدَّرت أعداد جُنده بعشرات الآلاف من المقاتلين، إلى مدينة قرطبة أواخر يونيو 1195م/ رجب 591هـ. وفي الأسبوعين التاليين تقدَّم الجيش الموحدى صوب الثغور الحدودية في وسط الأندلس، وبالطبع وصلت أنباء هذا الحشد الهائل إلى ألفونسو الثامن، الذي خرج بقوته الكاملة ليواجه خصمه، لكنَّه تعجَّل الخروج لمواجهة المنصور قبل أن تصل كامل التعزيزات من حليفيْه الرئيسيْن، ملك ليون، وملك نافار – إقليم الباسك حاليًا – وذلك ثقة منه في قوة جيش قشتالة، لكن هذه الثقة سيكون لها ثمن فادح عما قليل.

الفنان محمود حميدة، في دور المنصور الموحدي من فيلم المصير عام 1997م، إخراج يوسف شاهين

يذكر المؤرخون المسلمون أن ألفونسو الثامن كان غارقًا في الثقة بالنصر حتى الثمالة، لدرجةٍ أنه أحضر مع جيشه عشرات التجار اليهود ليشتروا من جيشه العبيد والغنائم التي يتوقع الحصول عليها من المسلمين!

اصطدمت طلائع جيش المسلمين ببعض الفرسان الصليبيين الذين كانوا يجمعون المعلومات عن الجيش الموحدى، وأبادوهم عن بكرة أبيهم. في تلك الأثناء كانت القوة الرئيسة لجيش قشتالة تعسكر في قلعة الأرك الحدودية – قرب مدينة سيوداد ريال الحالية في وسط إسبانيا – القريبة من قلعة رباح التي ظلَّت لقرون من أهم المعاقل الإسلامية في الأندلس قبل سقوطها. بينما تمركزت الجيوش الإسلامية على مقربة من القلعة الحصينة منذ يوم 17 يوليو (تموز)، الثامن من شعبان.

على الجانب الآخر، كانت الخطة العسكرية التي استقرَّ عليها المنصور تقضي بالدفع بالقوات الأندلسية والقبائل المغربية قوةً ضاربةً أولى لمواجهة جيش قشتالة، بينما يبقى المنصور، مع حرسه الخاص من الموحدين، ونجبة جيشه في المؤخرة لحماية ظهر القوات المتقدمة، وليكون مددًا لها في حالة الانكسار. 

في صباح يوم 18 يوليو 1195م/ 9 شعبان 591هـ، دارت رحى الموقعة الهائلة بين الجيشين، فقد خرج القشتاليون من قلعة الأرك لمواجهة المسلمين خارجها قبل أن يطبقوا عليهم الحصار بداخلها. هجم حوالي 7 آلاف فارس قشتالي على قلب الجيش الإسلامي بضراوة، لكن استبسلت الفرق الموجودة في القلب، وتصدت برماحها لهجمات الفرسان، لكن تفاقمت الخسائر في القلب، حيث ركز القشتاليون كل قوتهم ضده، لحسم المعركة سريعًا، ظنًّا منهم أن المنصور موجود في القلب، إذ كان المنصور قد أمر برفع الأعلام السلطانية في القلب رغم وجوده في المؤخرة، وذلك لخداع القشتاليين.

لدعم القلب الواقع بين شقّي الرحى، تقدمت القوات الأندلسية، وفرسان القبائل العربية، وغيرهم من الأجناب، صوب القوات القتشالية المتوغلة في القلب، فأثخنوا فيها، حتى اضطر القتشاليون للتراجع شيئًا فشيئًا نحو معسكرهم. وعندما نقل القشتاليون ضغطهم إلى الميسرة، وانسحب بعض المتطوعة منها، تقدم المنصور بقوة من المؤخرة، فشتَّت المهاجمين، وأجبرهم على الانسحاب.

موقع معركة الأرك على خريطة إسبانيا الحديثة

قرب غروب الشمس؛ كان نصر المسلمين في الموقعة قد بزغ، وفر الكثير من القشتاليين للاعتصام بقلعة الأرك. أما ألفونسو الثامن، فلما رأى مصارع الآلاف من فرسانه، وانسحاب الآلاف، فآثر السلامة، وفرَّ رفقة بعض خواص فرسانه إلى مدينة طُليطلة. وتدافع الرواية المسيحية للمعركة عن ألفونسو الثامن، فتذكر أنه أصرَّ على الصمود، لكنّ قادة جنده أصرّوا على جعله ينسحب عندما لاحت الهزيمة، خوفًا من أن تودي به شجاعته، وتضطرب أحوال المملكة.

هو الفتح أعيى وصفُه النَّظمَ والنَّثرا ـــــ وعمَّت جميعُ المسلمين به البُشرى

لقد أوْردَ الأذفونشُ شيعتَه الردى ـــــ وساقَهمُ جهلا إلى البطشة الكبرى

حكى فعل إبليسٍ بأصحابِه الألى ـــــ تبرَّأ منهم حين أوردَهُم بدرا

ألوفٌ غدتْ مأهولةً بهمُ الفلا ـــــ وأمست خلاءً منهمُ دورُهم قفرا

*أبو العباس الجراوي في قصيدته تمجيدًا للانتصار في موقعة الأرك، والأذفونش، هو تعريب اسم ألفونس.

اقتحم المنصور الموحدي حصن الأرك عنوة، وأجهزت قواته على من بقي به من القشتاليين، وحصلوا على غنائم لا حصرَ لها من الأسلحة والأمتعة والدواب، وحتى النساء. لكن روايات أخرى تذكر أن الحصن لم يُقتَحَم حربًا، إنما خرج منه 5 آلاف مقاتلٍ بعد اتفاقٍ قضى بإطلاق 5 آلاف أسير مسلم من قشتالة.

وتتباينْ الروايات في تعداد خسائر الجانبيْن في المعركة، خاصة خسائر الجيش المهزوم، فيرفعها البعض إلى أكثر من 100 ألف، وهو عدد مُغرقٌ في المبالغة، بينما يهبط بها الآخرون إلى دون الثلاثين ألفًا، وهو الأرجح. أما جيش المسلمين، فقد لحق به خسائر مؤثرة أيضًا قدَّرها بعض المؤرخين المسلمين بمصرع 20 ألف مقاتل.

ما بعد الأرك.. قوات ألفونسو

حيَّتـْكَ مُعطَّرَة النفسِ ـــــ نفحاتُ الفتحِ بأندلسِ

فَذَرِ الكفارَ ومأتَمَهُم ـــــ إن الإسلامَ لفي عُرْسِ

أإمامُ الحقِّ وناصره ـــــ طهَّرتَ الأرضَ من الدَّنَسِ

ورفعت منار الدين على ـــــ عُمُد شُمٍّ وعلى أُسُسِ

 * عمر بن حزمون المُرسي الأندلسي، مادحًا المنصور الموحدي بعد انتصاره في الأرك

في محاولة لاستغلال النصر، أمر المنصور الموحدي قواتِه بالتوغل شمالًا، والاستيلاء على بعض الحصون القشتالية القريبة من ساحة المعركة، وعلى رأسها قلعة رباح، والتي كان يدافع عنها فرقة صليبية متطرفة تُعرَف بفرسان قلعة رباح، وبذلك تُرفَع عليها راية إسلامية لأول مرة منذ 50 عامًا.

ثم عاد المنصور إلى إشبيلية، وقضى الشتاء بالأندلس، ثم في ربيع العام التالي، عاد للغزو مجدَّدًا، بعد أن رفض طلب قشتالة المتكرر لتجديد الهدنة. هاجم الموحدون العديد من المدن والحصون في اتجاه الشمال الغربي من الأندلس، ثم اتجهوا إلى منطقة طُليطلة، فعاثوا فيها سلبًا ونهبًا، بينما اكتفت قوات ألفونسو الثامن بالتحصُّن بعيدًا عن الجيش الغازي خوفًا من تكرار هزيمة العام الفائت، مما شجع جيش الموحدين على التقدم صوب أسوار مدينة طليطلة نفسها، بعد أن خرّبوا معظم ضواحيها الخارجية، ثم أحكموا حول المدينة الحصار الخانق.

وهنا ينقل بعض المؤرخين المسلمين رواية غريبة الأطوار عن أن والدة ألفونسو الثامن والتي كانت داخل طُليطلة أثناء حصارها، قد خرجت إلى المنصور برفقة بعض الأميرات يُناشدْنَه رفع الحصار عن طليطلة، وأنه لا يليق بفارسٍ عظيم مثله أن يهاجم مدينة جُلُّ من فيها من النساء والأطفال والعجزة. فرقَّ المنصور لهُنّ، ومنحهُنَّ بعض الهدايا، ورفع الحصار عن طليطلة.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
رجل ظلمه التاريخ.. «آخر ملوك الأندلس» لم يكن خائنًا كما يتصور الكثيرون

وإن صحَّت تلك الرواية، فهي سقطة كبيرة تؤخَذ على المنصور على ما فيها من نُبلٍ وشهامة، لأن طليطلة التي استولى عليها القشتاليون قبل 113 عامًا، كانت عمود الثغر الأوسط في الأندلس، ومن أحصن مدن الجزيرة، وتحتل مركزها، مما يمكن من يسيطر عليها من مدّ أذرعه العسكرية حيث شاء في كل الاتجاهات. 

وقد أثبتت الوقائع فيما تلا من السنين خطأ عدم استغلال المنصور للحظة الفارقة وانتزاع طُليطلة. فبعد 17 عامًا فحسب من رفعه الحصار عن طليطلة، وغير بعيدٍ عنها إلى الجنوب، سيلحق جيشٌ مسيحيّ صليبيّ هائل هزيمةً ساحقة بجيش الموحدين بقيادة الناصر بن المنصور، في موقعة العقاب 609هـ/ 1212م، والتي ستكون بداية النهاية ليس فقط لدولة الموحدين، ولسيطرتها على الأندلس، إنما للوجود الإسلامي بالجزيرة نفسه، ولكن لهذا جولة أخرى.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد