لتّوه تولى منصبه إمبراطورًا لفرنسا، يغلب الرهان على فشله أكثر من المراهنة على نجاحه، يزيد من سوء وضعه تردي الأوضاع الاقتصادية في بلاده، إجابته عن كل ذلك كانت إنجلترا. عدوٌ لدود وشوكة لا تجعله يهنأ بكأس أي نصر آخر، وأمله في انتصار يُسكت أعداء الثورة الفرنسية في الداخل والخارج. لذا في عام 1805 وفي ساحل «بولوني» الفاصل بين فرنسا وإنجلترا جمع نابليون بونابرت جيشه ليُدّربهم على سيناريوهات الغزو المحتملة، على موعد مع معركة فاصلة في تاريخه وتاريخ بلاده؛ «أوسترليتز».

في الجانب الآخر من الساحل، كان الإنجليز ينشرون رسومًا ساخرة من الاستعدادات الفرنسية، يبدو في أحدها الملك الإنجليزي تمساحًا شامخًا يهاجمه الجنود الفرنسيون المُصوّرن على هيئة ضفادع. يبدو إذن أن بريطانيا لم تكن تقدر حجم الكارثة التي تنتظرها، ما أضاف نقطةً لصالح نابليون قبل أن تبدأ المعركة حتى. لكن لاحقًا بدأت إنجلترا في الإفاقة من نشوتها بقوتها وعلموا أنّه إذا عبر الفرنسيون القناة الإنجليزية، فالهزيمة واقعة لا محالة، لذا كانت أولى خطوات بريطانيا هى نقل المعركة إلى داخل أوروبا بعيدًا عنها.

ويليام بيت، رئيس الوزراء البريطاني، قال إن نابليون لن يهاجم بريطانيا إذا كان مهددًا من الشرق، الشرق الذي عناه «بيت» هو النمسا وروسيا. لم يتوان بيت في خطته، تحريضٌ للروس وللنمساويين على شن حرب استباقية على نابليون، لم يهتم بيت كثيرًا بمآلات تلك الحرب ولا بحقيقة أن الدماء سوف تُسفك في كل الأحوال، ما شغله حقًا أن تُسفك دماء الآخرين بدلًا من الدماء البريطانية. وإذا كانت شروط التحالف بين النمسا وروسيا وبريطانيا تقتضي أن يشارك الثلاثة في الحرب، فقد قرر رئيس الوزراء أن يترك المعارك الأولى للآخرين، على أن يضرب الجيش البريطاني الضربة النهائية ليحوز لقب الجيش المنتصر.

بيت فاز في حركته الأولى، فقد تلقى نابليون خبر محاصرة أسطول «فيلناف» ليتبدد حلمه باجتياح بريطانيا، ويوجه دفته الحربية لمحاربة النمساويين والروس الذين قبلوا أن يضعوا رؤوسهم تحت المقصلة بدلًا من الإنجليز. الحماس دفع النمساويين لغزو مملكة «بفاريا» حليفة نابليون، لحظتها قرر نابليون أن يقضي عليهم فيها. وأول خطوة في خطة نابليون كانت الأحذية، الأحذية رآها نابليون العنصر الفاصل في معركته القادمة، لذا أمر بشحن 300 ألف حذاء جديد إلى «ستراسبورج»، وبذلك تلقى الجنود المُخيّمون ثلاثة أخبار جديدة دفعة واحدة، أولًا أنهم سوف يتركون معسكرهم لأن غزو إنجلترا لم يعد ممكنًا، وثانيًا أن المعركة الآن ستكون مع النمساويين في بفاريا، وثالثًا أنهم سوف يحصلون على أحذية جديدة في ستراسبورج.

الجنود تموت لأجل قائدهم.. لأنه منهم

في أغسطس (آب) عام 1805 أصدر نابليون قرارًا لا يقل أهميةً عن قرار الأحذية، أن ينتظر الجنود في ستراسبورج بجانب الأحذية 700 ألف وجبة غذائية و10 مليون قطعة فضة لدفع رواتب الجنود قبل بدء المعركة، بتلك الإجراءات أراد نابليون أن يضمن شبع جنوده وشعورهم بالأمان المادي كي لا يقوموا بنهب أي طعام أو أموال أثناء عبورهم من بلدن محايدة أو متحالفة مع نابليون.

الجيوش النابليونيّة تتحرك لتجتمع في ستراسبورج، وبعيدًا عنهم كان الروس قد بدأوا التحرك أيضًا. في البداية قطعوا 750 كيلو متر سيرًا على الأقدام، ثم في الأيام الاحقة كان الجنود يمشون نصف اليوم وتحملهم عربات لنقلهم في النصف الثاني، لم يرد الروس أن يصل نابليون إلى بفاريا قبلهم، لكن كان الفرنسيون أسرع. إضافةً للسرعة تفوق الفرنسيون على النمساويين والروس في دوافع الحرب، الفرنسيون يقاتلون لأجل الأمة مقتنعين بأهداف نابليون والثورة، أما الآخرون فكانوا يقاتلون من أجل المال في أغلب الأحيان. كذلك استمد الفرنسيون عزيمتهم من ضباطهم الذين أتوا من طبقات اجتماعية متفاوتة وكانوا يسيرون جنبًا إلى جنب معهم، أمام الروس والنمساويون، فضباطهم كانوا من الأرستقراطيين قليلي الخبرة بالميدان وراكبي الخيول والعربات طوال الوقت.

أكتوبر (تشرين الأول) عام 1805 وصلت طلائع الجيش الفرنسي إلى بفاريا. في بفاريا، مقاطعة «أولم» تحديدًا، كان الجنرال النمساوي «ماك» يترقب القتال راغبًا في الثأر لهزيمة النمسا مرتين سابقًا أمام فرنسا. لم تذكر كتب التاريخ عن ماك إلا أنه كان جنرالًا متواضع الإمكانات يبالغ في تصوراته عن نفسه. استغل نابليون تلك الحقيقة التي عرفها من السكان المحليين وبدأ في تسريب أخبار خاطئة للجنرال «ماك» عبر جواسيس مزدوجي الولاء، وإمعانًا في الإهانة أرسل نابليون فرقةً واحدة من جيشه لمهاجمة 60 ألف نمساوي، لكن معظم الجيش الفرنسي كان يدور ليُهاجم من الخلف. خطةٌ بديهية لكن نابليون كان متأكدًا أن ماك لن يفطن لها.

بالفعل لم يُدرك «ماك» لوجود الفرنسيين إلا وهم ينقضون عليه. المفاجأة لم تترك أمام ماك وجنوده سوى الهرب إلى داخل «أولم» والتحصن بها ظنًا أن الروس بالجوار وسوف يصلون قريبًا. لم يكتف الفرنسيون بتلك الهزيمة الشرفيّة، المدافع الفرنسية ظلت تهدر طوال اليوم مطلقةً قذائفها على المدينة، ثم هاجم الفرنسيون أسوارها. اجتمع على النمساويين ضراوة الفرنسيين وغياب الروس، فتبدد الأمل وخيّم اليأس المُفضي لاستسلام ماك و40 ألف جندي في 20 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1805.

«المغرور» يروي الحكاية والمخدوع يُعدم

نابليون أطلق سراح ماك ليكون المغرور شخصيًا هو من يحكي لبلاده عن انتصار جيش نابليون. استسلم ماك وعاد للنمسا، وانتصر نابليون وفاز ببفاريا وخسر 1500 جنديًّا، كل هذا ولم يأت الروس. الجنرال «كوتوزوف» حين علم بهزيمة النمسا قرر أن يعود من حيث أتى، ليكفي نفسه وجنوده شر القتال. فقد أدرك أن الـ50 ألفًا الذين معه لن يصمدوا أمام قرابة 200 ألف فرنسي. لكن ذلك لم يُعجب نابليون، في صبيحة اليوم التالي مباشرةً، أصدر بيانه لجنوده بأن الجيش الروسي يجب أن يلقى نفس المصير كي لا يُفكر أحد بعد ذلك في محاربة فرنسا مهما تعرّض لإغراءات أو ضغوط.

لكن قبل الزحف خلف الروس كانت إحدى الكتائب النمساوية المتحصنة خلف نهر «الدانوب» لم تستسلم بعد، لم يدفعهم اليأس للاستسلام إذ أنهم حصنّوا أنفسهم بوضع متفجرات على كل الجسور المؤدية إليهم، فإذا حاول الفرنسيون الهجوم أصبح نهر «الدانوب» قبرهم، لذا لجأ «جان لان» و«يواكيم مورات»، اثنان من قادة نابليون، إلى خدعة بسيطة. عبر الاثنان جسر «تابور» المُلغم بمفردهما، كاد النمسايون أن يدمروا الجسر لكن عدم مبالاة الجنرالين دفعتهم إلى الظن بأن أمرًا خطيرًا قد حدث.Embed from Getty Images
طلب الجنرالان لقاء الجنرال «أورسبرج» وأخبراه أن فرنسا تريد عقد صلح مع النمسا، وأن عليه الحضور صباحًا لحضور التفاوض والتوقيع على معاهدة السلام. «أورسبرج» لم يُصدّقهم، لكنه لم يُكذّبهم كذلك، وفي أثناء حديث الثلاثة بدأ بعض الجنود الفرنسيين في عبور الجسر المُلغّم، الجنود النمساويون أرادوا تفجيرهم لكن الجنرالان الفرنسيان أخبرا «أورسبرج» أنه بذلك سوف يقضي على أي أمل للسلام، لذا منع جنوده من تفجير الجسر. إمعانًا في طمأنة الجانب الفرنسي منحهما السيطرة على الجسر حتى يعبر كامل جنودهم، وقد كان. بعبور الفرنسيين إلى الجهة المقابلة من «الدانوب» أطلقوا صيحات الحرب، ففطن النمساويون إلى الخدعة.

لا وقت للرد أو للانتقام، وخشي «أورسبرج» من أسر أو قتل الجنرالين الفرنسيين، فلم يبق أمامه وجنوده إلا الفرار. لاحقًا أُعدم «أورسبرج» رميًا بالرصاص بتهمة الخيانة. لكن ذلك لم يُغير من الأثر التاريخي الذي حدث، استمر الزحف الفرنسي لداخل النمسا دون مقاومة، واستمر الروس في الهرب بلا نظام.

100 ألف ينضمون للأعداء.. الخداع هو الحل

الفرنسيون وجدوا معاملة ودودةً من أهالي أي مدينة دخلوها لامتناعهم عن النهب، بينما الروس كانوا ينهبون ما شاءوا. الصدمة التي واجهها الروس أثناء عودتهم أنهم مروا في المدن التي نهبوها أثناء ذهابهم للمعركة، ما يعني معاملةً شديدة السوء من قبل الأهالي وعدم وجود المؤن الكافية. فدخل الفرنسيون فيّينا واحتلوا العاصمة، وتراجع الجيش النمساوي في محاولة لجر الفرنسيين لمواجهة خارج النمسا في أراض جديدة لم يألفها الفرنسيون.

الجيش الفرنسي انخفض عدده لـ 75 ألف جندي، بقية الجيش إما لقوا حتفهم أو ظلوا في الخلف لحماية خطوط الإمداد. لكن نابليون لم يقنع بما حقق، فتوجه لشمالي فيينا لمطاردة الروس وفلول الجيش النمساوي. لكن المفاجأة أن كوتوزف توقف عن الفرار وقرر المواجهة، الشجاعة واتته حين انضمت له قوات إضافية أرسلها القيصر الروسي لدعمه. كذلك توقف نابليون ليُريح الجيش، ويُعيد النظر في معركته خاصةً بعد أن انضم لأعدائه 100 ألف جندي إضافي قادمين من بروسيا.

سوف تتقابل الجيوش في «أوسترليتز»، واحدة من أشهر المعارك في التاريخ وأكبرها، الفرنسيون المنتصرون كانوا أشد خوفًا من أعدائهم هذه المرة. موقع معركة «أوسترليتز» الذي اختاره نابليون، تبةٌ مرتفعة يحيط بها بحيرتان متجمدتان وقريتان صغيرتان، ليكون المكان المثالي ليكشف أعداءه طوال الوقت. وليستدرجهم إليها وزّع فيالق جيشه في مختلف الأرجاء، وأمر أي فيلق يُهاجم أن يتراجع فورًا دون قتال متظاهرين بالعجز والهزيمة إلى «أوسترليتز» ساحبًا النمساويين والروس وراءه.

Embed from Getty Images

وكان خيّالة نابليون أول من انسحب فور رؤيتهم لطلائع الروس، تاركين راياتهم وأسراهم وبعض الغنائم. تلك الخطة المُدبرة في «أوسترليتز» من نابليون رفعت سقف طموحات أعدائه، فبات الروس والنمسايون يحلمون بسحق نابليون تمامًا، وتبادلوا التهاني بالفعل كأن إبادتهم لنابليون قد تحققت وكأنهم ربحوا «أوسترليتز»، لقد وقعوا في الفخ. زاد من طمعهم أن نابليون أرسل لهم أحد جنرالاته يطلب عقد هدنة، وفي أثنائها أمر نابليون عدة فيالق بالتراجع ليخدع جواسيس الروس أنه بالفعل يشعر بالضعف ويخاف المعركة، للمرة الثانية وقعوا في الفخ.

رأى القيصر الروسي أن الفرصة سانحة للقضاء على نابليون، أمر 80 ألف جندي بالتقدم، يسبقهم 280 مدفعًا، وللمرة الثالثة ذهبوا حيث أرادهم نابليون تمامًا، هضبة « أوسترليتز». 30 نوفمبر (تشرين الثاني) بدأ نابليون بإصدار أوامر الحرب وخطواتها التفصيلية. على الجانب الآخر وضع النمساويون والروس خطةً رائعةً نظريًا، أن يتقدم 40 ألف جندي في ثلاثة طوابير، يدخلون بين صفوف الفرنسيين ثم يلتفون حولهم كي يمنعوا فراراهم. العائق الوحيد في تلك الخطة أنها تفترض أن الفرنسيين لن يتحركوا إذا رأوا 40 ألف جندي يهاجمونهم أو يدخلون بين صفوفهم.

بعد أوسترليتز.. الطريق مفتوح للإمبراطور

عادت الفرق الفرنسية من أماكنها البعيدة التي ذهبت إليها لخداع الروس مباشرةً إلى موقع المعركة، وبمجرد أن وصلوا غرقوا في النوم. أما النمساويون فقد وصلوا واصطفوا في 3 طوابير كما أراد لهم جنرالهم. استطاع الفرنسيون المنهكون صدّ الهجوم النمساوي الأول. حمّس ذلك نابليون فجعله يغير خطته للهجوم على الأعداء من الأطراف، إلى الهجوم على قلب جيشهم. أمر جنوده بالتقدم لأسفل الهضبة، متلفعين بالضباب الكثيف، بلا موسيقى أو صيحات، وأن يباشروا الهجوم فور وصولهم. صُعق الروس حين وجدوا أنفسهم وجهًا لوجه مع الفرنسيين، 500 قتيل روسي في اللحظات الأولى، والمفاجأة دفعت الروس للتراجع.

أرسل نابليون حرسه الشخصي لمهاجمة حرس القيصر في معركة امتازت بالطعنات الخاطفة وانتهت بانتصار الفرنسيين. فقدوا 1500 قتيل فقط، بينما خسر الأباطرة الثلاثة 15 ألف حندي قتلى، وأسروا آلافًا آخرين. واُضطرت النمسا إلى توفيع اتفاقية سلام مذلة، وتراجع الروس بلا عودة. وأصبح لنابليون يدًا حرة في ألمانيا، وحل الإمبراطورية الرومانية المقدسة وأسس اتحاد نهر «الراين» بدلًا منها، والذي كان دميةً فرنسيةً تمامًا. وبغياب تهديد النمسا وروسيا، تمكن الفرنسيون من التركيز على بروسيا وسحقهم نابليون لاحقًا في معركة «جينا». لذا يمكن القول أنه بعد «أوسترليتز» أصبح نابليون سيد أوروبا بالكامل تقريبًا.

وبحسم المعركة الحربية حُسمت المعركة السياسية كاملةً لنابليون ليُثبت نفسه إمبراطورًا عسكريًّا من الطراز الفريد، فبعد أن كان قائدًا عسكريًا فرنسيًا عظيمًا، أضحى القائد الأعظم عبر كل العصور الفرنسية. إلا أن اعتماده على الحروب لاكتساب شرعية وجوده إمبراطورًا جعلته مجبرًا أن يخوض الحروب دائمًا، فربما يدخل حربًا من أجل جني أموال للإنفاق على حرب أخرى. حالة الحرب الدائمة التي عاشها نابليون كان لا بد لها من نهاية درامية كالنفي عام 1815 إلى جزيرة القديسة «هيلانة» في وسط المحيط الأطلسي الجنوبي بين أفريقيا والبرازيل، تبعد 2000 كيلومتر عن الاثنين، حتى مات بعد ست سنوات وحيدًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد