بالتوازي مع انهيار دولة تدمر (كانت عاصمتها مدينة تدمر الحالية في سوريا)، كانت ثمة تغيرات أخرى تجري جنوب جزيرة العرب، حيث اضمحلت دولة حمير في اليمن، بعد انهيار سد مأرب، وحدوث سيل العرم، وغيرها من الأحداث، الأمر الذي أدى إلى موجات هجرية جماعية لقبائل العرب من الجنوب إلى  الشمال بحثًا عن أرض جديدة.

عانت دولتا الروم والفرس في الشمال من هجرات العرب وغزواتهم، وغارات القبائل البدوية، والتي لم تكفها الحصون المتناثرة على أطراف الصحراء، فاتخذت كلا الدولتين من بعض القبائل العربية أعوانًا لهما، حالف الفرس قبائل من اللخميين أو المناذرة، فكوَّنوا دولة المناذرة قرب ضفاف نهر الفرات، وعاصمتها الحيرة على بعد ثلاثة أميال من الكوفة، فيما حالف الروم قبائل من بني غسان، شكَّلوا ما عُرف بمملكة الغساسنة قرب دمشق. 

 قامت إذًا دولتان عربيتان جديدتان على أطراف الصحراء، كانتا كأنهما مركزا حراسة للدولتين العظميين، تقيهما شر هجمات القبائل، وتقومان على جمع الضرائب، ونظرًا إلى العدواة القائمة بين الفرس والروم، فقد انتقلت هذه العداوة إلى «وكلائهم» من الغساسنة والمناذرة، فتبادلت المملكتان العربيتان الغارات والهجمات، التي لم تهدأ حتى حين استعادت العلاقات بين الفرس والروم بعض الهدوء.

مع نهاية القرن الخامس الميلادي، آلت دولة الحيرة إلى النعمان بن المنذر، وقيل إن أباه المنذر بن المنذر قد ترك من بعده 13 ولدًا دون أن يوصي لواحد منهم بالملك بعده، تاركًا أمر الاختيار لكسرى ملك الفرس، الذي استشار بدوره مستشاره وترجمانه إلى العرب عدي بن زيد، ليشير عليه الأخير بامتحان للأبناء جميعًا، وقيل إن عدي بن زيد كان في صف النعمان، وساعده في ذلك الاختبار عند كسرى، لينتهي الأمر باختيار النعمان خلفًا لأبيه.

دولتا الغساسنة والمناذرة شمال الجزيرة العربية

افتراق الحلفاء

كان عدي بن زيد شاعرًا مسيحيًّا، أتقن العربية والفارسية، وكان حسن الوجه، ذكيًّا، وأحسن الشعر حتى علا نجمه، فاتصل بكسرى أبرويز (كسرى الثاني) ملك الفرس، وصار يكتب له بالعربية في ديوانه، أو يبعثه رسولًا له إلى الملوك، وكما ذكرنا، فقد كان له دور في تقديم النعمان للملك بعد أبيه، وقد عاش عدي حياته متقلبًا، متنقلًا بين بلاط كسرى أبرويز في فارس، وبين بلاط النعمان بن المنذر في الحيرة، لكن لم يلبث الخلاف أن دب بين الرجلين، بفعل بعض الوشاة، فأمر النعمان بسجن عدي، حليفه السابق، ثم لم يلبث أن قتله، مستبقًا رسول كسرى الذي جاء يطلب إطلاق سراحه.

ويبدو أن النعمان قد ارتكب «خطأ عمره» بقتله عدي بن زيد، فلم يلبث ولد الأخير (زيد بن عدي) أن بلغ عند كسرى الحظوة نفسها التي بلغها أبوه، وعندئذ شرع في إعداد خطة للانتقام من قاتل أبيه، فتذكر بعض الروايات أن كسرى ذكر يومًا جمال بنات العرب، وكان زيد بن عدي حاضرًا في هذا المجلس، فذكر له أن «في بنات النعمان وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على  هذه الصفة»، وأخذ زيد يحسن إلى كسرى أن يطلب بعض نساء النعمان لنفسه وأهله.

تاريخ

منذ سنتين
«جابوا الصخر بالواد».. مدائن صالح مدينة سعودية قد تحتاج فتوى لزيارتها

أرسل كسرى إلى النعمان زيدًا مع حارس فارسي لهذا الغرض، غضب النعمان من الطلب، ورد على زيد هازئًا: «أما في «بقر» السواد وفارس ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا؟»، ولما بلغ الرد ملك فارس استشاط غضبًا، وعزم على الانتقام من النعمان، ولكنه أجل ذلك الرد شهورًا حتى لا يثير شكوك النعمان.

وتشير بعض المصادر إلى أسباب أخرى لتفاقم الخلاف بين كسرى والنعمان؛ فالنعمان قد اتخذ سياسة مستقلة نسبيًّا – على عكس أسلافه في علاقته مع ملك الفرس – فرفض أن يصاحبه في بعض حملاته ضد الروم، كما رد طلبه في أن يهبه جوادًا عربيًّا أصيلًا كان قد طلبه، وهو ما أوغر صدر كسرى ضد النعمان، لتجيء الواقعة الأخيرة مثل «القشة التي قصمت ظهر البعير» في العلاقة بين الرجلين.

 كِسرى يفتك بالنعمان بن المنذر

أرسل ملك الفرس في طلب النعمان بن المنذر، لم يحتج الأخير إلى الكثير من الذكاء ليدرك أنه يدعوه لمصرعه لا محالة، فحمل أهله وسلاحه ومضى يحاول أن يستعصم ببعض القبائل العربية في جبال طيئ، لكنهم رفضوا طلبه خوفًا من بطش كسرى، وأخذ يتنقل بين القبائل حتى نزل عند قبائل بني شيبان، وكان زعيمها هانئ بن مسعود الشيبان، في منطقة تُدعى «بادية ذي قار».

أكرم هانئ بن مسعود ضيافة النعمان، وتعهد بحمايته وأهله، ولكنه اقترح عليه أن يذهب إلى كسرى وأن يحاول ترضيته بالهدايا والأموال، طالبًا منه الصفح والعفو، وإلا فالموت أهون من أن يتحول إلى حياة «السوقة» بعد الملك، وهو الرأي الذي أقنع النعمان، فمضى إلى كسرى، تاركًا عتاده وأمواله عند هانئ بن مسعود، بعد أن وعده الأخير بحمايتهم وأن «يمنعهم بما يمنع به نفسه وأهله، وإن كان في ذلك هلاكه». 

إن كل أمر يجمل بالرجل أن يكون عليه إلا أن يكون بعد الُملكِ سُوقة (أي ينتقل من حياة الملوك إلى حياة الرعية)… فامض إلى صاحبك، واحمل إليه هدايا وماًلا، وألق بنفسك بين يديه، فإما أن صفح عنك فعدت ملكًا عزيزًا، وإما أن أصابك فالموت خير من أن يتلعَّب بك صعاليك العرب ويتخطفك ذئابها، وتأكل مالك وتعيش فقيرًا مجاورًا أو تقتل مقهورًا.

*من وصية هانئ بن مسعود للنعمان بن المنذر

حمل النعمان الهدايا والأموال إلى كسرى، لكن ذلك لم يغير رأي الأخير، فأمضى فيه انتقامه، وقد اختلفت الروايات في كيفية قتل كسرى للنعمان، فهناك من قال إنه قد سجنه في سجن خانقين الذي بقي فيه حتى مات بالطاعون، وهناك من قال إنه قد رمى به تحت أرجل الفيلة حتى أودت بروحه. عين كسرى بعد ذلك على الحيرة إياس بن قبيصة الطائي، وأمره باسترداد ودائع النعمان من السلاح والأهل التي أودعها هانئ بن مسعود الشيباني، لكن هانئ قابل ذلك الطلب بالرفض، رفض كان يعرف بالطبع أنه ليس سوى إيذان ببدء الحرب.

«يومٌ من أيام العرب»

غضب كسرى مجددًا، وعزم على أن يستأصل بكر بن وائل من بني شيبان، فجيش جنوده بقيادة الهامرز التستري، أحد أعظم قادته، وقيس بن مسعود عامله على سفوان، وسيرهم للقتال تحت راية إياس بن قبيصة الطائي، مزودين بالفيلة وعليها الأساور، وقد انتظر كسرى حتى مجيء فصل الصيف، كي تجف المياه في البوادي، ويتجمع العرب عند ماء ذي قار، وعندئذ أرسل للعرب يخيرهم بين الاستسلام لحكمه، أو الهرب أو الحرب، فكان الخيار الأخير.

لا أرى إلا القتال، لأنكم إن أعطيتم ما بأيديكم قتلتم وسبيت ذراريكم، وإن هربتم قتلكم العطش وتلقاكم تميم فتهلككم، فأذنوا الملك بحرب * حنظلة بن ثعلبة العجلي أحد رؤساء العرب في ذلك الوقت يحث قومه على قتال الفرس

حشد الفريقان للمعركة، وتحمست قبائل العرب للانتصاف من الفرس، وراسل بعض العرب في جيش الفرس إخوانهم سرًّا بأن انتصارهم أحب إليهم من انتصار العجم (ذُكر أنهم انتقلوا أثناء المعركة إلى صفوف إخوانهم ضد الفرس)، وقام هانئ بن مسعود يحمس رجاله فقال فيما قال في خطبته الشهيرة: «يا قوم، مهلك معذور خير من نجاءٍ معرور، وإن الحذرَ لا يدفع القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، واستقبالُ الموت خير من استدباره، والطعن في الثغر خير وأكرم من الطعن في الدبر، يا قوم جدوا فما من الموت بد، فتحٌ لو كان له رجال، أسمع صوتًا ولا أرى قومًا، يا آل بكر شدوا واستعدوا وإلا تشدوا تردوا».

التحم الجيشان عند ذي قار، وكانت معركة عظيمة استبسل فيها العرب في مقاتلة الفرس، مستخدمين في ذلك أساليب الكمائن للإيقاع بالعدو، والمبارزات الفردية بين الفرسان، وأساليب الكر والفر لتشتيت الخصم، فكان النصر للعرب في النهاية، وكسر جيش الفرس كسرة هائلة، وقتل الهامرز وجلابزين أبرز قواده، وقد تعددت الروايات في تاريخ المعركة، لكن أغلبها يشير إلى أنها وقعت بين عامي 604 و611م.

وعلى الرغم من صغر حجم القوة الفارسية، فإن هذه المعركة تحتل أهمية كبرى في التاريخ بالنسبة للعرب، فقد كانت أول مواجهة مباشرة بين العرب والفرس، وأول معركة ينتصر فيها العرب على جيش فارس؛ ما أعطى دفعة معنوية لبقية القبائل لمباشرة الهجوم على أراضي تلك الإمبراطورية، وقد خُلدت انتصارات تلك المعركة في كثير من أشعار العرب من بينها ما روي عن الشاعر ميمون بن قيس:

لَمّا اِلتَقَينا كَشَفنا عَن جَماجِمِنا * لِيَعلَموا أَنَّنا بَكرٌ فَيَنصَرِفوا

وَجُندُ كِسرى غَداةَ الحِنوِ صَبَّحَهُم * مِنّا كَتائِبُ تُزجي المَوتَ فَاِنصَرَفوا

لَو أَنَّ كُلَّ مَعَدٍّ كانَ شارَكَنا * في يَومِ ذي قارَ ما أَخطاهُمُ الشَرَفُ

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد