قبل أكثر من أسبوعين، أعلنت الحكومة العراقية عند بدء حملتها العسكرية لاستعادة الفلوجة، المحافظة العراقية التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية، المعروف بـ «داعش»، منذ يناير (كانون الثاني) 2014، وأكدت حينها على أنها جادة في فتح ممرات آمنة، لإخراج المدنيين منها.

 

لكن سرعان ما تخلت الحكومة العراقية عن أهالي الفلوجة، فلم تنجح في «تحريرهم من تنظيم الدولة» كما أرادت، ولم تمنع عنهم ميلشيات الحشد، بل وسمحت لها بالمشاركة في الحملة.

منازل الفلوجة تحت نيران الحرب .. المصدر:https://theowp.org/wp-content/uploads/2016/06/Fallujah-800x600.png

منازل الفلوجة تحت نيران الحرب.. مصدر الصورة: https://theowp.org/

عندما قال قائد «عصابات بدر» هادي العامري: «بالتأكيد سندخل الفلوجة ونتخلص من شر هذه الغدة السرطانية ولن يمنعنا أحد»، يبدو أنه لم يكن يقصد قتال «تنظيم الدولة» فقط، إذ سرعان ما حملت الشهادات، والمقاطع المصورة، جرائم حرب، بحسب تعريفات القوانين الدولية، ارتكبتها قوات الحشد، فعذبوا أغلب من طالته أيديهم، من أهالي الفلوجة، ونكلوا بأجسادهم النحيلة، التي خرجت لتوها من حصار مشدد، وقاموا بذبح فالوجي بالسكين، لأنه طلب ماءً، وقاموا بدفن آخرين أحياء في خنادق، كما أكدت الأمم المتحدة، وقتلوا آخرين مباشرة بالرصاص، فضلًا عن وفاة عدد لا يستهان به جراء التعذيب، وأهون ما قيل في رحلة تعذيبهم تلك أنهم «أجبروا على شرب بول آدمي بالقوة».

الحشد الشعبي نكل بأجساد الفارين من «تنظيم الدولة»

«الموت تحت القصف في الفلوجة، أرحم من الوقوع بيد الحشد الشعبي والشرطة الاتحادية، لأنهم يستهدفون أهل الفلوجة جميعًا، ولم يأتوا لتحريرهم، بل جاءوا لقتلهم والانتقام منهم»، هكذا صرخ بعض الناجين من قصف الفلوجة، عندما وقعوا بيد قوات الحشد.

الفلوجة

شيخ نجا من الحشد الشعبي في الفلوجة

هؤلاء الذين اتخذوا قرارًا بالنزوح، عبر نهر الفرات، كان من بينهم المواطن خليل كامل، لكنه لم ينجُ معهم، إذ قتلته قوات الحشد أيضًا. تعود التفاصيل إلى قرار شقيق خليل بالنزوح، في محاولة لإنقاذ خليل المريض بورم خبيث في الرأس، واتجه الرجلان نحو من ظنوا أنهم جيش عراقي، جاءوا لتحرير منطقتهم «الصقلاوية» من «تنظيم الدولة»، ليكتشفوا أنهم قوات الحشد الشعبي.

يقول أحد أبناء عمومة الرجلان لـ «ساسة بوست»: «قتلوه وأخيه الذي يحمله أمام نظر أطفالهم، والآن لا نعلم أين أطفالهم وزوجاتهم، هربوا من ظلم داعش تجاه الجيش، لكنه لم يكن جيشًا، بل ميلشيات ترتدي الزي العسكري العراقي»، ويتابع الرجل مشيرًا إلى صور خليل وشقيقه بعد أن قُتلا: «خليل يبلغ الثلاثين من العمر، ولديه ثلاث بنات وولد واحد، شقيقه شاكر خمسين عامًا، وهو أب لخمسة صبية وفتاة، قتلوهم بكل وحشية».

مواطن آخر من الفلوجة، يخبرنا أن هناك عددًا من الشهداء المدنيين، اضطر ذويهم لدفنهم في باحات منازلهم الأمامية، مع طبقة تراب ﻻ تتجاوز 30 سم، وأضاف: «يحدث في الفلوجة الآن أن تدفن الأم أولادها، ويدفن الرجل من بقي من أهله، حدث ذلك في أكثر من عشرة بيوت على حد علمي».

ويضيف الشاهد لـ «ساسة بوست»: «المعارك شرسة، لكن الحشد الشعبي يرتكب جرائم أبشع من «تنظيم الدولة»، يقتل الأطفال، ويسرق البيوت، ويحرق ويهدم البنية التحتية للمدينة، أما «تنظيم الدولة» فيحتجز العوائل، ويعتقل الشباب، ويغلق جميع المنافذ، وقبل يومين فجر «تنظيم الدولة» جسر سكة القطار، ومحطة قطار البعلوان، لمنع خروج العوائل».

من ضمن ما يمكن وصفه بجرائم الحرب، التي ارتكبتها قوات الحشد، ومعها الشرطة الاتحادية، أو «المقاتلون الطائفيون» كما تسميهم بعض العشائر السنية، قيامهم بقطع رؤوس بعض المواطنين، واغتصاب البعض الآخر، حدث ذلك عندما وقع ما يقرب من ألف مواطن، من منطقتي الصقلاوية «شمال غرب الفلوجة» والكرمة «شمال شرقي الفلوجة»، في قبضة هذه القوات، فسارعت لاحتجازهم في معسكر طارق، ثم سجلت كاميرات الهاتف مقاطع وصفت بـ «الوحشية»، وجعلت رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، يعترف أن بعضًا من الـ 45 ألف مقاتل، المشاركين في معارك الفلوجة، قد «ارتكبوا أخطاءً بالفعل».

ثم أطلق سراح 600 معتقل من هؤلاء، استقبلتهم مستشفى العامرية بالفلوجة، منهم عشرات في حالة صحية خطيرة، وقد وثق مركز بغداد لحقوق الإنسان بعض الشهادات عن المدنيين، إذ ذكروا أنهم: «شاهدوا عمليات قتل لمختطفين آخرين، بالذبح والرمي بالرصاص، والضرب بالقضبان الحديدية والخشبية وبالمَسَاحِ الزراعية، كما شاهدوا قيام عناصر الحشد الشعبي، والشرطة الاتحادية، بدفن مجموعة من الشبان، من أهالي الصقلاوية، وهم أحياء باستخدام الجرافات الكبيرة.« كما أكد المركز أن «عددًا من المحتجزين قضوا تحت التعذيب وتركت جثثهم في البستان، واقتيد الآخرون إلى قاعة حديدية، أو ما يطلق عليه جملون، في أحد الحقول الزراعية بالصقلاوية، واكتظ الجملون بمحتجزين منع عنهم الطعام والمياه، وأجبـَر عناصرُ الحشد بعضَ المحتجزين على التبول، في قناني الماء الفارغة، ثم شرب بولهم، وأن أحد المحتجزين طلب ماءً، فقام عنصر من الحشد الشعبي بذبحه بسكين، أمام أنظار المحتجزين».

تنظيم الدولة «داعش».. حصار وقتل

بينما تدك طائرات ومدفعية الحشد الشعبي مناطق الفلوجة السكنية، يحجز تنظم الدولة الإسلامية «داعش» المدنيين في بيوتهم، ويمنعهم من النزوح، ولا يتوان مسلحوه عن قتل عدد كبير من المدنيين، الهاربين نحو نهر الفرات، على أمل الوصول نحو «الخالدية» الآمنة، فقد اعتبرهم التنظيم خائنين، بينما اعتبرتهم قوات الحشد من «الدواعش».

عراقيون من أهالي الفلوجة يسبحون هربًا عبر نهر الفرات .. المصدر: https://static.independent.co.uk/s3fs-public/thumbnails/image/2016/06/05/17/isis-fallujah-euphrates.jpg

عراقيون من أهالي الفلوجة يسبحون هربًا عبر نهر الفرات.. مصدر الصورة: https://static.independent.co.uk/

يقول الناشط العراقي محمد العلواني: «داعش والحشد الشعبي وجهان لعملة واحدة، فقد جاءوا لقتل الناس، داعش يمنع أهالي الفلوجة من الخروج، ويتسبب في تسليمهم للحشد والجيش، عندما يستخدمهم كدروع بشرية»، وأضاف: «استشهد البارحة، في معارك الصقلاوية، عدد يقترب من عشرة أطفال، وعشرين امرأة وخمسة عشر رجلًا، كلهم أقاربي، اقتحم الحشد بيوتهم».

ويوضح العلواني لـ «ساسة بوست»: «داعش يحتجز العوائل في الصقلاوية، يحاصرونهم، ويقولون لهم الجيش والحشد يتقدمون نحونا، وعليكم البقاء في بيوتكم، يمنعون خروج العوائل من داخل الفلوجة إلى النساف، وعندما يقتحم الحشد والجيش، ويأخذون بقتل الأطفال والنساء، تنسحب عناصر داعش». ويضيف العلواني بحسرة: «والله أخي يقول لي أن مئات الجثث لنساء وأطفال وشيوخ بالشوارع، وﻻ يوجد مستشفى بالفلوجة، إلا مستشفى قديم بيد داعش، يداوون فيه أتباعهم فقط».

ن جانب آخر، يؤكد تقرير المجلس النرويجي للاجئين، الذي يدير مخيمات في بلدة عامرية، على أن تنظيم داعش يستهدف المدنيين بالرصاص، ويقتلهم خلال محاولتهم الفرار، وجاء في بيان المجلس، بعد وصول نحو 18 ألف مدني، إلى مخيمات النازحين قبل أسبوعين أنه: «تم إطلاق النار على عدد غير محدد من المدنيين، فالتقارير الواردة من عائلات تشير إلى أن مجموعات معارضة مسلحة استهدفت مدنيين، يحاولون عبور نهر الفرات هربًا من القتال، وتم إطلاق النار على عدد غير محدد منهم، وقتلوا خلال محاولتهم عبور النهر«.

في قارب متهالك.. الموت بالقنص أو غرق بنهر الفرات

بمجرد أن بدأت القوات العراقية، وميليشات الحشد الشعبي، بمحاصرة الفلوجة قبل أكثر من أسبوعين، سارع أهالي المدينة بالتسلل عبر نهر الفرات، لإنقاذ أنفسهم من هول المعركة.

يقول شاهد عيان في الفلوجة لـ «ساسة بوست»: «يقتل عناصر داعش كل من يقترب من نهر الفرات، هناك آلاف العوائل عالقة على جسر «بزيبز»، بعد هروبهم من داعش، يقفون على ضفاف نهر الفرات، للعبور من منطقة زوبع إلى عامرية الفلوجة، وﻻ توجد زوارق متعددة لعبور العوائل، فقط زورق واحد».

في رمضان.. أجسام أهالي الفلوجة ترجف من الجوع

«خابرت أخي وعائلته، قال لي أنهم حاولوا الصيام، لكنهم لم يستطيعوا التحمل، بسبب الجوع والحر والعطش والخوف، قال إن أجسامهم ترجف من الجوع». هكذا يروي أبو ياسر المحمدي، لـ «ساسة بوست»، ما يحدث مع أخيه المحاصر في الفلوجة، وقال إن الناس هناك تبكي من الجوع وشدة القصف، ويجلسون في الشوارع، خوفًا من تدمير منازلهم فوق رؤوسهم.

أكثر من 50 ألف نسمة، هم تعداد سكان الفلوجة، لا يجدون مؤنهم الغذائية بسبب الحصار المطبق عليهم، لذلك حل شهر رمضان وهم يعيشون مأساة حقيقة، فقد وصل سعر كيس الطحين إلى 850 دولارًا وسعر السكر إلى 40 دولارًا للكيلو الواحد.

على إثر ذلك، ولكي لا يموتوا جوعًا، اضطر السكان لصنع الخبز من علف للطيور يُسمى «الدخن»، أو يطحنون نوى التمر لصنع الخبز، وما يقرب من 95% من أهالي الفلوجة، كما كشف تقرير سابق لـ«ساسة بوست»، يأكلون عشبًا يُسمى «الخباز»، تأكله في الأساس الماعز والأغنام، فقد أحكم «تنظيم الدولة» قبضته على الفلوجة، فمنع خروج المواطنين منها، وتركهم يواجهون أزمة اقتصادية خانقة، ولم تجد العائلات الفقيرة سبيلًا إلا خلط الحبوب بعلف الحيوانات، وإعطائه لأطفالهم، مع معاناة شديدة في الحصول على ماء صالح للشرب، فضلًا عن انقطاع الكهرباء بالكامل عنهم منذ شهور، فلا تأتي إلا مرات نادرة خلال تلك الفترة.

إيران تقود معركة الفلوجة

قبل أيام، أعلن عن وصول 80 مستشارًا عسكريًّا إيرانيًّا إلى العراق، مهمتهم تقديم المشورة العسكرية، للمقاتلين في معارك الفلوجة، وتحديدًا دعم فصائل تقاتل مع ميليشيا «الحشد الشعبي»، كفصيل «منظمة بدر»، ومنظمة «سرايا عاشوراء»، و«أنصار المرجعية»، و«أنصار العقيدة»، و«سرايا الجهاد».

أبرز هؤلاء الإيرانيين هو المسؤول عن التجسس، الجنرال الإيراني الشهير قاسم سليماني، وحسب تقرير صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية فإن: «الوجود الإيراني في العراق هو الأقوى لأي قوة أجنبية في البلاد، وقد جعل الدور الأمريكي محدودًا، رغم أن الولايات المتحدة تدعم الدولة المركزية، وتقوم بتدريب الجيش العراقي، وتقدم الاستشارات له، وتنفذ غارات فعالة بالفلوجة وما حولها». وتابعت الصحيفة موضحة قلق واشنطن من تقاطع المصالح الإيرانية والأمريكية ضد «تنظيم الدولة»: «واشنطن تعتقد أن الدور الإيراني، المعتمد على المليشيات المتهمة بالقمع الطائفي، سيفاقم غضب العراقيين السنة، ويجعلهم أكثر تعاطفًا مع تنظيم الدولة».

من جانبه، يؤكد فيصل فولاذ المنسق العام للحملة العالمية ضد إرهاب النظام الإيراني على أن: «إيران تقود حملة عسكرية للقضاء على الفلوجة بأكملها، وإبادة شعبها السني، وهي حلقة جديدة من حلقات مخطط التصفية الممنهجة للوجود السني في العراق، بدعم وتمويل وتسليح من النظام الإيراني». وأضاف خلال حديثه لـ «ساسة بوست»: «مليشيات الحشد الشعبي تقوم بتصفية أهالي الفلوجة، ودك المنازل المدنية بالمدفعية والراجمات، وبمئات القذائف والصواريخ، قتلوا المئات من المدنيين، وهدمت الكثير من المساجد، ودمرت المحلات التجارية».

أما مدير موقع عربستان، الأحوازي عادل السويدي، فيرى أن: «لإيران مخطط لما بعد القضاء النهائي على مقاومة الفلوجيين لها، في مشروعها القادم بعد الفلوجة، وهو قصف المملكة العربية السعودية»، وأضاف لـ «ساسة بوست»: «وضعت إيران معسكرات قبل أشهر، وعدد كبير من عناصر الحرس الثوري في منطقة النخيب بالرمادي، وذلك لإحكام الضغط ومحاصرة السعودية، فمن الجنوب تحاصرها باليمن، ومن الشمال العراق منطقة النخيب، وربما يتم قصفها خلال الشهور القليلة القادمة».

عرض التعليقات
تحميل المزيد