يرقب اليمنيون منذ ثلاثة أسابيع أحداث أهم معركة فاصلة في تاريخ حرب اليمن؛ فعلى وقع معارك هي الأشد منذ معركة ميناء الحديدة عام 2018. دفعت ميليشيا الحوثي بأعدادٍ هائلة من المقاتلين، شنّوا هجومًا وصفه المتحدث باسم «الجيش اليمني» بأنه أشبه بالعمليات الانتحارية من ثلاث جبهات، لمحاولة إسقاط مدينة مأرب -وسط اليمن-؛ البوابة الشرقية لصنعاء، والمعقل الأخير للحكومة الشرعية في الشمال، وعاصمة النفط التي تمثل النفوذ السعودي في اليمن.

الواقع العسكري والسياسي للمدينة الأكثر ازدهارًا في اليمن الفقير يقول إن من يسيطر على المحافظة النفطية ترجح لصالحه معادلة الحرب والسلام، لذا يعلق الحوثيون آمالًا باهظة التكاليف والعواقب، أملًا في السيطرة على مأرب، لتحقيق إنجاز سياسي خلال جولة السلام التي ستفرضها نتائج الحرب، وما بعدها. التقرير التالي يوضح لك لماذا معركة مأرب تُعتبر ذات طابع مصيري قد تُنهي دور التحالف كُليًّا في اليمن.

الجميع يخوضون حرب استنزاف.. ماذا يحدث على الأرض؟

بعد مرور أكثر من ست سنواتٍ على اندلاع حرب اليمن، فشلت السعودية، حتى الآن، في إعادة «الحكومة الشرعية اليمنية» للحكم، بعد انقلاب الحوثيين على العاصمة صنعاء في سبتمبر (أيلول) عام 2014.

Embed from Getty Images

(صورة للجيش اليمني ملتقطة من معركة مأرب في 14 فبراير (شباط) 2021)

دخلت السعودية اليمن في مارس (آذار) عام 2015 تحت تحالفٍ دولي لخوض حرب ضد الحوثيين، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن، تسيطر الجماعة على المناطق الأهم والأكثر كثافة سكانية داخل اليمن، وخلال سنوات الحرب فرض الحوثيون بقوة السلاح واقعًا سياسيًا حصلوا منه على نفوذ سياسي وعسكري أكبر، وشرعية دولية ممثلة في الاعتراف بهم جزءًا من الحل النهائي، وهو التحوّل الذي غيّر الخريطة العسكرية، لكنه لم يكن كافيًا لتحقيق أهدافهم الأخيرة من الحرب.

وخلال العام الماضي، تغيرت الخريطة العسكرية من خلال التحوّل الميداني في تكتيك الحرب، إذ تحركوا لاستعادة مواقع إستراتيجية مهمة خسروها عام 2016، ومنها محافظة الجوف، أكبر المحافظات الشمالية المحاذية للحدود السعودية، ومأرب.

ويفشل الحوثيون منذ عام 2016 في إسقاط مدينة مأرب، ورغم كل الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها قواتهم، إلا إنهم لم ينسحبوا من مواقعهم على تخوم تلك المدينة، على خلاف بقية المعارك الأخرى. تنقل «رويترز» عن مصادر عسكرية حدوث انهيار في الدفاعات التابعة للحكومة في جبهة غرب مأرب، وأن خط المواجهة بات الآن على بعد حوالي 20 كيلومترًا من المدينة، وهي التطورات التي يُنظر لها في حال اكتمالها بأنها ستكون كافية لتغييرٍ في مسار وسيناريوهات الصراع.

صعوبة المعركة نفسها لا تكمن فقط في الإصرار الحوثي على إسقاط المدينة، فالجيش اليمني يخوض حرب استنزافٍ في تلك الجبهات بقواتٍ محدودة تحت قيادة سياسية غائبة، في ظل عدم استلامه رواتبه منذ عدة أشهر، وهو ما دفع البرلمان اليمني لاستنفار الرئاسة اليمنية لتقديم الدعم والإمداد للجيش عبر تحريك قوات من جبهات الحرب الأخرى المُجمدة من سنوات.

وتُتهم السعودية التي تقود التحالف العربي في حرب اليمن بعدم تقديم الدعم الكافي للقوات المقاتلة في مأرب، وذلك نكاية بحزب التجمع اليمني للإصلاح، المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، والمتهم طوال السنوات الماضية بالسيطرة على المدينة الغنية بالنفط والثروات الطبيعية الأخرى.

وسبق للجيش اليمني أن وجه اتهاماتٍ للسعودية بالخذلان في معركة الجوف العام الماضي، لأنّ طائرات التحالف السعودي لم تقم بأي عمليات استهداف مباشرة لقوات الحوثيين، وهو ما أجبر الجيش بعدها على الانسحاب تاركًا آلياته العسكرية غنيمة سهلة للحوثيين.

يقول المحلل السياسي اليمني ياسين التميمي لـ«ساسة بوست»، والذي يكتب مقالات تحليلية للوضع في اليمن في أكثر من صحيفة عربية: «السعودية لا تريد أن تسقط مأرب، لكنها أيضًا ليست مستعدة لتقديم مساعدات عسكرية تسمح بإعادة المبادرة للجيش وتمكينه من الهجوم على الحوثيين، وهي تريد أن يقتتل الطرفان ويصلان معًا إلى مرحلة الانهاك ومن ثم تفرض التسوية التي تريدها».

وبحسب وكيل وزارة الإعلام اليمني الذي تحدث لـ«الجزيرة»، فيقتصر الدور السعودي حاليًّا في تلك المعركة الفاصلة على القصف الجوي لأماكن وجود الحوثيين، دون تقديم أسلحة متطورة ونوعية على الأرض، تمكنه من كسر هجمات الحوثي والتقدم في تلك الجبهات.

وحتى الآن، تغيب كل المعلومات الموثقة من قبل طرفي النزاع بشأن سير المواجهات على الأرض، فيما يزعم كل طرفٍ إمساكه بزمام المعركة، بينما تُشير الشواهد على الأرض، وأبرزها عامل الوقت، أنّ الحرب التي دخلت أسبوعها الرابع بوتيرة انتحارية مكثفة تتحول لحرب استنزافٍ تأكل كل أطرافها.

 ماذا تمثل معركة مأرب لكل أطراف النزاع؟

تريد جماعة الحوثي تغيير ديناميكية الصراع على الأرض بإسقاط مأرب، وبذلك يستعيد الحوثيون كافة المناطق الشمالية التي سيطروا عليها قبل اندلاع عاصفة الحزم في مارس (آذار) عام 2015، وهو ما يعني سياسيًا وعسكريًا فشل الحملة السعودية في حرب اليمن.

خريطة تقاسم مناطق سيطرة القوى المتحاربة في اليمن 2021 المصدر: الجزيرة

الجماعة أيضًا صعّدت هجماتها تزامنًا مع رفع اسمها من قوائم الإرهاب الأمريكية، ووقف دعم الولايات المتحدة للسعودية في حرب اليمن، مع بدء حراك أممي وأمريكي مكثف لبدء عملية سلام تجلس فيها كل الأطراف على الطاولة، ويريد الحوثيون حلًا نهائيًا لوجودهم وتمثيلهم السياسي في زمن ما بعد الحرب، لذا يخوضون معارك استنزافٍ لإطالة أمد الصراع حتى لو استنزفت قواتهم، تحديدًا خلال المعركة الدائرة.

من وجهة نظر عسكرية، فاستمرار وجود مأرب تحت سيطرة الحكومة الشرعية، وقوات حزب الإصلاح يمثل تهديدًا وجوديًا لصنعاء التي باتت العاصمة السياسية للحوثيين، لذا فلم يكن النفط وحده هو ما دفع الجماعة لحشد كل ثقلها لمحاولة انتزاع المدينة بأي ثمن.

بالنسبة للإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي، فسقوط مأرب يفتح الباب لإحياء مشروع الانفصال، كما أنه يعني هزيمة أخرى للغريم السياسي الممثل في حزب الإصلاح اليمني، وهو ما يُفسر عدم إرسال المجلس أية قواتٍ جنوبية للمشاركة في المعركة التي تعد حاليًا أهم معركة فاصلة في تاريخ حرب اليمن.

ورغم مشاركة المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا، في الحكومة اليمنية بموجب اتفاق الرياض الموقّع في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2019، فإنّ رئيسه عيدروس الزُبيدي، سبق وأعلن تمسكه بخيار الانفصال، وفق ما أسماه «السير في طريق آمن نحو تحرير أرضه واستعادة دولته».

معركة مأرب التي تعد حاليًا أهم جبهة للحرب، أخذت شكلًا طائفيًا خاصة بعدما أعلن تنظيم «القاعدة» رسميًا انضمامه لقوات الجيش اليمني ضد تمدد جماعة الحوثي، وهو ما بدا أنه تحالف يتكون من المقاومة الشعبية للمدينة إلى جانب مقاتلين من حزب الإصلاح والجيش اليمني يواجهون جميعًا الحوثيين الذين ينتمون إلى المذهب الزيدي، أحد امتدادات الإسلام الشيعي.

ظهور أبو الحسن المصري المطلوب أمنيًا أضفى طابعًا مذهبيًا للنزاع، خاصة بعدما أعلن مبررات حربه على الحوثيين تحت مسوغ الدفاع عن العقيدة التي يعتبرها مُهددة في حال سقطت المدينة التي يغلب على سكانها المذهب السني، وسبق للتنظيم أن أعلن حربًا مذهبية على الحوثيين عقب استيلائهم على العاصمة اليمنية صنعاء، وطالب أهل السنة بحمل السلاح لقتال الحوثيين، على اعتبار أنهم يمثلون امتدادًا للمشروع الإيراني في اليمن.

بالنسبة للسعودية، فهي لا يمكن أن تسمح بسقوط مأرب بيد الحوثيين، لكنها في الوقت نفسه ترغب في إنهاك قوات حزب الإصلاح واستئصال شوكتها بخوض حرب استنزافٍ مع الحوثيين، وهو السيناريو نفسه الذي تكرر في صنعاء عام 2014، حين تركت الرياض عدوها «الشيعي» يستأصل شوكة عدوها السني، ثم قررت بعدها بستة أشهر خوض حرب اليمن تحت شعار «إعادة الشرعية».

سيناريو إسقاط مأرب لا يعني للحكومة اليمنية سوى أن يُصبح حسم الحرب حُلمًا صعب المنال؛ لأنها تُمثل حائط صد لمحافظات الجوف وصعدة وعُمران وصنعاء من جهة، بينما تشكل خطرًا وتهديدًا مُباشرًا على المحافظات النفطية المجاورة من الشرق (حضرموت، وشبوة) المتاخمتين لها.

3 سيناريوهات لليمن.. ماذا بعد سقوط أو صمود مأرب؟

حتى الآن، تختفي كافة نتائج المعركة الحقيقة في ظل تضارب الأنباء بين كافة أطراف النزاع حول المتحكم الفعلي حاليًا في دفة الصراع، وهو ما قد يكون مؤشرًا على عدم ميل كفة الحرب لصالح أي طرفٍ حتى الآن، وهو ما يؤكده طول المعارك واستمرارها دون إعلان بيان النصر أو الهزيمة.

Embed from Getty Images

وفي حال سقطت مأرب على يد الحوثي، فالسيناريو الأول المتوقع حدوثه، هو أن يفرض المنتصر شروطه باستبعاد الحكومة من أية مفاوضات محتملة، لأنها رغم أنها تحظى بشرعية دولية، فإنها لا تمتلك أي ثقل على الأرض، في ظل إحكام الحوثيين السيطرة على 12 محافظة من أصل 22، وهو ما قد يتسبب لها بالخروج التدريجي من المشهد، ويعرقل هذا السيناريو سؤال واحد ما زال يُطرح طيلة سنوات الأزمة: «من يخلف الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي؟».

ويسعى الحوثيون بعد الوصول إلى مدينة مأرب للتقدم شرقا نحو حقول صافر النفطية، وهو التقدم الذي يفتح شهية الحوثي على محافظة حضرموت النفطية المجاورة، وهي آخر الأهداف العسكرية للحوثيين الذين لا يضعون في مخططاتهم شنّ حرب مع الجنوب.

السيناريو الثاني يتمثل في صمود المدينة التي تستبسل في صد الهجوم وهي تخشى سيناريو التشريد، والوقوع في قبضة الحوثي لا يعني سوى استمرار الحرب، وهو ما يخلف أزمة إنسانية قد لا تحتملها المدينة التي استقبلت أكثر من مليونين من النازحين، وبحسب بيانات أممية، فالقتال المحتدم منذ عام على خطوط الجبهة عند مأرب شرد أكثر من 106 آلاف شخص، مع مخاوف بتشريد 385 ألفًا آخرين.

طول الحرب نفسها يُنذر بكارثة في العتاد والعدد لكلا طرفي الصراع، فالمعركة الحالية هي الأشد في حروب اليمن منذ معركة ميناء الحديدة عام 2018، ويتعرض الحوثيون حاليًا على وجه الخصوص لعملية استنزاف مالي وبشري، قد تؤثر فيهم في معارك لاحقة، ويرى الحوثيون أنهم يواجهون حاليًا أشد خصومهم -الإصلاح- في معقلهم الأخير.

ويشكك مراقبون في أن تنجح السعودية في التوصل إلى اتفاق مع الحوثيين بخصوص أمن الحدود ومستقبل اليمن السياسي في حال تمكنوا من إسقاط مأرب بعد تحييد الإصلاح، لذا تواجه المملكة حاليًا تحذيرات بأنها ترتكب خطأً إستراتيجيًا ممثلًا بتجاهل المعركة على الأرض، واكتفائها بالقصف الجوي المحدود.

السيناريو الأخير هو أن تتمكن المحافظة من صد الهجوم الحوثي، وإرجاعه خُطوات للخلف إلى ما وراء مواقعه القديمة، وهو ما يعني أنّ الحوثيين أحرقوا ورقة رابحة ممثلة في التجاهل الأمريكي الأخير للتصعيد الجاري، الذي تزامن معه رفع اسمهم من قوائم الإرهاب دون الحصول على أيّة ضمانات أو تحذيرات لوقف الهجوم على مأرب، وهو ما اعتبره البعض أنّ الحوثيون فهموا منه أنهم حصلوا على ضوء أخضر لمعركتهم الفاصلة.

لكنّ خسارة الحوثي الحرب، لا يعني سوى خسارتهم جولة من جولات القتال، على عكس أعدائهم، فالإصلاح يواجه مصيره الأخير في مأرب، والحكومة الشرعية على وشك خسارة معقلها الأخير في الشمال، والسعودية نفسها مُهددة بفشل حرب اليمن فعليًا برمتها، واليمن ينتظر قرار تقسيم بدا أقرب إلى واقع قريب لإنهاء الأزمة في نظر الكثيرين، وهي المعطيات التي تختلف في نتائجها، لكنها ترسم جميعها واقعًا قاتمًا لمستقبل اليمن.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد