حصاد معركة الموصل

تدشن اليوم معركة الموصل أسبوعها الثاني، منذ أن أعلن رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، انطلاق عملية التحرير، فيما لا تزال المواجهة مستمرة بين الجيش العراقي، المدعوم من قبل طيران التحالف الدولي، ومسلحي «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش).

تمكنت القوات العراقية من استعادة مناطق عدة من قبضة «تنظيم الدولة الإسلامية»، تشمل عشرات القرى جنوب الموصل وتتقدم باتجاه الشمال، منها مدينة برطلة، التي تبعد نحو 15 كلم شرقي الموصل، وتحارب الآن لتحرير قرقوش أهم المدن العراقية ذات الغالبية المسيحية.

أما في الجبهة الشرقية فقد سيطرت قوات البشمركة، بمساعدة قوات النخبة العراقية المتخصصة في مكافحة الإرهاب، على مجموعة من المناطق بسهل نينوى، وتستمر في محاولتها لاقتحام منطقة بعشيقة.

بينما واجه «تنظيم الدولة» الهجوم العراقي بالعمليات الانتحارية والسيارات المفخخة، كما شنَّ هجومًا مباغتًا على مدينة الرطبة وكركوك، مما تسبب في مقتل وجرح عدد من الجنود العراقيين.

وأعلن الجيش العراقي في بيان له تحرير 75 قرية ومنطقة بعد طرد «داعش» منها، منذ بداية المعركة قبل أسبوع، ومقتل 772 مسلحًا من «تنظيم الدولة»، بينهم «أبو أسامة»، أحد مساعدي زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، اعتقال 23 آخرين، وتدمير 127 سيارة مفخخة، و40 موقعًا دفاعيًا، وستة مدافع مضادة للطائرات، والاستيلاء على تسعة مدافع هاون.

في حين نشرت وكالة «أعماق»، التابعة لتنظيم الدولة، إحصائية خاصة بها عن معركة الموصل، تقول إن التنظيم تمكّن من قتل 819 عنصرًا من القوات العراقية والبشمركة خلال سبعة أيام فقط، أي بمعدل 117 عنصرًا في كل يوم من المعركة، وأن 58 انتحاريًا من عناصر التنظيم فجروا أنفسهم في معركة الموصل خلال الأسبوع، بمعدل ثماني عمليات انتحارية يوميًا. ولم تؤكد جهة رسمية هذه الإحصائيات.

من جهته، أعلن التحالف الدولي بقيادة واشنطن أنه نفذ 32 غارة على المنطقة في أسبوع، قال إنه دمر خلاله 136 موقعًا قتاليًا و18 نفقًا و26 سيارة مفخخة.

هذا وتكتسب مدينة الموصل بالنسبة لداعش أهمية قصوى لحملتها الدعائية، إذ منها أعلن زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي إقامة ما سماه بـ«الخلافة»، بالإضافة إلى أن الموصل هي ثاني أكبر مدينة عراقية، مما يجعل تحريرها ضربة قاسمة لتنظيم «دولة العراق والشام الإسلامية»، قد تفقده بريق الشهرة، الذي يحظى به في أوساط الجهاديين.

«تكتيكات» حرب الموصل

وفي الوقت الذي تستمر فيه المعارك، يظهر أن القوات العراقية تتقدم بشكل سريع حتى الآن باتجاه الموصل، من دون أن يعني ذلك هشاشة مقاومة مسلحي تنظيم «الدولة»، حيث يواجه الهجوم العراقي بشكل عنيف ومفاجئ، بالاعتماد على حرب العصابات، ويملك كل منهما نقاط ضعف وقوة من الناحية العسكرية والتكتيكية.

ويبدو أن الميزان العسكري يميل لصالح القوات العراقية، والتي تشن هجومًا متعدد المحاور، عبر ثلاثين ألف رجل من جنود الجيش العراقي وقوات البشمركة ومجموعات عراقية مسلحة، في حين تقدّرُ أعداد مسلحي «داعش» في الموصل بـين ثمانية وعشرة آلاف، حسب تقارير الاستخبارات الأمريكية.

كما يشكل الدعم الجوي الذي يوفره طيران التحالف الدولي بقيادة واشنطن سندًا أساسيًا في عملية تحرير الموصل، إذ تعمل غاراته الجوية على تدمير وحدات التنظيم على الأرض، من دون أن يستطيع التنظيم مجابهتها، بالإضافة إلى المعلومات التي توفرها طائرات التحالف الاستطلاعية، التي بفضلها تسهل مراقبة توزيع المسلحين على الأرض.

بالمقابل، يعي تنظيم «الدولة الإسلامية» جيدًا أن التفوق العسكري يميل لصالح القوات العراقية، ومن ثمّ يتجنب المواجهة المباشرة مع الجيش العراقي المدجج بالأسلحة، ويعتمد بدلًا من ذلك على حرب العصابات.

وقد كان لتنظيم «داعش» متسع كاف من الوقت استغله جيدًا للاستعداد للمعركة، حيث قام بتفخيخ الطرق والبنايات بالموصل، وحفر شبكة أنفاق يمكن الاختباء فيها ومباغتة العدو، وغرس الخلايا النائمة المختلطة بالسكان، والجاهزة لتنفيذ العمليات الانتحارية ولتفعيل السيارات المفخخة في وجه القوات العراقية المقتربة، علاوة على إشعال الحرائق السامة كثيفة الدخان لصد الهجوم العراقي.

كل تلك التكتيكات التي يعتمد عليها تنظيم «الدولة الإسلامية» في حربه، تقلل من فعالية قدرات التفوق العسكري للقوات العراقية عددًا وتسليحًا، وتجعل تقدم الجيش العراقي بداخل الموصل مكلفًا من حيث الأرواح والعتاد، بسبب العمليات الانتحارية والسيارات والطرق المفخخة بالعبوات الناسفة.

لكن تبقى طائرات الحلف الدولي المتطورة، قادرة على إلحاق الضرر العنيف بوحدات التنظيم، بفضل قدرتها على الرصد الدقيق وتوجيه الهجوم، وقامت الغارات الجوية للتحالف حتى الآن بإفساد حوالي 400 عبوة ناسفة و127 سيارة مفخخة، كانت لتشكل خطرًا كبيرًا على القوات البرية، كما تذكر قيادة العمليات المشتركة العراقية.

ويتوقع الخبراء العسكريون أن يطول أمد معركة الموصل لأسابيع عديدة، في ظل اعتماد التنظيم على تكتيكات حرب العصابات والاختلاط بالسكان، مما يضع تحديًا ضخمًا أمام القوات العراقية لتحرير المدينة، ولا سيما أن التنظيم يملك خطًا مفتوحًا للإمداد بالسلاح والمسلحين انطلاقًا من سوريا، وأفراده على استعداد للمواجهة حتى الموت.

وتأمل القوات المشتركة في اندلاع مقاومة من داخل الموصل، بعد تردد أنباء بظهور بوادر تمرد ضد داعش، إلا أن التنظيم يبدو أنه لا يزال متماسكًا ويسيطر بقبضة حديدية على الموصل وسكانها.

المدنيون في الموصل

ويعاني المدنيون في الموصل من ظروف عيش قاسية، بالإضافة إلى القمع والترهيب والإعدامات، التي يمارسها تنظيم «الدولة الإسلامية» منذ أن سيطر على المدينة، لتأتي الحرب وتزيد المخاطر على حياتهم، فإذا ما اختاروا الهرب سيكون مجازفة جراء الطرق المفخخة ونيران المعارك، أما إذا قرروا البقاء فإن اختلاط عناصر التنظيم الجهادي بالسكان وتحصنهم في الأحياء السكنية، يعرض المدنيين للضرر.

وكانت الطائرات العراقية قد أسقطت آلاف المنشورات بمدينة الموصل، توصي السكان بالمكوث في بيوتهم والتعاون مع القوات العراقية والثبات حتى طرد مسلحي التنظيم من مدينتهم، إلا أن بعض الجهات السياسية والحقوقية تتخوف من عمليات انتقامية ربما يفعلها الحشد الشعبي بعد تحرير المدينة.

وتتوقع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة، نزوحًا جماعيًا لسكان الموصل إثر الحرب، وتستعد لذلك بثلاثين ألف خيمة تكفي لإيواء 150 ألف نازح، كما تجري استعدادات للمنظمات الإغاثية لاحتواء الأزمة الإنسانية التي يغرق فيها السكان بعد طرد مسلحي «تنظيم الدولة» من مدينة الموصل.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد