الحملات البيزنطية المتتالية ضد السلاجقة الروم، الأتراك، جعلت السلاجقة يخضعون في النهاية لسلطان البيزنطيين، وفي عام 1161م، اعترف السلطان السلجوقي «قلج أرسلان الثاني» بنوعٍ من التبعية للبيزنطيين، ووقع معهم اتفاق سلام، وتعميقًا للاتفاق زار أرسلان القسطنطينيَّة التي كانت تابعة للبيزنطيين، فاستقبله مانويل كومنينوس استقبالًا فاخرًا، جعل أرسلان، يتجاهل حقيقة أن مانويل قد عرَّفه بأنه ضيف شرف تابع للإمبراطورية.

تاريخ

منذ 6 شهور
موقعة ملاذكرد 1071.. عندما فُتِحَت أبواب العالم والتاريخ للأتراك

المشروبات التي شربها الاثنان في الاستقبال الأسطوري أطفأت نار العدواة بينهما لأعوام لاحقة، لكن السلام ذاب تحت شمس الهضبة الوسطى القاحلة؛ إذ أراد السلاجقة الانتقال إلى الأراضي الساحلية المعروفة بخصوبتها، والبيزنطيون ما زالوا يتذكرون خسارتهم المفجعة في معركة «ملاذ كرد»، وأرادوا استعادة أراضيهم التي فقدوها فيها.

لم يعد من العودة للحرب بين الاثنين بدٌّ، خاصةً أن فترة السلام الهشة منحت كلًّا منهما فرصةً للتخلص من أعدائه الآخرين. مانويل ركز على الغرب فهزم المجر وأحكم قبضته على البلقان، وأخضع أنطاكية للإمبراطورية مرةً أخرى، أما أرسلان الثاني فقد تخلص من منافسيه الداخليين، وحين توفي نور الدين زنكي، وحلَّ صلاح الدين الأيوبي محلَّه، وجَّه صلاح الدين جيوشه لمصر والقدس، فبات أرسلان في مأمن من جميع الجهات فتقدم نحو إمارات شرق الأناضول.

من الشرق طرد أخاه، شاهينشاه، الذي كان هو الآخر متحالفًا مع بيزنطة، فالتجأ إليها طلبًا للحماية. آواه مانويل، وطلب من أرسلان أن يُعلن الأراضي التي غنمها من أخيه أرضًا تابعةً للإمبراطورية البيزنطية، كما هو منصوص في اتفاقية السلام بينهما، ماطل أرسلان حتى أعلن عام 1175م، رفضه الصريح لذلك؛ فانهار الصلح، ودقت طبول الحرب.

السير للفخ بعيون مفتوحة

الجيش البيزنطي كان أكبر مما تخيَّل أرسلان، جيش ينتشر بخيامه وفيالقه على مساحةٍ تزيد على 15 كيلومترًا مربعًا، لذا طلب أرسلان العودة للمفاوضات، وعقد سلام جديد، أما مانويل فقد كان واثقًا في تفوقه العددي والمعنوي، فرفض السلام، وقرر السير في المعركة حتى النهاية.

قسَّم مانويل جيشه لقسمين الأول تحت قيادة أندرونيكوس فاتزيس نحو أماسيا، والقسم الأكبر نحو عاصمة سلاجقة الروم. الاغترار بالعدد جعل مانويل وقادته يغفلون حقيقة أن كلا القسمين يجب أن يمر بطرق مليئة بالأشجار والغابات الكثيفة، ما يعني أنه من السهل والمتوقع أن ينصب السلاجقة الأتراك كمائن لهم، وبالفعل جرى تدمير معظم الجيش المتجة لأماسيا بكمين رابَطَ في الغابات الكثيفة، حتى إنهم قتلوا أندرونيكوس.

أما القسم الثاني الذي يقوده مانويل بنفسه؛ فلم يستطع الأتراك مجابهته فدمروا المحاصيل الزراعية ليمنعوا الجيش من الطعام، كما سمموا منابع المياه، فجعلوا مسيرة مانويل جحيمًا، ووضع أرسلان كمائن صغيرة في أماكن متفرقة لتوجيه سير جيش مانويل نحو نقطة يريدها أرسلان، داخل ممر جبلي في وادي ميندر قرب قلعة ميريوكيفالون.

وقع مانويل في الفخ ووصل إلى حيث أراده أرسلان، لم يحاول مانويل التريث حتى يخرج له السلاجقة فيقاتلهم في سهل فيلوميليون موقع انتصار جده أليكسوس، بل بدأ الهجوم فورًا. برز له السلاجقة وفي مقدمتهم رمح مرتفع يخترق رأسًا يعرفها مانويل جيدًا، رأس أندرونيكوس.

الآن اجتمع على الجيش البيزنطي الجوع والعطش، وهزال الخيل، وضعف الروح المعنوية، وغرور قائدهم، وقرار غير منطقي بالمرور من ممر جبلي ضيق. 40 ألف جندي انقسموا إلى عدة كتائب تخرج من الممر الجبلي تباعًا، نجحت أول كتيبتين من المرور بسلام، إما أن السلاجقة تركوهم ليغروا بهم باقي الجيش ليمر مطمئنًا، وإما الأقرب للصحة أن السلاجقة لم يكونوا قد اتخذوا مواقعهم على الجبال بشكل كافٍ يسمح لهم بإحكام الفخ المنتظر.

السلاجقة ينقضُّون والإمبراطور يُصاب بالهلع

الكتيبتان اللتان مرتا، قررا الانتشار أمام الممر ليجبرا السلاجقة على التراجع؛ كي يخرج باقي الجيش البيزنطي، وبالفعل فرَّ السلاجقة من أمامهم فاطمئن البيزنطيون، ولم يدركوا أن السلاجقة فروا لمواقع أكثر ارتفاعًا على الجبل. الكتائب البيزنطية اللاحقة تخلَّت عن الحذر، عبر الممر دون أن تتخذ تشكيلًا دفاعيًّا مغلقًا، لم يضعوا الدروع فوق رؤسهم كي تقيهم احتمالية تساقط السهام من الأعلى.

Embed from Getty Images
هنا بات الأمر سانحًا للأتراك بالهجوم، انفرط عقد الكتائب البيزنطية وانهزمت سريعًا. الجنود الهاربون يجرون في اتجاهات عشوائية؛ ما يجعل اصطيادهم سهلًا، وبعض القادة قتلوا مثل قائد الجناج الأيمن البيزنطي. ثم توجهت فرقة من الأتراك نحو الإمدادات فأحرقتها، وقتلت الخيول وهشَّمت عربات الإمداد بالطعام ووسائل التنقل المختلفة، وقتلت فرقة أخرى قائد الجناح الأيسر.

ذُعر الجنود البيزنطيون بسبب المذبحة التي وجدوا أنفسهم فيها دون سابق إنذار، وجاءت عاصفة ترابية لتمنحهم هدنةً من هجوم الأتراك، لكن مانويل لم يستغلها، فقد أُصيب هو الآخر بالهلع وجلس في مكانه ينتظر مصيره المحتوم. طال ارتباك السلاجقة بفعل العاصفة فاستعاد مانويل قدرته على التفكير، ونظم صفوف جنوده وقادته للانسحاب من خلف الحطام المتناثر.

أثناء فراره من الخلف، تلاقى الإمبراطور مع بعض الكتائب الناجية فكوَّنوا معًا معسكرًا بعيدًا عن موقع المعركة، لكن رماة السلاجقة لم يتركوهم يحظون بالراحة ليلًا. هجمات متتابعة دفعت مانويل لتوجيه قادته بشن هجومين على السلاجقة لكن دون جدوى، استمرت السهام في السقوط.

مانويل يتذكر ملاذ كرد ويدَّعي الفوز

رغم التفوق الواضح للسلاجقة، فإن الطرفين عانيا من خسائر في الجنود وفي السلاح، صحيح لا يمكن مقارنة خسارة البيزنطيين الفادحة، التي وصلت إلى حد موت نصف الجيش في تقديرات بعض المؤرخين وإصابة النصف الآخر، لكن بالنسبة لعدد السلاجقة القليل فإن الخسائر كانت كافية لزعزعة شعورهم بالتفوق لفترة طويلة. وتقول بعض الروايات أن القتلى جرى قطع فروة رأسهم وتشويه أعضائهم التناسلية؛ كي لا يُمكن للبيزنطيين تمييز المختونين المسلمين، من غير المختونين البيزنطيين.

لذا كان أرسلان حريصًا على الجلوس سريعًا إلى طاولة المفاوضات، فأرسل رسولًا إلى مانويل بهدايا نفيسة يدعوه بها إلى التفاوض. انتهت المفاوضات بالسماح للجيش البيزنطي بالانسحاب دون تحرش من جيش السلاجقة، في مقابل أن يُخلي مانويل الحاميات التابعة له ويتركها للسلاجقة، وخاصة حصنَي دوريليوم وسوبلايوم.

لكن عند انسحاب الجيش البيزنطي، تعرض لمضايقات من رجال القبائل التركمانية؛ التي كانت سيطرة قلج أرسلان، ضعيفةً عليها، استغل مانويل تلك المضايقات شاهدًا على أن أرسلان لم يتلزم بالصلح كاملًا، فقرر هو الآخر ألا يلتزم، فأخلى حاميات سوبلايوم، قليلة الأهمية، وظل متحكمًا في دوريليوم شديدة الحيوية.

 

لم يستطع أرسلان أن يلاحق مانويل أو أن يجبره على الخضوع بشروط أشد؛ ربما لأن معظم جيش أرسلان كان من غير النظاميين؛ فانشغلوا عند الفوز بجمع الغنائم، ما تركه ضعيفًا لا يتوقع الصمود إذا قرر مانويل الارتداد بجيش جديد؛ أما مانويل فقد أرسل رسالةً للقسطنطينية يروي لهم فيها هزيمته ويشبهها بهزيمة ملاذ كرد، لكنَّه في آخر الرسالة تفاخر بالصلح الذي عقده مع قلج أرسلان قائلًا إنه هو من بدأ المفاوضات، وبأنه أخضع أرسلان للمفاوضات رغم أن راية أرسلان كانت الأعلى، وكانت قواته هي المنتصرة، لكن مانويل بحُجته استطاع الفوز بالمفاوضات.

الهزيمة في ميريوكيفالون، لم تؤثر اقتصاديًّا في البيزنطيين تأثيرًا كبيرًا؛ فقد استطاعوا هزيمة السلاجقة في معركة هيليون وليموشير على ضفاف نهر ميندر في العام التالي، كما دارت عدة معارك صغيرة بين الطرفين كان الفوز فيها سجالًا، لكن أثر ميريوكيفالون، كان استراتيجيًّا مثلما كان الحال في معركة ملاذ كرد.

تاريخ

منذ شهرين
إحداها دامت 40 دقيقة فقط.. أقصر 6 حروب في التاريخ

أعادت ميريوكيفالون التوازن بين القوتين، وأدركت الإمبراطورية البيزنطية أنها ليست قادرة على إزالة دولة السلاجقة، كما توقفت الإمبراطورية عن محاولات السيطرة على داخل الأناضول. ومع وفاة مانويل انتهت المحاولات البيزنطية الحقيقية للسيطرة على الأناضول، فكانت ميريوكيفالون، آخر المحاولات، وكانت الهزيمة فيها إعلانًا لكل اللاحقين أن هضبة الأناضول قد خرجت عن سيطرة الإمبراطورية للأبد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد