ربما يعلم الكثير نهاية وسقوط الأندلس عام 1492، وذلك بعد سقوط دولة بني الأحمر في غرناطة، آخر ممالك المسلمين التي بقيت في الأندلس. لكن في الحقيقة كانت هناك مقدمات لها السقوط المدوي، وكانت معركة «طريف» أو «Battle of Río Salado» واحدة من تلك اللحظات الفاصلة في تاريخ الأندلس، والتي تعد بداية النهاية عسكريًا للأندلس بعد أن انتهى زمن الدعم العسكري المغربي.

التدخل المغربي في الأندلس

كان سقوط مدينة طليطلة بمثابة زلزال قوي ضرب الأندلس في فترة حكم ملوك الطوائف، ففي محاولة من الملوك المسيحيين الإسبان لاستعادة الأندلس، تركزت أعينهم على مدينة طليطلة، تلك المدينة الإستراتيجية الهامة وسط الأندلس، والتي تعد بمثابة واسطة العقد في بلاد الأندلس، فلو سقطت فمن المرجح أن تسقط بعدها قرطبة، وغرناطة، وإشبيلية تباعًا، وبالفعل في عام 1085 تمكن الملك فرديناند الأول من الاستيلاء على المدينة.

بعد سقوط طليطلة لجأ علماء المسلمين إلى المغرب الأقصى؛ حيث كانت دولة المرابطين في أوج قوتها، طالبين التدخل لوقف زحف الإسبان، ووافق يوسف بن تاشفين مؤسس دولة المرابطين على طلب الوفد الأندلسي. من هنا بدأ التدخل المغربي في الأندلس عسكريًا على مدار سنوات عديدة تالية، وحتى بعد انتهاء حكم المرابطين، استمرت دولة الموحدين في التدخل في الأندلس في مواجهة التمدد الإسباني، ودارت عمليات كر وفر بين الطرفين المغربي الأندلسي من جهة والإسباني من جهة وسط عمليات استيلاء الإسبان على بعض المدن الأندلسية تباعًا.

ما قبل معركة طريف

في عام 1330، هزم سلطان غرناطة محمد الرابع في معركة «طيبة» على يد ملك قشتالة ألفونسو الحادي عشر، ضمن سلسلة من المعارك المتوالية بين الطرفين. أرسل محمد الرابع إلى أبي الحسن علي سلطان الدولة المرينية، التي كانت تمتد على حساب سيطرة دولة الموحدين في المغرب؛ لمساعدته في الحفاظ على بقائه، فأرسل أبو الحسن أسطولًا بحريًا و5 آلاف جندي نزلوا في الجزيرة الخضراء في أوائل عام 1333.

شرع هؤلاء في مساعدة ملك غرناطة في الاستيلاء على البؤر التي استولى عليها الإسبان (القشتاليون) في جبل طارق، وهو ما فعله بعد أقل من شهرين، ثم قاموا بحملة محدودة لإعادة توحيد هذه الأراضي وضمها إلى مملكة غرناطة، وفي نفس الوقت في المغرب العربي كان أبو حسن يحشد جيشًا ضخمًا ليقوم بغزو قشتالة (مملكة الإسبان في الأندلس) بهدف القضاء على التقدم المسيحي الذي وقع خلال القرن الماضي.

كان هذا الغزو محاولة أخيرة قام بها المرينيون بقيادة أبي الحسن لإقامة قاعدة في شبه الجزيرة الأيبيرية. حشد المرينيون المغاربة جيشًا كبيرًا، فخلال شتاء عام 1340 جمع أبو الحسن أسطوله المكون من 60 سفينة حربية و250 سفينة أخرى مركزة في سبتة تحت قيادة محمد بن علي الأزافي. أنزلت هذه السفن الجيش المغربي في جبل طارق، وفي الثامن من أبريل (نيسان) 1340، التقى الأسطولان المريني والقشتالي في المضيق، حيث استطاع الأزافي حصار وتدمير أسطول القشتاليين.

عبر أبو الحسن مضيق جبل طارق في 14 أغسطس (آب) 1340، ونقل جميع القوات والإمدادات خلال الصيف إلى الأندلس، وتحديدًا بالقرب من منطقة طريف، وهي حاليًا بلدية ضمن مدينة قادش في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية في منطقة مضيق جبل طارق وفي مواجهة المغرب، وفي 22 سبتمبر (أيلول) فرض الحصار على طريف رسميًا.

لكن السلطان أبا الحسن ارتكب خطأً فادحًا بحسب بعض المؤرخين؛ إذ اعتقد السلطان أن القشتاليين سيستغرقون عدة أشهر حتى يتمكنوا من إعادة بناء أسطولهم، وعلى أمل تقليل التكلفة الهائلة للحفاظ على أسطوله قام أبو الحسن قبل الأوان بإعادة معظم أسطوله.

معركة طريف.. استعدادات الطرفين

في هذه الأثناء سعى ألفونسو الحادي عشر للحصول على مساعدة الملك أفونسو الرابع ملك البرتغال، والذي أرسل أسطولًا بحريًا برتغاليًا، ودفع أيضًا مقابل خدمات 15 سفينة من جنوة، هذا بالإضافة إلى 27 سفينة تم الانتهاء منها على عجل في إشبيلية، وظهرت هذه الأساطيل المسيحية في مضيق جبل طارق في أكتوبر (تشرين الأول)؛ مما أدى إلى قطع طرق الإمداد بين المغرب وقوات أبي الحسن الذي أصبح في موقف صعب، ليس فقط لأن القوات التي تحاصر طريف كانت تعتمد على الإمدادات من المغرب، ولكن أيضًا كانت مملكة غرناطة في حاجة إليها.

في 10 أكتوبر دمرت عاصفة شديدة 12 من سفن القشتاليين، وفي نفس اليوم شن السلطان هجومًا شاملًا على طريف، وهو الهجوم الذي تم صده بالكاد مع خسائر فادحة وقعت في كلا الجانبين. هذا الأمر استدعى مغادرة ألفونسو الحادي عشر إشبيلية في 15 أكتوبر بجيش إغاثة، وانضم إلى ملك البرتغال في اليوم التالي، ثم انتظروا قدوم المزيد من الوحدات القشتالية والبرتغالية.

في 26 أكتوبر عبر الجيش المشترك، الذي يبلغ قوامه الآن 20 ألف جندي، إلى أراضي جيش أبي الحسن، الذي أمر برفع الحصار عن طريف، واتخذ جيشه موقعًا على تل بين طريف والبحر، وفي 29 أكتوبر وصل الجيش المسيحي على بعد ثمانية كيلومترات من طريف، وقرر ألفونسو الحادي عشر الهجوم في اليوم التالي.

خلال الليل أرسل ألفونسو الحادي عشر ألف حصان و4 آلاف جندي مشاة لتعزيز حامية طريف، على أمل مفاجأة الحرس الخلفي للجيش المغربي أثناء المعركة. لم يواجه هؤلاء سوى مقاومة طفيفة من قبل 3 آلاف جندي ليتمكنوا من الوصول إلى طريف دون صعوبة، إلا أن الضابط الذي كان يقود سلاح الفرسان أبلغ أبا الحسن أنه لم يتمكن أي مسيحي من دخول طريف ليلًا، لا يعرف إذا كان قد قدم تقريره بحسن نية، أو خوفًا من الاعتراف بالفشل، لكن هذا الإغفال كانت له عواقب وخيمة في اليوم التالي.

طريف.. يوم المعركة

في يوم 30 أكتوبر انطلقت المعركة بهجوم الإسبان والبرتغاليين الذين بدأوا في عبور النهر الفاصل بين الجيشين المتقاتلين، لكن بعض القادة المسيحيين نجحوا في الاستيلاء على أحد الجسور في الميمنة ليعبر فوقه 800 فارس، ثم 1500 فارس آخر لتتم عملية عبور النهر بنجاح.

في الوسط، حطم 3 آلاف فارس خطوط جيش المسلمين، وعبروا أيضًا النهر، ليتحركوا سريعًا وبقوة إلى أعلى التل؛ حيث كان معسكر أبي الحسن واضحًا، كما هاجمت القوات المختبئة في طريف معسكر السلطان في نفس الوقت، وانسحبت القوات المدافعة عنه (حوالي 3 آلاف حصان و8 آلاف قدم)، وفر نصفهم، بينما انتقل النصف الآخر إلى القتالي الرئيس في الوادي، حيث كان جيش السلطان لم يزل سليمًا إلى حد كبير.

مع تحرك الجيش المسيحي في الميمنة والوسط بشكل سريع جدًا، وجد ألفونسو الحادي عشر نفسه منعزلًا بشكل خطير، فأمر أبو الحسن بشن هجوم عام، لكن أدى وصول الحرس القشتالي في الوقت المناسب إلى موازنة الوضع، وعندما تقدمت القوات التي كانت تهاجم معسكر السلطان إلى أسفل التل واشتبكت مع جيش السلطان الرئيس من الخلف انكسر جيش المسلمين وبدأ في الهرب.

في الوقت ذاته عبرت الكتيبة البرتغالية النهر وهاجمت جيش غرناطة بأكمله. استغرقت المعركة ثلاث ساعات فقط من التاسعة صباحًا حتى الظهر، لتبدأ عملية مطاردة وقتل جيش المسلمين في واحدة من أصعب الهزائم التي تعرض لها جيش مسلم في الأندلس.

تسببت المطاردة في عزل معسكر السلطان حيث أظهر المسيحيون قدرًا كبيرًا من الحدة، فقتلوا العديد من زوجات السلطان، بما في ذلك زوجته الأولى فاطمة (ابنة سلطان تونس)، وأسروا أقارب آخرين لأبي الحسن، بمن فيهم أخته، وابنه، وابن أخيه، وقتل العديد من الوجهاء في المعركة مثل أبي ثابت بن فتح الله، وأبي محمد غازي بن الكاس، ومحمد بن يحيى بن أبي بكر، وهو أيضًا الكاتب الشهير من غرناطة، وعبد الله بن سالمون، والإمام الشعبي ابن الخطيب. لجأ السلطان إلى جبل طارق، وعبر في تلك الليلة نفسها إلى سبتة في قارب.

نتائج معركة طريف.. لا عودة مغربية إلى الأندلس

لم يعد بإمكان أي جيش مسلم أن يغزو شبه الجزيرة الأيبيرية مرة أخرى بعد هذه الهزيمة الساحقة. فقد أصبحت السيطرة على مضيق جبل طارق الآن تحت هيمنة المسيحيين، وخاصة القشتاليين وجنوة.

تاريخ

منذ شهر
هذا ما كانت عليه التركيبة السكانية في بلاد الأندلس

استمرت الحرب مع غرناطة لـ10 سنوات أخرى حقق خلالها ألفونسو الحادي عشر بعض المكاسب الإقليمية الصغيرة من الجزء الغربي من مملكة غرناطة، والأهم من ذلك استطاع القشتاليون السيطرة على مدينة الجزيرة الخضراء، التي كانت بمثابة مركز إستراتيجي هام في يد المرينيين، بعد حصار دام عامين.

اجتذب هذا الحصار متطوعين من جميع أنحاء أوروبا بسبب الدعاية المكثفة، وأحبطت محاولة استعادة جبل طارق من قبل ملك غرناطة. بهذا أصبحت الأندلس كلها بمفردها في مواجهة المد القشتالي والبرتغالي، وهو المد الذي استمر طوال 150 عامًا حتى وصل إلى سقوط غرناطة، آخر الممالك الإسلامية في الأندلس.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد