«عائدون إليها قريبًا والفتوحات آتية ونحن ننتظر نصرًا من الله»، بصوت جهوري قوي يبدو أن صاحبته اعتادت الخطابة بالفصحى، قالت الجملة السابقة امرأة مكسوة بزي أسود رث، من هامة رأسها إلى أسفل قدمها.

هذه المرأة السورية هي زوجة عنصر من تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» تحدثت أمام الكاميرا بعد أن نجت من معركة الباغوز الواقعة في ريف دير الزور الجنوبي الشرق ونقلت لمخيم الهول شرقي الحسكة (شمال شرق سوريا)، منضمة بذلك إلى 32 ألف نازح في المخيم، كذلك أضافت المرأة أن زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي «أعطاهم الأمر بخروج جميع النساء من الباغوز، من أجل أن يأتوا أزواجهم لاحقًا ليحكموا شرع الله فينا ومن أجل أن يلتفت الرجال للقتال وإقامة الخلافة».

بالطبع، كانت هذه السيدة محظوظة للغاية، فقط نجت حتى في قناعاتها التي زرعها التنظيم من المعركة الأخيرة، فقد حل الموت والدمار في كل مكان في الباغوز؛ نجت تمامًا كنجاة تلك الشعارات التي خطها أهل «أرض الخلافة الإسلامية»، من «باقية ويتمدد» أو «دولة الإسلام باقية»، وبقيت على حطام المنازل التي هدمت أو جدران المرافق العامة التي نال القصف منها في الباغوز.

 معركة الباغوز.. القتال الأخير

في الساعات القليلة الماضية، اشتدت حمى معركة القضاء على «داعش» في جيبه الأخير بسوريا، فتلك المعركة التي تقودها قوات سوريا الديمقراطية «قسد» أخضعت قرية الباغوز التي سيطر عليها «داعش»  منتصف 2014 لقتال مباشر وعنيف منذ 9 فبراير (شباط) 2019.

لقد عرضت «قسد» التي أعلنت في الساعات الماضية التمهل قليلًا عن إعلان النصر على عناصر «داعش» المتبقين يوم 16 مارس (آذار) 2019 مهلة أخيرة ليومين من أجل تسليم أنفسهم، لكن تلك العناصر ردت عرض «قسد» بشن هجمات شرسة عليهم، وإسقاط العشرات من عناصرها بين جريح وقتيل، لذا ما إن حل يوم 16 من الشهر الحالي حتى كانت «قسد»  قد استدعت رصيدها الاحتياطي من القوات وشددت حصارها على جيب الباغوز، معززة بهجمات عتية شنتها طائرات التحالف الدولي (سوريا) بقيادة الولايات المتحدة والمدفعية على الجيب الذي لا تزيد مساحته عن كيلومتر مربع واحد.

وقد أخمدت هذه الضربات يوم الثلاثاء الماضي 19 مارس جميع الأصوات التي كانت تخلفها الانفجارات العنيفة، لتصل الرسالة إلى «قسد» بأن عناصر «داعش» انتهوا ولم يعد باستطاعتهم صد القتال أو المبادرة به، لتزج «قسد» بـ1500 عنصر ترافقهم الآليات وكاسحات الألغام لتمشيط الباغوز، مع أوامر بقتل كل من يصادفهم وعدم قبول استسلام أحد خشية الوقوع بكمائن. في هذه الأثناء كان بواقي مقاتلين «داعش» يفرون باتجاه البساتين والمزارع القريبة من نهر الفرات.

وبالمرور على اللحظات القليلة التي سبقت نهاية المعركة في تلك المنطقة التي تجمُّع مقاتلي «داعش»  وعائلاتهم وغيرهم من المدنيين، ففيها قول لرجل عراقي ( 42 عامًا) تمكن من الفرار، بأنه «كان القصف الجزء الأكثر رعبًا، كان من جميع الجهات، بما فيها الجانب العراقي. امتلأ الحقل بجثث الناس، وكنا جميعا ننبطح لساعات بلا حركة مع تطاير القذائف من حولنا».

وحسب تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش»: «كانت العائلات تبات في العراء لعدة أيام، في درجات حرارة منخفضة جدًا ليلًا، وتحفر خنادق صغيرة في الأرض لحماية نفسها من القصف والضربات الجوية»، ويضيف التقرير: «محاولة الهرب من المناطق الخاضعة لسيطرة «داعش» كانت خطرة جدًا لأن التنظيم عاقب من حاولوا الفرار وفخخ الطرقات، حتى مع تحركهم المستمر هربًا من الهجمات المتواصلة».

القضاء على «داعش» في سوريا بات وشيكًا.. لكن هل ستكون النهاية؟

 

 هل ارتكبت «قسد» مجزرة في الباغوز للخلاص من «داعش»؟

بعد انجلاء غبار المعركة تبين أن مخيم الباغوز الذي أوجدته «داعش» باعتباره حصنًا أخيرًا لها كان مجرد حفر عملاقة (بعمق نحو ثلاثة أمتار) ممتلئة بالأسلحة تحيط بها سواتر ترابية، تجمعت فيها عائلات التنظيم في خنادق غطيت بالقماش، كانت كل خيمة تشكل منزلًا صغيرًا محفورًا في التراب به موقد غاز وبعض المستلزمات الضرورية.

طفل من الباغوز، مصدر الصورة: (شبكات التواصل الاجتماعي)

الأقسى هو ما ظهر عن حال المدنيين الذين حشرتهم «داعش» من الأحياء السكنية داخل الباغوز في هذا المخيم دروعًا بشرية، لقد وقع عدد كبير منهم قتلى جراء قصف «قسد» والتحالف عليهم، فتظهر الصور الأولى جثثًا محترقة متكدسة فوق بعضها البعض، مما حدا بالنشطاء أن يطلقوا على ما حدث بعد نهاية المعركة «مجزرة الباغوز».

في «مجزرة الباغوز»، كانت واحدة من جملة حوادث القتل التي تناقلتها وسائل إعلام معنية بتغطية أخبار محافظة دير الزور السورية، خاصة بقيام عناصر من «قسد» بقتل أم وأطفالها الأربعة بينهم رضيع في الباغوز، وتدليلًا على صحة هذا الواقعة نشرت شبكة «دير الزور 24» مقطعًا مصوّرًا حصلت عليه حصريًا يوضح تصفية العائلة رميًا بالرصاص على يد «قسد»، وليس بقصفٍ ما.

بعض الجثث لم يظهر عليها جروح بليغة، مما يثير الشك حول تعرضهم لإعدام جماعي من قبل «قسد»، فيما توقع المراقبون أن تكون الجثث المتفحمة سقطت بفعل استخدام الفوسفور المحرم دوليًا من قبل قوات التحالف، أو كما نقلت وكالة «ستيب الإخبارية» في دير الزور من أن ألسنة اللهب التي تتصاعد فوق جبل الباغوز بعد فرض طوق أمني على المنطقة هي جراء قيام عناصر «قسد» بحرق الجثث الموجودة في الباغوز والمخيم التابع له.

فيما كانت الصور التي اتخذت للناجين من الباغوز تحمل الكثير من الدلائل، شوهد بين الجثث عدد لا يستهان به من الأطفال والنساء مصابين نجوا بمحض الصدفة، فيما كانت الصور الأكثر إيلامًا للأطفال الذين فقدوا أمهاتهم وتركوا وحيدين بعد انسحاب «داعش» من المخيم.

بعد معركة الباغوز.. «إعلان النصر» لن ينهي خطر «داعش»

«بلّغوا قوات التحالف أننا أهلٌ للقيادة»، هذا الشعار الذي كتب على جدران الشوارع في الباغوز الواقعة أقصى شرق سوريا، مثل نهج «داعش» الذي حث الولايات المتحدة الأمريكية على الضغط لأقصى حد لاتخاذ خطوة توسيع المواجهة المسلحة في الأيام الأخيرة مع التنظيم، وذلك حتى يستطيع البنتاغون إعلان الانتصار التام على «دولة الخلافة الإسلامية».

لكن واشنطن الذي وقف زعيمها دونالد ترامب يقول قبل يومين «هناك نقطة صغيرة، وقد تختفي هذه الليلة»، تدرك حقيقة استمرار الخطر حتى بعد إخراج «داعش» من تلك البلدة الصغيرة الباغوز، فـ«إعلان النصر وإنهاء الخلافة» لن يحول دون نشاط التنظيم في مناطق سيطرة «قسد» بشرق الفرات، وقد أقر الجيش الأمريكي بأنه لا يزال وجود عشرات الآلاف من المقاتلين المنتشرين في أنحاء العراق وسوريا مع ما يكفي من القادة والموارد أمرًا يشكل مصدر تهديد، فالتنظيم قادر على الظهور من جديد في سوريا خلال فترة تتراوح ما بين ستة أشهر و12 شهرًا، وبإمكانه استعادة مساحات محدودة من الأراضي حسب الجيش الأمريكي.

لذلك قامت واشنطن التي أعلنت في ديسمبر (كانون الأوّل) 2018 أن زهاء 2000 جندي أمريكي تمّ نشرهم في سوريا، سينسحبون من سوريا لأنه «انتصرنا على تنظيم الدولة الإسلاميّة، وحان وقت العودة»، وفاجأت الجميع أول أمس بالإعلان أنّ نحو 400 جندي سيبقون في نهاية المطاف منتشرين في سوريا لبعض الوقت.

يذكر أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد وثقت في تقرير حديث لها مقتل 3035 مدنيًا بينهم 924 طفلًا، و656 سيدة (أنثى بالغة) على يد قوات التَّحالف الدولي، وذلك منذ تدخلها العسكري في سوريا حتى مارس الجاري، وأكد التقرير أن ما لا يقل عن 560 ألف نسمة تعرضوا للتشريد القسري بفعل هجمات قوات التَّحالف الدولي.

«إيكونوميست»: كيف يبدو مستقبل سوريا بعد الانسحاب الأمريكي؟

 

المصادر

تحميل المزيد