كانت معركة الثغرة، أو غزو الأردين، مقامرة هتلر الأخيرة، التي اصطفى لها أكثر من 200 ألف من خيرة ما تبقى من القوة البشرية الألمانية.

مرّت 75 سنة على نهاية الحرب العالمية الثانية، بهزيمة ساحقةٍ لألمانيا النازية التي سبق أن استولت على جُل مساحة القارة الأوروبية في بضعة غزواتٍ خاطفة، وساحقة أيضًا.

بالرغم من كل تلك السنين، ما تزال أحداث وملاحم تلك الحرب الكونية الكبرى تحظى بالكثير من الاهتمام، وتثير فضول المختصين وعامة الناس على حدٍّ سواء.

في الثلاثين من أبريل (نيسان) من عام 1945، انتحر الفوهرر – أشهر ألقاب هتلر – في خندقه المُحصَّن تحت الأرض، لينجو ببدنه، قبل أن يفعل به الروس ما كان سيصبح من آيات الانتقام المتفردة، وهم الذين كانوا آنذاك يقتحمون عاصمتَه برلين، يحدوهم ظمأ جنونيٌّ للانتقام من الرجل الذي حاول غزو بلادهم في حربٍ تسببت في مقتل وإصابة وأسر عشرات الملايين.

سياسة

منذ سنتين
معركة ستالينجراد.. عندما تحطمت مطرقة الألمان على الصخرة الروسية

لم تكن هزيمة ألمانيا النازية في ذلك العام بالمفاجأة الكبيرة، فبالرغم من الانتصارات الساحقة في السنوات الثلاث الأولى من الحرب بين 1939 و1942، فإنه منذ العام 1942، بدأ الألمان يتجرعون مرارة الهزيمة تلوَ الأخرى، على مختلف الجبهات، في أوروبا وخارجها.

كانت الجبهة الأثقل وطأةً هي الجبهة الروسية، التي منذ أن انكسر الألمان فيها أمام صلابة المقاومة في مدينة ستالينجراد العنيدة عامي 1942 و1943، لم تقُم لهم قائمة تُذكَر.

تحوَّل الروس من بعدها للهجوم المضاد، لا سيَّما بعدما نجحوا في التصدي لآخر محاولات الألمان للاختراق في منطقة كورسك الحيوية أواخر صيف 1943، حين دارت واحدة من أشرس معارك الحرب العالمية، التي راح ضحيتها أكثر من مليونٍ جندي من الطرفين بين قتيلٍ وجريح، وانتصرَ الروس، بالرغم من الثمن الباهظ من الخسائر، واستمروا في الاندفاع غربًا مخترقين أوروبا الشرقية، وشبه جزيرة البلقان، في الشهور التالية، مجبرين الرايخ الألماني على الانكفاء والتقهقر.

لم تكن الجبهات الأخرى أفضل حالًا، فقد انهزمت المغامرة الألمانية في أفريقيا في معركة العلمين عام 1942، ثم طارد الحلفاء فلول الألمان حتى أجلوهم عن شمال أفريقيا تمامًا، ثم في العام التالي عبر الحلفاء البحر المتوسط، مستولين على جزيرة صقلية الإيطالية، ثم اندفعوا شمالًا لطرد الألمان من باقي الأراضي الإيطالية، للنفاذ منها إلى وسط أوروبا الذي احتله الألمان.

خطة معركة الثغرة.. في مواجهة المنتصِر المُرهَق

بعد نجاح قوات الحلفاء في القيام بأكبر إنزالٍ جويٍّ وبحريٍّ في التاريخ العسكري الإنساني في يونيو (حزيران) 1944، لتحرير فرنسا من النازيين، وهو المعروف تاريخيًا بإنزال نورماندي، بدا أن مصير الحرب العالمية الثانية قد تحدَّد، وأن الهزيمة الكاملة لألمانيا النازية أصبحت مسألة وقت لا أكثر. وبالرغم من الدفاع الألماني الشرس، تمكنت قوات الحلفاء في الأسابيع التالية للإنزال الكبير من تحرير معظم المناطق الفرنسية، وأجزاء من هولندا وبلجيكا، اللتين تفصلان الحلفاء عن الولوج في ألمانيا نفسها.

في أكتوبر (تشرين الأول) 1944، نجح الصرب المتعاونين مع السوفيت في تحرير عاصمتهم بلجراد، فضاق الخناق على الوجود النازي في البلقان، والذي انحسر إلى ركنها الشمالي الغربي القريب من إيطاليا الشمالية. كما اقترب السوفيت حثيثًا من الحدود الشرقية لألمانيا، وبدا جلِيًّا أن مشروع هتلر يختنق، وأنه سيموت بالسكتة القلبية عندما تُكمل قبضة الحلفاء إطباقَها على عُنُق ألمانيا.

وجد هتلر نفسه أمام موقف خطير، يحتاج إلى مناورة أكثر خطورة لفك الطوق عما تبقى من مشروع التمدد الألماني.

كان الأمر لا يحتاج للكثير من التفكير، لا يمكن لألمانيا محاربة أقوى جيوش العالم معًا ومن كافة الجهات في آن. اعتقد هتلر أنَّ الأمل المنطقي الباقي، هو أن يجبرَ الحلفاء، لا سيَّما إنجلترا والولايات المتحدة، على التفاوض معه على سلامٍ أحادي، على الخطوط الحالية، لكي يتفرغ بما تبقى من الثقل العسكري الألماني لمواجهة السوفيت الأكثر شراسة، ورغبة في الثأر.

Embed from Getty Images
3 جنود أمريكيون في أردينس البلجيكية أثناء معركة الثغرة.

اصطدم هتلر بحقيقة موقف الحلفاء المبدئي، المتمثِّل في الإصرار على القضاء المُبرَم على هتلر والنازية قبل أي تفاوضٍ مع ألمانيا، فكان الحل الذي يملكه هو محاولة إجبار الحلفاء، الذين أنهكتهم معارك الشهور الفائتة بالغة الشرسة، على الجلوس على الطاولة. ولا إجبارٍ إلا بعد هزيمةٍ مذلة لهم، يتكبَّدون فيها خسائر لا يمكن تحملها بشريًا وماديًا.

من هنا، جاءت فكرة معركة الثغرة أو غزو الأردين في أواخر عام 1944، التي اصطفى لها هتلر أكثر من 200 ألف من خيرة ما تبقى من القوة البشرية الألمانية المُحاربة، مدعومين بأكثر من ألف دبابة، بينها الكثير من دبابات تايجر، فخر الصناعة العسكرية الألمانية، والتي كانت تُعتبر الدبابة الأقوى في العالم آنذاك. وكان الدور الهجومي الرئيس يقع على عاتق فيلقيْ البانزر الألمانييْن الخامس والسادس.

تشجَّع الألمان للهجوم بعد نجاحهم في نوفمبر (تشرين الثاني) 1944 في صد هجمات الحلفاء في هولندا وبلجيكا، التي أنهكتْ قوات الحلفاء بشدة.

كذلك رأوْا في الأمطار الغزيرة فرصةً جيدة لمقارعة الحلفاء وهم محرومون من تفوقهم الجوي الكاسح نتيجة الظروف الجوية الصعبة. وأيضًا أرادوا استغلال مشكلة النقص المزمن في الإمدادات لقوات الحلفاء في فرنسا وبلجيكا، نتيجة الخراب الذي طال معظم الموانئ القريبة بفعل الحرب.

كانت الجبهة الغربية بين القوات الألمانية والحلفاء تمتد لأكثر من ألف كيلومتر، من بحر الشمال شمالًا، إلى سويسرا المحايدة جنوبًا، ولم يكن من المنطقي أبدًا أن يشن الألمان هجومًا بطول تلك الجبهة العريضة، وإلا تشتَّتت قواتهم بشكلٍ يعجزها عن التقدم.

لذا كانت خطة الاختراق تشبه ما فعله الألمان قبل أربع سنواتٍ ونصف، عندما ركزوا هجومهم على فرنسا عبر جبهة بلجيكا – من حيث لم يحتسبِ الحلفاء – ونجحوا في حصار عشرات الآلاف من القوات الإنجليزية والفرنسية في دانكيرك بشمال فرنسا.

هذه المرة سيفاجئ الألمانُ الجميع بالهجوم في منتصف الجبهة الغربية، بطول أكثر من 100 كم من غابات الأردين الشائكة، التي لا تحظى بدفاعٍ جيد من قبل الحلفاء، لاعتقادهم باستحالة اختراق الألمان عبرها لسوء مسالكها وندرة الطرق، وكثرة العوائق الطبيعية، فكانت تقع في الفاصل بينَ تمركُزات الجيشيْن الأول والتاسع الأمريكييْن.

وبالرغم من أن الخطة تبدو وجيهةً نظريًا، فإن الكثير من الجنرالات الألمان اعترضوا عليها بشدة، ورأوا أنها مقامرة بالقوة الرئيسة التي يمكن استغلالها في الدفاع عن العمق الألماني بفاعلية، لمنع سقوط الوطن.

لكن أصرَّ أدولف هتلر على تنفيذ الخطة، ورمى باعتراضات قادته عرض الحائط على عادته الأثيرة طوال الحرب.

وهكذا في السادس عشر من ديسمبر (كانون الأول) عام 1944، ومع بداية موسم الشتاء القارس في أوروبا، انفتحت أبواب السماء في بلجيكا بجحيمٍ منهمر من قذائف المدفعية الألمانية لمدة ساعتين متواصلتيْن.

كذلك تسلَّلت وحدات القوات الخاصة الألمانية خلف خطوط الحلفاء في منطقة الهجوم، وقاموا بالعبث باللوحات الإرشادية على الطرق، والاستبدال ببعضها لوحاتٍ مزورة، تدل على اتجاهاتٍ خاطئة، لتضليل قوات الحلفاء، وتشتيت بعضها. كما قاموا بقطع خطوط الهاتف حتى لا يتسنَّى لخصمهم الاستفادة منها.

وقام مظليَّون ألمان يجيدون الإنجليزية، ويرتدون ملابس عسكرية أمريكية، يالإنزال خلف خطوط الحلفاء، وخداع السكان المحليين وبعض قوات الحلفاء، والاستيلاء على مواقع وجسور حيوية، وقطع طرق الإمداد الحيوية.

كان الهدف النهائي للهجوم الألماني هو اختراق خطوط الحلفاء، والتوغُّل لمئات الكيلومترات مستغلين الاضطراب في صفوفهم بوقع المفاجأة، وصولًا إلى ميناء أنتورب البلجيكي على ساحل القنال الإنجليزي، والاستيلاء عليه، وبذلك يكتمل تطويق وحصار عشرات الآلاف من قوات الحلفاء، وقطع خطوط إمداداتهم، فيُجبَر قادة الحلفاء على التفاوض لإنقاذ قواتهم.

فإلى أي حد نجحت تلك الخطة الألمانية الطموحة؟

معركة الثغرة.. توتر الحلفاء يظهر في باريس

في اليوم الأول من معركة الثغرة، نجحت القوات الألمانية في التقدم لعشرات الكيلومترات باتجاه هدفها الأول، وهو الوصول إلى نهر موس، والاستيلاء على الجسور، وتقاطعات الطرق الهامة في تلك المنطقة.

كانت قوات الحلفاء تعاني من ارتباك شديد بفعل صدمة الهجوم الألماني غير المتوقع كمًّا وكيفا. فقُتِل وأُسر الآلاف من المشاة الأمريكيين. كما سرى التوتر والترقب في كافة أرجاء بلجيكا وفرنسا، إلى حد فرض قوات الحلفاء حظرًا ليليًا للتجول في العاصمة باريس، بالرغم من بُعدِها نسبيًا عن الجبهة المشتعلة. وعجز الحلفاء عن التصدي بفعالية للقوات الألمانية المتقدمة، لاسيَّما في الأيام الثلاثة الأولى، نظرًا لتحييد الطقس السي لقواتهم الجوية المتفوقة.

وصلت الأنباء بارتكاب الألمان مجازر كبيرة بحق المئات من الأسرى المدنيين والعسكريين في منطقة مالميدي البلجيكية، فاستشاط الحلفاء غضبًا، واستنفر الجنود والضباط للدفاع الشرس ضد الألمان، وعدم الوقوع في الأسر.

Embed from Getty Images
جنود أمريكيون من اللواء العاشر للمدرعات في منطقة باستون، حيث حمي وطيس معركة الثغرة.

استماتت كتائب الحلفاء المحاصرة بين قوات الهجوم الألماني في محاولة إبطاء تقدم الألمان، لاسيّما الدبابات، ريثما ترسل قيادة الحلفاء المزيد من التعزيزات. كما كانوا يتخلصون من أية إمدادات من الوقود أو الذخيرة قبل الاضطرار للانسحاب من أي موقع، حتى لا يستغلها الألمان.

أصدر الجنرال أيزنهاور – القائد العام لقوات الحلفاء – أوامره للعديد من الفرق القتالية القريبة بالاتجاه فورًا نحو الجبهة، كما أمر بشنّ العديد من الهجمات المضادة على أجناب القوات الألمانية المتقدمة، لمحاولة قطع خطوط إمداداتها، ثم تطويقها وحصارها.

حمي وطيس معركة الثغرة حول منطقة باستون، حيث توجد تقاطعات الطرق الحيوية التي تتحكم في خطوط المواصلات في المنطقة. واستبسلت قوات الطرفين في القتال بالرغم من تكبد خسائر ثقيلة في الأفراد والمعدات. خلال أيام، تمكَّن الألمان من تطويق باستون، لكن رفض قائد المظليين الأمريكيين المدافع عنها الاستسلام.

ومع صلابة مقاومة الحلفاء في باستون، وخوفًا من ضياع وقتٍ ثمين، بدأت بعض كتائب الدبابات الألمانية في تجاوز المنطقة وإكمال الاختراق، لتعميق الثغرة الألمانية الكبيرة في صفوف الحلفاء.

وبالفعل وصلت طلائع فيلق البانزر الخامس إلى مشارف نهر موس في يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) عام 1944، بعد ثمانية أيام كاملة من بدء الهجوم، وبدا أن وقتًا ثمينًا للغاية قد ضاع بالفعل، فقد حشد الحلفاء عشرات الآلاف من جنودهم وزجُّوا بهم في مختلف الاتجاهات، والخواصر الضعيفة للثغرة الألمانية، ولا سيّما باتجاه باستون، التي مثَّل فك الطوق عنها هدفًا لا يتحمَّل التأخير.

الفرصة الأخيرة تتلاشى

كان الجزء الشمالي من الجبهة تحت إمرة القائد الإنجليزي الشهير مونتجمري، الذي ارتبط اسمه بالانتصار على الجنرال الألماني ذائع الصيت، روميل، في معركة العلمين الحاسمة عام 1942. تمكنت قوات ذلك الجنرال من إيقاف تقدم الألمان من جهته، وقام بدفع العزيز من التعزيزات جنوبًا لإجبار القوات الألمانية المتقدمة على التراجع.

في يوم 26 ديسمبر، أي بعد 10 أيام من بدء الهجوم الألماني، تمكَّنت قوات الحلفاء من فك الحصار حول باستون، وخلال الأيام التالية تمكَّنوا من تجميد الهجمات الألمانية في مختلف اتجاهات الجبهة.

Embed from Getty Images
جنود قوات الحلفاء في معركة الثغرة.

في الثالث من يناير (كانون الثاني) 1945، بدأ الحلفاء هجوماتهم المضادة لدحر الألمان في معركة الثغرة، مستفيدين من فقدان عنصر المفاجأة الذي كان لصالح الألمان في الأيام الأولى، وكذلك مستغلَّين تحسن الأحوال الجوية لتقوم قواتهم الجوية المتفوقة بدورها الحيوي في الإسناد الجوي لقوات الحلفاء.

حاول الألمان القيام بضربة جوية مركزة لكسر التفوق الجوي للحلفاء، فقصفوا معظم مطاراتهم القريبة من الجبهة، ونجحوا في تدمير المئات من طائرات الحلفاء على الأرض، لكن بمقابل باهظ، وهو خسارة أكثر من 200 طائرة ألمانية، وهو ما مثَّل ضربة فادحة للجهود الجوية الألمانية، إذ شحّت الموارد الألمانية وخرجت الكثير من المصانع الحربية من العمل نتيجة ضربات الحلفاء، وأصبح من الصعوبة بمكان تعويض ما يُفقَد.

تاريخ وفلسفة

منذ 10 شهور
من هو العميل المزدوج الذي كرّمه هتلر بعد أن خدع النازيين؟

بين الثامن والسادس عشر من يناير، ضغطت قوات الحلفاء بشدة على الثغرة الألمانية من كافة الجهات، فأخذت الثغرة تتقلص بوتيرة مسارعة، وأيقن الألمان أن مواصلة تلك المعركة الخاسرة هو انتحار مجاني، فبدأوا بالانسحاب تدريجيًا بشكلٍ فني بما تبقَّى من قواتهم، حتى لا يُمكِّنوا الحلفاء من ظهورهم، ونجحوا إلى حدٍّ كبير في تحقيق ذلك.

بحلول يوم 25 يناير 1945، كانت خطوط الجبهة بين المتحاربين قد عادت إلى نقطة الصفر، وحدود ما قبل بدء هجوم الأردين. وبالرغم من تكبُّد الحلفاء خسائر هائلة لم يتجرَّعوا مثلها على الجبهة الغربية، إذ خسروا ما بين 75 ألف و100 جندي بين قتيل وجريح، وتدمير مئات الدبابات والطائرات، فإنَّ الخسائر الألمانية كانت أشد وطأة، لا سيَّما لصعوبة تعويضها بشريًا وماديًا، فقد تكبَّد الألمان ما بين 100 ألف و120 ألف قتيل وجريح، وخسروا ما لا يقل عن 600 دبابة، ومئات الطائرات. وهكذا عجَّل فشل هجوم الأردين من سقوط ألمانيا بعد ثلاثة أشهر فحسب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد