امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي وكذلك الشبكة العنكبوتية مؤخرًا بأخبار عن استخدام محتمل لتطعيم الدرن في الوقاية من فيروس كورونا الشهير أيضًا بكوفيد-19، وبمجرد الإعلان عن بدء الدراسات أخذ كثيرون في افتراض نتائج ثم تحليل هذه الافتراضات، بل والبحث عن ثغرات فيها. في هذا التقرير سنعود بك عزيزي القارئ خطوة إلى الوراء ونراجع معلوماتنا المستقرة عن تطعيم الدرن، وكيفية عمله في الجسم البشري.

قتل مليون ونصف شخص في 2018.. ما هو الدرن؟

الدرن أو ما يعرف أيضًا بالسُل، هو مرض مُعدٍ تسببه بكتيريا ذات طابع خاص تُدعى «مايكوبكتريام» أو (البكتريا المتفطّرة السليّة). وهو أحد أهم 10 أسباب للوفاة في العالم، بل يحتل المركز الأول باعتباره مرضًا معديًا مميتًا. ففي عام 2018، أصاب 10 مليون شخص ولقي 1.5 مليون شخص مصرعه بسببه. والقضاء على الدرن نهائيًا بحلول عام 2030، هو أحد أهداف التنمية المستدامة في العالم.

وقد تعاظمت خطورة مرض الدرن في السنوات الأخيرة بعد ظهور مرض الإيدز، الذي يضعف مناعة الجسم البشري ويتركه عرضة للأمراض المختلفة وعلى رأسها السل. والشائع أن الدرن هو مرض رئوي، وهو بالفعل كذلك في المقام الأول، لكنه قد يصيب أعضاء أخرى من جسم الإنسان أيصًا وينتشر فيها، فقد يصيب العظام أو الأغشية السحائية المحيطة بالمخ.

ما هو لقاح الدرن وكيف يخدع الجسم؟

يحمل تطعيم الدرن أو السل اسم مخترعيه الطبيب الفرنسي ألبرت كالميت والطبيب البيطري كاميل جورين «(Bacille Calmette-Guérin (BCG» اللذين بدءا العمل عليه في مطلع القرن العشرين ليخرج إلى البشرية عام 1921. كان تقبل المجتمع للقاح السل بطيئًا لسنوات، حتى ظهرت أهميته في أعقاب الحرب العالمية الثانية ونجاحه في حماية ملايين الأطفال من الإصابة بالدرن.

Embed from Getty Images

يعمل هذا التطعيم عن طريق تحفيز الجهاز المناعي لجسم الإنسان، فهو ليس جرعة مناعية مضادة للمرض، ولكنه عبارة عن بكتيريا حية بالغة الضعف، عندما تُحقن داخل طبقات جلد كتفك الأيسر، ينخدع الجهاز المناعي لجسمك ظانًا أنه أصيب بالعدوى فيتحفز أحد خطوط جهازك المناعي مكونًا دروعه ضدها، وعندما تتعرض للبكتريا الحقيقة من الهواء مثلاً؛ لا تصاب بها، وإذا أصبت بها يتعامل معها جسمك ولا تظهر عليك أعراض المرض، وهذا هو الحال الأكثر شيوعًا.

استخدامات أخرى للقاح الدرن

العجيب في تطعيم «بي سي جي (BCG)» هو استخدامه طبيًا لأسباب تتخطى الوقاية من مرض السل، فطريقة تحفيزه لخط مناعي معين من جسم الإنسان أوحت للأطباء من قبل باستخدامه سلاحًا جانبيًا في بعض الأمراض، فقد تندهش عندما تعرف أننا نستخدمه منذ 40 عامًا باعتباره أحد طرق العلاج للمرضى المصابين بسرطان المثانة.

هل للقاح الدرن محاذير استعمال؟

بالطبع. مجرد كونه بكتريا حية يضع قائمة من محاذير الاستخدام، على رأس القائمة مرضى نقص المناعة، مثل المصابين بفيروس نقص المناعه المكتسبة (HIV/AIDS) أو مستقبلي الأعضاء المزروعة أو مستخدمي الجرعات العالية من الكورتيزون، وكذلك بعض مرضى السرطان. ولا يمكن استخدامه أيضًا في الحوامل لعدم تأكدنا التام من أمانه، فيصنف في القائمة «C» من أدوية الحمل.

يستخدم اللقاح عادة للأطفال حديثي الولادة، لكن قبل استخدامه للكبار يجب إجراء تحليل معين بالحقن في جلد الذراع للتأكد من أمانه.

يُمنع استخدامه لمرضى نقص المناعة.. فكيف يُحفّز الجهاز المناعي؟

سؤال منطقي تمامًا. لنجيب عن هذا السؤال سنستخدم التشبيه الأشهر لوصف جهاز المناعة وهو الجيش. تخيل جيشًا متعدد الفيالق والكتائب والأسلحة، جنود هذا الجيش تتحرك في تناغم لكنها لا تتخذ الخطوات نفسها بالضبط، فهي ليست مثل مؤشر الصوت يرتفع فيقوى أو ينخفض فيضعف، بل إن تحركاته أعقد بكثير. طريقة التطعيم في تحفيز جيش الجهاز المناعي هي أن يستيقظ الجيش ليجد جاسوسًا داخل إحدى ثكناته، فيستنفر قواته تمامًا ويستعد. لكن ماذا سيحدث لو تسلسل الجاسوس نفسه إلى ثكنات فارغة؟ سيعيث فيها فسادًا ولك أن تتخيل باقي القصة.

ما علاقة هذا بفيروسات كورونا وتحديدًا كوفيد-19؟

عدة أبحاث سابقة عن طبيعة لقاح «بي سي جي» وجدت أنه يحفز الجهاز المناعي ويجعله أكثر صلابة تجاه بعض الفيروسات، ووجدت له علاقة بانخفاض معدلات الوفيات بشكل عام وليس فقط عن طريق الحماية من السل بشكل مباشر.

Embed from Getty Images

ومؤخرًا قرر علماء من جامعة موردوخ بأستراليا إجراء تجربة سريرية لاستخدام طُعم الدرن مع 4 آلاف طبيب وعامل صحي ومتابعتهم للتأكد، هل يجعلهم لقاح السل أقل عرضة للإصابة بكوفيد-19 أم لا؟

هل كل من تلقى تطعيم الدرن لن يصاب بكوفيد-19؟

في الواقع تلقي التطعيم لا يمنع من إصابتك بالدرن نفسه، إنما يقلل من فرصه بشدة، وفاعليته هي محل دراسات عديدة.

لذلك فمن التعجل بمكان القفز إلى استنتاجات دراسة ما زالت تجري بالفعل، ولو كانت فرضية الوقاية من كوفيد-19 بتطعيم «بي سي جي» قوية وصلبة ومضمونة النتائج لما تكبدت النظم الصحية عناء التجربة ومرارة الانتظار، لكن لمثل هذا صممت الأبحاث، فرضية لا نضمن صحتها فنُجري أبحاثًا مكثفة لنتأكد منها أو ننفيها.

هل انتشار كورونا في بلدان تستخدم تطعيم الدرن هو مؤشر لفشله في الحماية؟

التعميم هنا مُخل. معاينتنا للدول التي تستخدمه الآن لن تخرج بنتائج دقيقة، لأن اعتماد الدول له باعتباره تطعيمًا إجباريًّا معممًا هو مسألة ديناميكية متغيرة، فالدول التي تستخدمه الآن في 2020 ليست نفسها التي كانت تستخدمه منذ 20 عامًا، عام 2000 أو قبلها. كما سنحتاج أن نتتبع الشرائح العمرية التي تلقت التطعيم أثناء اعتماده في تلك الدول، ثم الشرائح العمرية التي جاءت قبل استعماله، ثم الشرائح العمرية التي جاءت بعد توقف استخدامه في دول أخرى. ثم عليك أن تراجع فترة الحماية المتوقعة من التطعيم، وتحللها في ضوء عوامل متعددة وتستبعد كل ما من شأنه التأثير في صلاحيته وفاعليته.

أضف إلى كل هذا أن الدول الحريصة على تطبيقه هي نفسها الدول التي تحمل عبئًا ثقيلاً من المصابين به بالفعل بين مواطنيها، ومرض الدرن يجعل الرئة في واحدة من اسوأ حالاتها.

إذًا ما الخلاصة؟

الزم بيتك، واغسل يديك جيدًا بالماء والصابون، وتوقف عن التدخين، ودع العلم يسير في قنواته المتخصصة حتى يصل إلينا في موعده، ولا تعتمد على ما يقال على مواقع التواصل الاجتماعي.

صحة

منذ 7 شهور
30 سؤالًا يشرح لك كل ما تريد معرفته عن كورونا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد