اعتاد الناس هذه الأيام على التلاعب وتغيير مظهرهم، ليس في هيئتهم الفعلية، ولكن رقميًّا من خلال تعديل صورهم في العالم الافتراضي؛ كي يصبحوا أقل بدانة أو أكثر جاذبية. وقد ساعدت التكنولوجيا المتوفرة داخل العديد من وسائل التواصل الاجتماعي على هذا الأمر بمجرد ضغطة زر، عبر مرشحات أو فلاتر الصور. أبرز هذه الفلاتر تلك المنتشرة في موقع «إنستجرام».

حتى وقت قصير، كان استخدام هذه الفلاتر متعلقًا أكثر بنجمات «إنستجرام» من المشاهير أو الفاشونيستا وغيرهن، اللاتي يهمهن كثيرًا الظهور في أفضل صورة ممكنة؛ من أجل الحفاظ على صورة ذهنية معينة في أذهان المتابعين. لكن في السنوات القليلة الماضية، تحول الأمر إلى هوس بين الجيل الجديد من الشباب، حتى نجد فتيات لا تتجاوز أعمارهن 20 عامًا مدمنات على فلاتر «إنستجرام».

إدمان الفلاتر.. لا نكذب ولكن نتجمَّل

بعض هؤلاء الفتيات لم يتركن نوعًا من الفلاتر إلا واستخدمنه تقريبًا، بدءًا من تلك التي تضيف أحمر الخدود، إلى تلك التي تترك بحرًا من النمش البني الفاتح على الوجنتين، مرورًا بفلاتر أسراب الفراشات التي ترفرف بجناحيها فوق رأسها. هناك مرشحات أخرى تعطي شكلًا مختلفًا للآذان، ومرشح آخر يسمح للفتيات بالتحكم في شكل الوجه كله وجعله أقرب إلى الرسوم المتحركة.

لكن أكثر الفلاتر جاذبية للفتيات الآن، هي تلك المجموعة التي تتلاعب في تفاصيل الوجه، والتي تغطي العيوب بشكل واضح. هذه الفلاتر معظمها يجعل أنفك يبدو أنحف، وعينيك وشفتيك أكبر قليلًا، وبالتالي لا تغير من وجه الشكل كليًّا لكنها تضيف تحسينات مهمة تجعل الصورة أجمل من الطبيعي.

يبدو الأمر مجرد لعبة بريئة، إذ قد يكون من الممتع التلاعب بالصور الرقمية لأنفسنا وأشياء أخرى باستخدام أحدث التقنيات. هذا الأمر ليس جديدًا، فنحن نستخدم برنامج «فوتوشوب» الشهير لإزالة الشوائب بعد التقاط الصور، كما ظهرت مجموعة من التطبيقات للهواتف المحمولة التي يمكنها أن تقلل من خاصرتك أو تبرز منحنياتك بشكل أكبر. يعد تطبيق «Facetune» أحد التطبيقات الأكثر شعبية في هذا المجال، وهو متاح منذ عام 2013 ويستخدمه المشاهير لجعل أنفسهم يبدون أكثر نحافة.

فلاتر «إنستجرام».. أكثر من مجرد «تحسين»

الآن، لم تعد فلاتر تطبيق «إنستجرام» تدور حول مجرد تحسين الصور لإضافتها إلى حسابك ونشرها بين الأصدقاء. فأحدث التقنيات الموجودة في فلاتر «إنستجرام» حاليًا، تعني أن أي «ستوريز» قصيرة الأمد تستخدم هذه الفلاتر يبدو أنها أكثر عرضة للانتشار والمشاركة، وأن يراها ملايين المستخدمين. هذا يعني تغير تأثير هذه الصور من مجرد عملية لعب بسيطة إلى تغيير روح العصر الذي نعيش فيه والحدود الفاصلة بين الجمال الحقيقي والجمال المزيف.

بدأ هذا التغيير الكبير في أغسطس (آب) 2019، عندما فتحت شركة «فيسبوك» المالكة لتطبيق «إنستجرام» منصة «Spark AR» للجمهور حتى يتمكن أي شخص من تطوير أفكاره المتعلقة بفلاتر الواقع المعزز (AR). هنا بدأت تتشكل مجتمعات جديدة على الإنترنت بسرعة، فقد تداول المطوِّرون أسرارًا حول كيفية تصميم مرشحات جيدة. هذا الأمر ذكرته تاما ليفر الباحثة في جامعة كيرتن الأسترالية، التي شاركت في تأليف كتاب جديد يسمى «Instagram».

تضم إحدى مجموعات «فيسبوك» لمطوري «Spark AR» حوالي 51 ألف عضو، ينشرون باستمرار أحدث فلاترهم. يظهر عرض تجريبي في هذه المجموعة أحد الفلاتر التي يجري تطويرها، والذي يحول رأسك إلى ساعة منبه تناظرية، مع عقارب على شكل يدين من النيون اللتين تدوران حول أنفك. وعندما تريد أن يرن المنبه، عليك أن تهز رأسك ليبرز جرسان من رأسك، مع وجود مطرقة بينهما.

لماذا يحب الناس الفلاتر؟

بعد أربعة أشهر من فتح «فيسبوك» لمنصة «Spark AR»، وفي الوقت المناسب لتقديم شيء جديد في فترة أعياد الميلاد، ظهرت أول فلاتر عالية الجودة. أحد هذه الفلاتر الذي جذب الكثير من الاهتمام، طوَّره المصور ومصمم الفيديو البلجيكي أرنو بارتيسيمو. الفلتر يتعلق بـ«ما هي شخصية ديزني التي أنت عليها؟»، لتظهر لك بشكل عشوائي صورة لمرآة فوق رأسك مع عجلة تدور، وتختار لك واحدة من شخصيات ديزني.

انتشر هذا المرشح بسرعة وجرَّبه مستخدمون مشهورون، بما في ذلك عائلة بيكهام ودي جي ديبلو، والممثلون فانيسا هادجنز وزيلدا ويليامز، ونشروا النتائج عبر «ستوريز» «إنستجرام» الخاصة بهم. في حالة نادرة من المصادفة، توقف اختيار شخصية ويليامز العشوائية على الجني، وهي الشخصية التي لعبها والدها، روبن ويليام، في فيلم «علاء الدين».

هناك عدد من الأسباب وراء نجاح هذا المرشح. الأمر أشبه بالفرحة التي تصل لك عند لعب واحدة من ألعاب القمار، إذ من الممتع رؤية ما تحصل عليه. الطريقة التي يطلب بها المرشح منك تسجيل مقطع فيديو لردود أفعالك بشكل فعال للحصول على النتيجة، هي أيضًا أمر أساسي في شعبيته؛ لأن ذلك من المحتمل أن يؤدي إلى انتشار شيء ما بشكل أكثر شيوعًا من ملء مسابقات «فيسبوك» على سبيل المثال. فيديو التفاعل الفوري يوفر جزءًا من السعادة للكثير من الناس.

بضغطة زر.. فلاتر تمنحك جراحات تجميلية فورية

المثال السابق ليس سوى نوع واحد من المرشحات العديدة المستخدمة في «إنستجرام»، معظمها من النوع الذي يتعلق بإبراز الخدين، وتنعيم البشرة وإزالة المزيد من البقع غير المحببة. الأمر أشبه بالحصول على جراحة تجميل فورية. لكن المشكلة أنك كلما استخدمتها أكثر، أصبحت مدمنًا عليها. استخدام هذه المرشحات يجعل الفتاة تشعر بشكل أفضل حول شكلها.

المرأة

منذ 8 شهور
لا تنفقي أموالكِ عليها.. 10 منتجات تجميل عديمة الفائدة

هذه النوعية من الفلاتر التي تسمح بتحويل الوجه والتلاعب بالهوية، هو أمر مهم لمستخدمي «إنستجرام»، خصوصًا في فئة المراهقين. لكن الباحثين يتعاملون بنظرة حذرة لمكانة هذه الفلاتر في عالم الإنترنت. هناك مخاوف تتعلق بتداخل صورة الجسم، مع الضغوط من الأقران وثقافة النظام الغذائي، ولكن بشكل أساسي، يعد «إنستجرام» هو السياق الذي يكون فيه الناس مرحين ولعوبين من الناحية الجمالية.

هذه الفلاتر التجميلية معقدة. هي تجعلنا نشعر بتحسن حيال أنفسنا، وتسمح لنا بأن نرى أنفسنا أكثر تشابهًا مع معايير ما يُعد جميلًا في تلك اللحظة في الثقافة السائدة. ولكن هذا هو السبب أيضًا في كونها تمثل مشكلات؛ إذ إنه في كثير من الحالات تلاحظ أن فهرس الفلتر حول مدى جمال الناس عنصري ومسبب للمشكلات. إذ تميل المرشحات إلى جعل البشرة أفتح والعيون أكبر، مما يعزز الطراز الغربي في مفهوم الجمال.

الفلاتر تخلق معايير جمال غير واقعية!

استخدام فلاتر ترقيق الأنف، وشحذ عظام الوجنتين، وتوسيع العيون، وتنعيم البشرة، وفي بعض الحالات، تفتيح بشرتك؛ مما يساعد على تحقيق ذلك المظهر النموذجي السطحي الذي لا تشوبه شائبة، هو ما يبدو عليه كل هؤلاء المشاهير، مثل كارداشيان وجينر، مع وجوههم الكاملة والمثاليَّة ظاهريًّا.

لكن هذه التعديلات الرقمية التي تحجب عيوبك تضع معيارًا غير واقعي للجمال، ويمكن أن تؤثر في احترام المرء لذاته. في بعض الحالات، تتسبب مرشحات الواقع المعزز أيضًا في الإدمان. فـ«اختلال صورة السيلفي»، هو اضطراب ناجم عن صورة الجسم، يعرف بأنه الحاجة إلى تعديل الصورة الرقمية الخاصة به بشدة، وعدم الرضا الشديد عن مظهر المرء بعد استخدام المرشحات الرقمية.

وقد صاغ هذا المصطلح جراح التجميل في المملكة المتحدة، تيجيون إيشو، بعد أن لاحظ اتجاهًا مثيرًا للقلق، وهو أن المرضى لديه يبحثون عن الجراحة التجميلية لتبدو وجوههم مثل صورهم المفلترة. إيشو كان يتعجب من وجود أشخاص يطلبون منه أن تكون عيونهم أكبر مثل ما يفعله الفلتر في عيونهم. حاول الطبيب مرات عديدة شرح استحالة فعل هذا بشكل جراحي أو غير جراحي، لكن الطلبات نفسها والإصرار لا ينقطع.

الصور المعدلة ليست محل إعجاب دائمًا

لكن هل يحب الأشخاص الذين يشاهدون هذه الصور المعدلة والمحسنة بالفعل؟ بالطبع من المثير للاهتمام أن ترى كيف يبدو شكلك باستخدام نظارات وأقنعة مختلفة، ولكن كيف يستجيب الآخرون عند عرض صور السيلفي التي عدَّلتها؟ وفقًا لدراسة جديدة نظرة الناس إلى هذه الصور ليس جيدًا جدًّا، أو على الأقل، ليس كما هو الحال مع الصور الأصلية.

في دراسة أجراها باحثون من جامعات عديدة، وجدوا أن استخدام فلاتر الصور في الصور الشخصية ينتج منه عدد أقل من الإعجابات المستلمة، في المتوسط، مقارنة بالصور الشخصية المنشورة بدون فلاتر. ففي الوقت الذي يرى فيه ناشرو هذه الصور المحسنة أن الفلاتر تزيد من الجاذبية البصرية لأنفسهم، يمكن أن ينظر إليها المستخدمون الآخرون على أنها سلوك غير حقيقي؛ لأنه يعكس النية لتقديم تصوير مثالي للذات فقط لا غير.

كما يعرف أي شخص يستخدم «إنستجرام» بشكل منتظم، أو أي تطبيق ينشر المستخدمون فيه صور السيلفي، فإن العديد من هذه الصور، حتى تلك التي لا تحتوي على فلاتر الواقع المعزز، تُحرَّر وتُعدَّل بشكل كبير، مما يحول أحيانًا وجه الأفراد إلى ما هو أبعد من إمكانية التعرف إليه.

العالم والاقتصاد

منذ سنتين
أصغر مليارديرة في التاريخ.. كيف استطاعت مراهقة أن تحقق ذلك من مطبخ بيتها؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد