لم يكن قد مر شهران على واقعة العثور على جثث 46 مصريًا بصحراء ليبيا، حتى جددت واقعة  انتشال 13 جثة لمهاجرين مصريين غير شرعيين الخميس الماضي بالصحراء الليبية جنوب غرب مدينة طبرق، أزمة رجوع آلاف المصريين لليبيا بحثًا عن فرص عمل تُغنيهم عن أوضاعهم المأساوية في مصر. رجوع المصريين لليبيا هذه المرة ليست كسائر رحلاتهم السابقة التي دأبوا عليها خلال عهد الرئيس الراحل مُعمر القذافي؛ إذ صارت مسألة التفكير فقط نحو السفر لليبيا جناية يعاقب عليها القانون. يحاكي هذا التقرير وقائع رحلات المصريين لليبيا، والصعوبات التي يواجهونها، وكيف تنتهي بهم هذه الأمور لمصائر مجهولة وسط الصحراء الليبية.

المصريون وليبيا.. تذكرة ذهاب وعودة

قضى أحمد يوسف 10 أعوام كاملة طبيبًا بمركز طبي حكومي بقرية «العوينات» جنوب غرب ليبيا، والتي تقع بين محافظتي سبها وغات، يتقاضى راتب 700 دولار، قبل أن يضطرّ للعودة إلي مصر عن طريق الحدود الجزائرية التي انتقل إليها، ومنها إلى العاصمة المصرية على خلفية اضطراب الظروف بعد الثورة الليبية، واندلاع حرب مُسلحة بين القبائل.
Embed from Getty Images
مصريون يهاجرون من ليبيا من خلال تونس.

وجد يوسف نفسه مُحاصرًا بحربٍ بين قبائل القذاذفة التي تستوطن جنوب ليبيا والمعارضة المُسلحة التي سعت لتصفية العناصر المنتمية للرئيس الراحل؛ ليُغادر مضطرًا لموطنه الأصلي، ويعود لعمله الحكومي بمستشفي تعليمي حكومي بمحافظة المنوفية، متقاضيًا أجرًا حكوميًا ثابتاً يُقدر بـ200 دولار.

كانت الظروف الاقتصادية الصعبة التي عاشها يوسف عبر خمس سنوات من رجوعه كفيلة بالتفكير في العودة مُجددًا لليبيا؛ وهو ما جعله يعاود الاتصال بمديره الليبي السابق لبحث إمكانية عودته مُجددًا، وهو الطلب الذي قوبل بحفاوة من المدير الليبي، ووعده  برفع أجره إلى ألف دولار، وتوفير سكن، بعد استقرار الأوضاع بمنطقة جنوب ليبيا، بعد نجاح المنتمين لقبيلة القذاذفة من تأمينها من العناصر المتطرفة، أو المعارضة المسلحة.

يوسف ليس الحالة الوحيدة التي تسعى لاستكمال إجراءات العودة لليبيا للظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها مصر، وحالة الارتفاع غير المسبوقة في أسعار السلع الغذائية؛ إذ سبق لمئات المصريين خلال العامين الأخيرين العودة لليبيا بطرقٍ غير شرعية في أغلبها، خصوصًا بعد التشديد الأمني من جانب السلطات الأمنية للسماح للمصريين بالسفر، وعدم استصدار تأشيرات سفر من جانب القنصلية الليبية بمصر سوي لحالاتٍ محدودة.

يُدلل علي الوضع الاقتصادي الصعب الأرقام التي تُشير إلى بلوغ معدل البطالة في مصر 12% في الربع الأول هذا العام، وارتفاع معدل التضخم السنوي الأساسي إلى 31.95% في يونيو (حزيران) الماضي، وارتفاع قيمة العملة الليبية أمام العملة المصرية؛ حيث  وصل الدينار الليبي إلى نحو 12 جنيهًا مصريًا.

على الألغام.. المصريون يتحدّون قيود سلطاتهم الأمنية وظروف ليبيا السياسية

سعت السلطات المصرية للتشديد على السفر لليبيا عبر إصدار عشرات التحذيرات من السفر إلى ليبيا، أو وضع قيود كثيرة على السفر وذلك باستحداث قرار بضرورة الحصول على تصريح أمني من جهة سيادية حال الرغبة في السفر إلى الأراضي الليبية.

وتزامن تشديد السلطات المصرية مع وقف سفارة وقنصليات ليبيا بمصر إصدار تأشيرات جديدة بعد اضطراب الأوضاع الأمنية وبعد تحذيرات الخارجية المصرية للمصريين من السفر إلى ليبيا، وقصرت إصدار التأشيرات على الحالات الإنسانية من المصريين المتزوجين من ليبيين أو تجديد خروج ودخول للمصريين العاملين بليبيا بصفة شرعية وبعد طلب جهات عملهم.
Embed from Getty Images

سلسلة القيود التي تبدأ من مصر وتنتهي عند ليبيا لم تقف أمام رغبة المصريين في السفر، فكان خيارهم هو السفر بطرقٍ غير شرعية بواسطة سماسرة ومُهربين عن طريق منافذ غير رسمية، حسبما أظهرت تحقيقات صحفية، والتي أشارت إلى أن طرق السفر لليبيا تشمل الانتقال عن طريق سيارات دفع رباعي تنطلق من السلوم وسيوة عبر الدروب الجبلية وتصل لمُدن طبرق ومساعد الليبية في فترة زمنية تقارب أربعة أيام.

ويُشير تحقيق منشور بجريدة «المصري اليوم»، يكشف طرق تهريب المصريين إلي ليبيا، أن أغلب المسافرين يسيرون عبر حقول ألغام تمتد لأكثر من ثلاثة كيلومترات من بين 25 كيلومترًا من المشي في صحراء الحدود المصرية الليبية، بعد أن تكون نقلتهم سيارات نقل «تويوتا» مغطاة من السلوم لمنطقة «الشبكة»، ومن هنا «يسيرون من الواحدة بعد منتصف الليل حتى السادسة صباحًا يقطع خلالها العمال حوالي 25 إلى 30 كيلومترًا سيرًا على الأقدام تجنبًا لدوريات حرس الحدود»، حسبما روى سمسار لمعدي التحقيق.

وقدرت المنظمة الدولية للهجرة، في نهاية عام 2013، عدد المصريين الذين يعملون في ليبيا ما بين 700 ألف و1.5 مليون، بينما بلغت التحويلات المالية من أولئك المهاجرين حوالي 33 مليون دولار أمريكي. ويخضع المتسلل لليبيا عبر الدروب الصحراوية التي تخضع لإشراف وتأمين قوات حرس الحدود المصرية، للسجن بعقوبات بين سنة وستة أشهر وغرامة ألف جنيه، حال ضبطهم من جانب عناصر القوات المسلحة، التي تحولهم إلى النيابة العسكرية بتهمة «التسلل داخل منطقة عسكرية».

وأظهرت روايات عدد ممن انتقلوا لليبيا خلال العام الماضي في تحقيق منشور بجريدة «الوطن» المصرية، أن السفر لليبيا يكون بطريقة أخرى بواسطة فيزا مضروبة وبأختام وهمية للأمن المصري علي الباسبور عن طريق سماسرة مقيمين بمدن السلوم، التي تقع علي الحدود الليبية، مقابل دفع مبلغ مالي يصل لـ3 آلاف جنيه مصري.

وتُظهر الإحصائيات التي نشرتها وزارة الداخلية المصرية أن عدد المتسللين إلى ليبيا المقبوض عليهم منذ منتصف شهر فبراير (شباط) من عام 2014 حتى نهاية شهر أغسطس (آب) من هذا العام، يصل إلى أكثر من 55 ألف متسلل بين مصر وليبيا، منهم 10 آلاف تم ضبطهم أثناء التسلل من مصر إلى ليبيا، و45 ألف متسلل تم ضبطهم أثناء التسلل من ليبيا إلى مصر، بينما قدرت مديرية أمن مطروح أن عدد المصريين الذين عادوا من ليبيا عبر منفذ السلوم منذ 16 فبراير 2015، 76 ألف مصرى، منهم 30 ألفًا دخلوا ليبيا بصورة غير شرعية.

مصائر المصريين في ليبيا: الموت في الصحراء أو رهائن لمساومة السلطات المصرية

انتهت مصائر أغلب المصريين الذين خاطروا بحياتهم عبر السفر لليبيا بالموت في الدروب الصحراوية، أو القبض عليهم من جانب قوات حرس الحدود المصرية التي يتمركز وجودها على الحدود المصرية الليبية، أو القتل على أيدي مسلحين ينتمون لتنظيمات مسلحة داخل ليبيا، أو الخطف على أيدي عصابات.

حسب روايات لمصريين متواجدين بمناطق متفرقة بليبيا، فإن أغلبهم محتجزون داخل مُدن ليبية يسيطر عليها مسلحون، ويفرضون عليهم إتاوات شهرية، مقابل عدم التعرض لهم، بينما كانت أوضاع المصريين داخل المدن الليبية الرئيسية كطرابلس أكثر استقرارًا وأمانًا في وظائف حكومية يحصلون بموجبها علي أجور شهرية بشكل منتظم.

Embed from Getty Images
وعثر الهلال الأحمر الليبي، في يوليو (تموز) الماضي على جثامين 48 مصريًا في الصحراء بين مدينتي طبرق وإجدابيا، وذكر أن «الضحايا كانوا في طريقهم إلى ليبيا للعمل هناك وقد دخلوا بطريقة غير شرعية، قبل أن يتم دفنهم في ساعات متأخرة في مقبرة مجهولي الهوية غرب طبرق».

وأصدر تنظيم داعش بليبيا، في فبراير 2015، فيديو لعملية ذبح 21 مصريًا قبطيًا،  وأظهر الفيديو إعدام جميع المصريين، وهم مكبلو الأيدي، قبل رمي جثثهم في مياه البحر الذي تلون بلون دمائهم، حسبما أوضح الفيديو.

وفي أبريل (نيسان) 2014، اعتقل مسلحون ليبيون 50 سائق شاحنة مصري في طريقهم من ليبيا إلى مصر؛ وذلك لمساومة السلطات المصرية للإفراج عن ذويهم من معتقلين ليبيين في السجون المصرية مقابل الإفراج عنهم.

وتعرض 23 عاملًا مصريًا في طرابلس، في يوليو 2014، لهجوم صاروخي أثناء الأزمة المستمرة بين المقاتلين من مدينة الزنتان والمقاتلين من مصراتة حول السيطرة على المدينة، أنهت حياتهم وتعرض 15 مصريًا في الشهر نفسه، يوليو 2014، للقتل على أيدي مهاجمين مسلحين على الحدود الليبية التونسية أثناء محاولة آلاف المصريين العبور إلى تونس.