ميرهان فؤاد 24
ميرهان فؤاد 24

2,584

يقول الروائي السعودي عزيز محمد في رواية «الحالة الحرجة للمدعو ك»: «ولعل المرء لا يتحرر أينما ذهب، فحتى موتك لا يتم إلا بأوراق موقع عليها تثبت وفاتك».

في الدول الحديثة من لا يملك أوراقًا قانونية تثبت هويته، هو ببساطة غير موجود، ليس هذا فحسب، فقد يلاحق هذا الشخص أمنيًّا بوصفه موجود في الدولة وجودً غير شرعي، إنه عديم الجنسية أو «البدون» اختصارا لبدون جنسية. وهو أي شخص لا تعده أي دولة مواطنًا بمقتضى تشريعاتها، ووضَعت هذا التعريف اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع الأشخاص عديمي الجنسية عام 1954.

ويعرّف البدون بأنه: «الشخص الذي لا تعدّه أية دولة مواطنًا فيها بمقتضى تشريعاتها»، وتمنحه هذه الاتفاقية وضعًا قانونيًّا معترفًا به دوليًّا، وتخوّل له الحصول على وثائق سفر ومستندات، ولكن وثيقة السفر لا تعني بالطبع الحصول على جنسية.

وتعرّف الجنسية على أنها رباط قانوني بين الفرد والدولة، تمنحه حقوقًا بأمر القانون، دونها لن يستطيع العيّش بالأساس بسهولة، ولا الحصول على متطلبات الحياة الأساسية، لغياب ورقة حكومية تحمل اسمه، وسيحمل لقب بدون.

وقد أكّد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1984 في المادة 15 أن لكل شخص في كل مكان في العالم حق التمتع بجنسية ما، وأن تربطه صلة قانونية بدولة من الدول.

Embed from Getty Images

فريق من الروهينجا البدون يسعون لنشر قضيتهم عن طريق مباريات كرة القدم

ما الذي يجعل البدون «بدون»؟

في البداية لا بد أن نذكر أن الدولة تحدد الجنسية من خلال إثبات صلة الشخص بها، على أساس النسب أو الميلاد أو الإقامة؛ وأزمة انعدام الجنسية هي نتيجة لها أكثر من سبب، السبب الأبسط هو إسقاط جنسية مواطن وهو لا يمتلك جنسية أخرى؛ حدث ذلك في البحرين، حيث أسقطت الدولة الجنسية عن معارضين سياسيين، ومن لم يطلب لجوءًا سياسيًّا منهم أصبح بدون جنسية. ومن تبعات القرار كان توقف معاملاتهم الحكومية، وعدم تمكنهم من السفر، ذلك بالإضافة إلى حكم بإسقاط جنسية 557 مواطن ينتمون إلى المعارضة.

وكان حاكم البحرين السابق «عيسى بن سلمان آل خليفة» قد أصدر مرسومًا في عام 1963 يفيد بسحب الجنسية من البحريني الذين يضر بأمن الدولة، كذلك عندما جُرد عدد كبير من الأكراد الفيلية من جنسيتهم، في فترة حكم الرئيس صدام حسين، ولكن هذا المرسوم ألغي في عام 2006.

Embed from Getty Images

قد تنزع الدولة الجنسية أيضًا مثلما حدثت في أبريل (نيسان) عام 1989، حينما بدأت الحكومة الموريتانية العربية في نزع جنسية العديد من الموريتانيين السود، وهم يُعرفون بـ«عبيد موريتانيا»، وأجبرتهم على الهجرة إلى السنغال ومالي، واستمر طردهم على يد حكومة «معاوية الطايع» حتى عام 2005.

وترجع حكايتهم إلى أن إلغاء الرق في موريتانيا يرجع إلى وقت قريب جدًّا؛ لعام 1981 فقط، حين أقرت الحكومة الموريتانية أنها تشدد على منع الرق، لكن بسبب الفقر استمر وجود «العبيد»، فكان الأطفال يولدون عبيدًا، ولا يمتلكون أوراقًا تدل على هويتهم، ولا يُسجلون كمواطنين في الدولة، بجانب أنهم يُدفعون قهرًا إلى العمل، ويُعاملون معاملة غير إنسانية، فلا يُوَفر لهم رعاية طبية، ولا تعليمية، هذا بالطبع بالإضافة إلى العزلة المجتمعية فمن سيصادق عبيدًا؟

حين تآمر الجنرالات والبنك الدولي على فقراء و«عبيد» موريتانيا

العبودية الجديدة في موريتانيا

والسبب الأكثر تعقيدًا من النزع المباشر؛ عند اختلاف تشريعات الجنسية بين دولتين، يؤدي ذلك إلى بقاء الفرد بدون جنسية من الجنسيتين.

أما أشهر الأسباب، فيرجع إلى قوانيين التمييز ضد المرأة؛ التي تسمح بانتقال الجنسية من الأب فقط.

لو نظرنا عالميًّا، سنجد أن هناك 27 دولة في العالم، تَمنع الأم من تجنيس أولادها بجنسيتها نفسها، لذلك فإن الأب عديم الجنسية، يصبح ابنه مثله بالتبعية.

لذا فإن الأطفال مجهولي النسب قانونًا، أو من لم يعترف آباؤهم بنسبهم، أيضًا يصبحون بلا جنسية، فما يقرب من ثلث الدول في العالم، لا تكفل إعطاء جنسية للأطفال غير المعروف آباؤهم، على سبيل المثال بلد مثل كوت ديفوار، لها تاريخ مع المهاجرين والحرب الأهلية؛ نجد أن من بين 700 ألف شخص عديم الجنسية، يوجد 300 ألف طفل معدوم الجنسية بسبب أنه لقيط.

حالة أخرى تتسبب في عدم القدرة على الحصول على جنسية، هي عدم تسجيل المواليد، فلا نستطيع إثبات صلة الشخص بالدولة، فشهادة الميلاد تخوّل للدولة معرفة متى وأين ولد الشخص، ومن هم أبواه، وهذه الحالة تتكرر عادةً مع اللاجئين والمهاجرين، والبدو وسكان الحدود.

في عام 1961، أصدرت الأمم المتحدة اتفاقية لخفض حالات انعدام الجنسية، وتضمنت منح الجنسية بعد طلب الحصول عليها خلال فترة تقديم معينة، وذلك لكل شخص ولد داخل إقليم الدولة، ووضعت شروطًا محددة للإقامة، واشترطت عدم وجود أحكام إدانة جنائية على المتقدم للجنسية، ومنحت حق الجنسية أيضًا لكل طفل شرعي تحوز أمه جنسية الدولة التي ولد بها الطفل. وللقطاء الذين يعثر عليهم داخل إقليم إحدى الدول المتعاقدة على الاتفاقية.

من ليبيا إلى السعودية.. عديمو الجنسية في العالم العربي

الكويت، والسعودية، وسوريا، ولبنان، ومصر، وليبيا، دول تعرف البدون لأسباب شتى، لكنهم يحملون المعاناة نفسها، ويتسولون حق الوجود أو الحق في امتلاك ورقة حكومية تحمل أسماءهم، وإلى أن تمنحهم أي دولة هذا الحق، سيعانون في سبيل الحصول على وثائق تمكنهم من التعليم، أو التملك، أو التنقل كأي شخص طبيعي.

الكويت.. المثل الأشهر عربيًا

عانى عديمو الجنسية في الكويت من ضياع حقوق المواطنة، ومن الإقصاء والتمييز 50 عامًا، وتقدر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عددهم بنحو 93 ألف شخص، وهم يمثلون حوالي 30% من سكان الكويت، وهم إما من لم يتقدم أجدادهم وآباؤهم بطلب الجنسية بسبب قلة الوعي حينها، أو لم تكن لديهم الوثائق اللازمة لذلك وقت استقلال الكويت عام 1961، أو من المستقَدمين للعمل في الجيش أو الشرطة الكويتية أثناء الستينيات ثم استقروا نهائيًّا في الكويت، ومعهم أسرهم، أو أبناء لأمهات كويتيات وآباء من البدون أو أجانب.

لكن الكويت تعتبرهم مواطنين أتلفوا أدلة جنسياتهم من أجل الحصول على الامتيازات التي تكفلها دولة الكويت لمواطنيها، ويمنح القانون الكويتي الجنسية لكل من أقام في الكويت قبل عام 1920 بالتأسيس، وكل مولود لأب كويتي.

ما يؤكده النشطاء الكويتيون أن من تسللوا إلى حدود الدولة، وكانوا حاملين في الأصل جنسيات أخرى، بغرض التمتع بالامتيازات التي تكفلها الكويت لمواطنيها، عدد قليل جدًّا، لا يقارن بعدد البدون، لكن هذا يزيد بلا شك من تعقيد المشكلة.

أكثرية البدون في الكويت هم من أبناء البادية الرحل من قبائل شمال الجزيرة العربية، كانوا قد سكنوا الكويت بعد ظهور الحدود السياسية بين دول المنطقة، ولم يغادروها أبدًا، ويضاف إليهم النازحون من الشاطئ الشرقي للخليج من عرب وعجم إيران.

الخط الزمني لمشكلة بدون الكويت

كانت مشكلة البدون في الكويت قد بدأت عام 1959 عندما صدر قانون الجنسية في الكويت، وتجلت بوضوح بعد استقلال الكويت عام 1961، فالقانون لم يضع حلًّا لمن طالب بالجنسية الكويتية بعد هذا التاريخ، وقد أخذ القانون في مادته الثانية والثالثة باكتساب الجنسية بحق الدم، أي أنها تورث من الأب للابن.

فشل البدون في الحصول على الجنسية يرجع إلى قصر فترة الإعلان عن التقدم لطلب الجنسية الكويتية، وضعف حملات التوعية التي من المفترض أن تدعو المعنيين بالحصول على الجنسية، خاصةً من السكان المقيمين خارج المدينة بعد عام 1959، إضافةً إلى قصر الفترة التي منحت خلالها لجان العمل الجنسية، والاعتقاد في تأثير القبلية والطائفية في اتجاهات اللجنة المانحة للجنسية.

كذلك كان شرط الحصول على الجنسية هو الإقامة في الكويت في الفترة من عام 1920 لعام 1950، لكن في الحقيقة لم تكن هناك أي إحصائيات رسمية للمواطنين قبل عام 1950 تخول للدولة منحهم الجنسية.

علاقة البدون بالحكومة مرت بمرحلتين؛ كانت تقبل البدون في المدارس الحكومية، وتقبل توظيفهم، حتى إن الجيش الكويتي أثناء غزو العراق للكويت كان البدون يشكلون 80% منه، ويذكر أن عددًا من البدون انضم إلى صفوف الجيش العراقي، مما زاد في تعقيد الأوضاع، واتهام البدون بعدم الولاء.

ومن منتصف الثمانينات، تحديدًا من عام 1986، أخذت الحكومة في تغيير سياستها تجاههم، واتباع قوانين غير مكتوبة تفيد بالتنصل منهم شيئًا فشيئًا. قبل غزو العراق للكويت عام 1990، بلغ عدد عديمي الجنسية من 220 ألف إلى 350 ألف، وبعد انتهاء الغزو العراقي تقلص العدد ليصبح أقل من 120 ألفًا بسبب سياسة الضغط والتهجير التي اتبعتها الحكومة إزاء البدون.

Embed from Getty Images

«البدون في الكويت»

وفي عام 1993، أُنشئت اللجنة المركزية لتسوية أوضاع البدون، واستمر العمل بها حتى عام 1996، التي أُنشئت فيها اللجنة التنفيذية لشؤون المقيمين إقامة غير قانونية، والتي درست أوضاعهم وانتهت إلى تقسيمهم إلى ثلاث فئات.

1- شريحة يُبحث في منحها الجنسية الكويتية، وهم أبناء المطلقات والأرامل وعدد ممن قدموا خدمات للدولة، ومن يمتلكون أقرباء كوتيين من الدرجة الأولى.

2- شريحة تستحق الجنسية، وتحتاج فقط إلى تطبيق بعض قوانين الجنسية المعطلة.

3- شريحة لا تستحق الجنسية الكويتية، وذلك لانتمائهم لدول عربية أخرى، بدون حمل جنسياتها. وبناء على قرارات هذه اللجنة مُنح عدد ضئيل من البدون الجنسية الكويتية.

في عام 1999 أصدر أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الصبّاح مرسومًا يفيد بمنح 2000 شخص من البدون الجنسية سنويًّا، مُنحت الجنسية لـ 626 شخصًا سنة 2000، ثم توقف تنفيذ القرار حتى عام 2007، وأعيد مرة أخرى ليجري تجنيس 573 شخصًا من الأجانب، بينهم 26 كويتيًّا فقط، ثم توقف التجنيس مرة أخرى حتى إشعار آخر منذ عام 2008. وفي عام 2010 دعت منظمة هيومان رايتس ووتش دولة الكويت إلى تجنيس البدون، والاعتراف بحقهم في الحصول على الجنسية.

«فورين أفيرز»: «البدون» للبيع في الخليج

إبان ثورات الربيع العربي، خرجت شرارة ثورات أخرى للبدون في الكويت، ففي عام 2011 خرجت مظاهرات لبدون الكويت قوبلت بالعنف من الشرطة والقنابل المسيلة للدموع، وكانت مطالبهم لا تتعدى الحصول على حقوق المواطنة.

لم تُحل مشكلة البدون في الحصول على الجنسية الكويتية، وكانت أحد الحلول المقترحة من الدولة هو دعوتهم إلى تقديم طلب للحصول على جنسية جزر القمر، بما أسمته المواطنة الاقتصادية، وأعلنت أن من سيوافقون سوف يحصلون على إقامة مجانية في الكويت وامتيازات تعليمية وصحية.

أما آخر مقترحات الجهاز المركزي لتسوية أوضاع البدون، أو المقيمين إقامة غير شرعية كما تسميهم الكويت، هو تجنيسهم بالجنسية السودانية، وذلك بحسب جريدة النهار، وهو ما نفته سفارة السودان في الكويت قائلةً إن منح الجنسية قرار سيادي يخضع لاشتراطات معينة في القانون السوداني.

مكتومو القيد في سوريا.. 100 ألف شخص

سوريا أيضًا تعرف البدون تحديدًا من أكراد سوريا الذين يمثلون 10 إلى 11% من السكان، ويعيشون في جبل الأكراد «عفرين» والجزيرة وجبل سمعان، وطالما تعرضوا للتمييز على أساس الهويّة، وقد كانوا بالفعل بدون جنسية، حتى منحهم رئيس النظام السوري بشار الأسد الجنسية عام 2011، ولكنه منعها عن فئة منهم تعرف باسم «المكتومين» أو مكتومي الجنسية الذين يعيش معظمهم في محافظة الحسكة، ويقدرون بنحو 100 ألف شخص.

كذلك فإن الحصول على الجنسية يتطلب مقابلات شخصية متعددة مع دوائر الأمن، ومن ثم الالتحاق بالجيش، أي القتال ضد صفوف المعارضة. المكتوم السوري لا يستطيع العمل بسهولة، ويخضع للابتزاز دائمًا، وسبيل الحصول على لقب مواطن في الوقت الحالي هو اللجوء إلى أوروبا.

في ليبيا.. بدون ما زالوا ينتظرون من الثورة أن تحقق أحلامهم

التهميش والتمييز هي السياسة التي اتبعها نظام القذافي تجاه الأقليات غير العربية في ليبيا، والتي تتوطن تحديدًا في الجنوب الليبي من قبائل الطوارق والتبو، ويقول رئيس بعثة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في ليبيا أنه أثناء فترة حكم القذافي لم تكن هناك آلية تتيح الحصول على الجنسية، والآن أصبحت القضية قانونية وإدارية، وهم بحاجة إلى نظام في المستقبل لتطبيق القانون.

في السعودية.. قبائل غير مسجلة رسميًّا وروهينجا

تقول الإحصاءات غير الرسمية؛ لأن الإحصائيات الرسمية غير متوفرة، أن السعودية تحتوي على 250 ألف شخص من البدون، وهم ينحدرون من قبائل لم تُسجل رسميًّا عندما وُضعت حدود الدولة الحديثة في القرن الماضي، يعانون من الحرمان من حقوقهم، يريدون التجنس بالجنسية السعودية أسوة بالروبوت صوفيا التي حصلت مؤخرا على الجنسية السعودية.

وبين الحين والآخر تنتشر دعوات من مثقفين سعوديين، بمنح البدون الجنسية، فهم قد ورثوا انعدام الجنسية من أجدادهم الذين لم يغادروا السعودية طوال حياتهم.

من الجهة الأخرى يسكن السعودية بدون آخرون غير سعوديين، فتحتوي السعودية على عدد من الروهينجا، ومن مسلمي بورما، ممن سافروا للحج ولم يخرجوا من البلد، ولا تعترف بهم حكومة مينامار مواطنين بورميين، وتحرمهم من الجنسية، ويتعرض كثير منهم إلى القتل على يد الجيش في بلادهم.

البدون في مصر.. قصة لا تذكر كثيرًا

في سبتمبر (أيلول) 2017، أصدر مجلس الوزراء المصري، برئاسة المهندس شريف إسماعيل قرارًا، بتعديلات على قانون الجنسية يفيد بإسقاط الجنسية المصرية لمن يثبت انضمامه إلى جماعة تهدف إلى المساس بأمن الدولة، حينها تعالت الأصوات بأن مصر سوف تدخل عصر البدون، وقال آخرون إن مصر لم تعرف أبدًا البدون، لكن هؤلاء لا يعلمون أن مصر قد دخلت عصر البدون بالفعل منذ سنوات.

يعيشون بلا جنسية.. البدون وأكراد سوريا والمعارضون المصريون!

في مصر تعيش قبيلة العزازمة، تحديدًا في صحراء النقب بسيناء، يقدّر عددهم في مصر بـ 5 آلاف، وهم جزء من مجموعة عشائر العزازمة التي تتوزع بين الأردن وفلسطين، وترجع قصتهم إلى ما قبل رسم الحدود الدولية، فكانت مساكنهم موزعة بين مصر وفلسطين، ولكن بعد ذلك، انقسم العزازمة إلى قسمين، قسم داخل مصر يتبع الحكومة المصرية والاحتلال البريطاني، وقسم يتبع تركيا التي كانت تسيطر على منطقة الشام التي تتبع لها فلسطين، وبقي الوضع كذلك بعد حرب فلسطين عام 1948.

Embed from Getty Images

«بدون في سيناء»

لكن بعدها بخمس سنوات، انتقل أفراد القبيلة من فلسطين عبر الحدود وطالبوا باللجوء إلى مصر، فسمحت لهم الحكومة بالدخول إلى الأراضي المصرية، وأعطتهم بطاقات تعريفية، لكنها لم تعطهم الجنسية المصرية.

هم يحملون بطاقات يكتب عليها غير معيّن الجنسية؛ وحتى لا يورث ابنه انعدام الجنسية، يتحايل الأب أحيانًا بنسب أولاده لأمه، لأنها تمتلك قسمية زواج، أما هو فلم يستطع امتلاك شهادة ميلاد، فيصبح أبناؤه على الورق إخوته، ويضطر آخرون إلى الهجرة القسرية خارج سيناء.

وعلى الحدود السودانية، تعيش قبيلة الأتمن أيضًا بلا جنسية، وترجع القصة إلى عام 1995، بعد محاولة اغتيال الرئيس الأسبق مبارك، في أديس أبابا، عام 1995وتوتر العلاقات المصرية السودانية، منحت السلطات المصرية الجنسية لقبيلتي البشارية والعبابدة، لكنها لم تمنحها لقبائل الأتمن والرشايدة والهداندوة.

Embed from Getty Images

«بدون أردنيون»

ماذا يعني أن تكون «بدون»؟

أن تكون «بدون» ليس فقط أن تُجرد من هويتك، بل تُجرد من كل الحقوق الإنسانية، لأنك قانونيّصا شبح غير موجود، تتحول إصدار شهادة ميلاد أو وفاة لمعضلة قانونية. من كل الحقوق الأساسية، وستوفر له فقط فرص التمييز والتهميش.

بلا أوراق ومستندات شخصية، لا يستطيع الشخص عديم الجنسية التعلم في مدارس حكومية، ولا التنقل، لن تستقبله مستشفى بدون أوراق شخصية، ولن يستطيع الزواج، ولا الميراث بالطبع، عرقلة في كل تفاصيل الحياة، وقد يتعرض أيضًا للاعتقال، وهذا ما يعيشه 10 مليون شخص في العالم تبعًا لمفوضية الأمم المتحدة العليا للاجئين، ونحو 760 ألف شخص في أوروبا.

يواجه عديمو الحنسية المعاناة مبكرًا، فهم يضطرون عادة للعمل في طفولتهم، ويتعرضون لتحرش السلطات. ليس هذا فحسب؛ فالبدون يعانون حتى بعد انتهاء حياته، فمقابر الدولة لا تستقبل موتى بدون أوراق رسمية.

والعقدة الكبرى في طريق الطفل عديم الجنسية عادة هي التعليم، فمعظم المدارس تتطلب أوراقًا شخصية، وتضيف مصروفات زائدة على الأجانب.

وتبعًا للمفوضية فإن هناك أكثر من 30 دولة تتطلب أوراقًا لتوفير الرعاية الصحية، وفي أكثر من 20 دولة لا يستطيع الأطفال تلقي التطعيمات بشكل قانوني؛ لأنهم غير مسجلين في أوراق الدولة، توفير العلاج لهم يتطلب مصاريف زائدة، لا يستطيعون الذهاب لمستشفى حكومي، فيضطرون للذهاب إلى مستشفى خاص، ولا عجب أن هناك أطفالًا من البدون لم يذهبوا قط إلى مستشفى، حتى إنهم يولدون في البيت؛ لأنه ليس مواطن في الدولة ولا في أي دولة، وفي حالات الطوارئ، أو الأمراض الخطيرة يتحايلون باستعارة أوراق لطفل آخر، أو بعد قضاء وقت طويل في إقناع إدارة المستشفى، وذلك حسب استقصاء قامت به المفوضية.

هذا كله فضلًا عن الاحتياجات الأساسية في الحياة، التي يُحرم منها معدومو الجنسية، والعيش بلا أمان، فبدون أوراق قد يتعرضون للطرد من بيوتهم في أي وقت، أو بالأصح البيوت التي يسكنونها، لأن البدون لا يتملكون. وهم يمثلون هدفًا ناعمًا لشتى أنواع الاستغلال، وحتى لا يستطيعون الانضمام شرعًا للمسابقات، أو حتى لفرق رياضية، أو السفر للاشتراك في مسابقات فنية، فضلًا عن المشاركة السياسية.

عادةً ما يعمل الشخص عديم الجنسية في وظائف محدودة؛ فالعمل قد يحتاج للسفر، والسفر يحتاج لسيارة والسيارة تحتاج لأوراق والأوراق تتطلب جنسية، لذلك يُحرمون من ممارسة كثير من المهن المنتظمة، ويتعرضون بالطبع للاستغلال والعمل بأجور زهيدة، خاصةً النساء والأطفال. هذا إذا نحينا الجانب النفسي بالإحساس بالتمزق والشتات وانعدام الهوية.

مستقبل البدون في العالم

لا أحد يعرف ما مستقبل البدون في العالم، هم يحاولون لفت الأنظار إلى قضيتهم المعقدة، التي لا تحظى باهتمام حقوقي كبير تارة بإشعال الشموع، وتارة بحرق أنفسهم.

وكانت مفوضية شؤون اللاجئين قد أعلنت في 2014 خطة لإنهاء انعدام الجنسية بحلول 2024، ولكن لا أحد يعرف ما مستقبل البدون، أو لم يجد أحد حلًّا نهائيًّا لمشكلتهم. ولم تعرض أي من الدول المعنية من الأساس أرقامًا رسمية عن عدد البدون بها.

لكن المفوضية كانت قد أوصت بعدة نقاط لمنع انعدام الجنسية للأطفال: إعطاء المواليد جنسية البلد التي يولدون بها، في حالة إذا ما كانوا بلا جنسية، وتغيير القوانين التي تمنع تجنيس الأطفال بجنسية الأم، وتجنيسهم فقط بجنسية الأب، وإلغاء القوانين التي تمنع تجنيس الأطفال بسبب عرقي أو ديني، وكفالة نظام عالمي لتسجيل المواليد لمنع حالات انعدام الجنسية.