يمكن أن يحدث الإدمان بأشكال عديدة، أحيانًا كثيرة كان يجري تشخيصه اعتمادًا على المشكلات الجسدية التي تتميز بها أعراض الانسحاب، ولكن الباحثين وجدوا أن الإدمان السلوكي يمكن أن يُحدث كل النتائج السلبية التي يُحدثها إدمان المواد المُخدّرة في حياة الشخص.

نتيجة لذلك نشأ مُصطلح يُطلق عليه «الإدمان السلوكي أو إدمان العملية (addiction process)» وهو يُعبر عن الطبيعة القهرية للسلوك التي تجعل الشخص ينخرط ولو مُكرهًا في نشاط أو سلوك، على الرغم من التأثير السلبي لهذا السلوك عليه.

فمثلًا اعترف الخبراء في مجال الطب النفسي رسميًا بأن مشكلة القمار هي اضطراب إدماني، ويعتمد اعترافهم هذا على الأدلة العلمية التي قدّمها الباحثون بأن المقامرة القهرية تشترك في العديد من الخصائص مع إدمان المخدرات، وكما هو الحال مع الإدمان الكيميائي، يمكن أن يؤدي إدمان السلوك إلى تدمير العلاقات، ومشاعر الانسحاب، وحتى التغييرات في المسارات الكيميائية في الدماغ المتعلقة بالمكافآت وتجربة المتعة.

ما يجب معرفته هنا أن الأشخاص الذين يعانون من الإدمان السلوكي غير قادرين على التوقف عن الانخراط في هذا السلوك لأي فترة من الوقت دون علاج أو تدخل، خلال السطور التالية سيُمكنك التعرّف على بعض من أنواع الإدمان التي تُمثّل الإدمان السلوكي.

1- إدمان التدين أو الهوس الروحاني

رغم أن إدمان التدين موجود منذ نشأة الإنسانية وعلى مرّ العصور، إلا أنه يُعرّف مرضا إلا مؤخرًا. لكن مهلًا، هل من الممكن أن يتحول التدين إلى إدمان؟ الإجابة هي نعم. فمن الممكن أن يكون الشخص مُكرّسًا للعبادة بمعناها الطقسي، بحيث يهمل كل شيء آخر، فلا يذهب إلى العمل ولا يقوم بمسؤولياته الأسرية، ولا الاجتماعية.

وإدمان التدين هو نوع من الإدمان السلوكي، ومثل أي إدمان سلوكي آخر، يرتبط هذا الهوس بالعواطف والدماغ، ويشترك في العلامات والأعراض مع إدمان المواد المُخدّرة.

هناك بعض العلامات التي تُمكنّك من معرفة أن شخص ما قد تجاوز حدّ العبادة الدينية الكاملة والصحية إلى الهوس الضار، ومنها:

  • تجنب المسؤوليات بحيث تقف العبادة عائقًا في طريق الذهاب إلى العمل والاهتمام بالأسرة.
  • الهوس بالقواعد فقد يقضي الشخص ساعات في التفكير في تفسير القواعد الدينية، وما يعتبر إثمًا، بل يُحاسب الآخرين أيضا.
  • حدوث المشكلات المالية.
  • الانفصال عن العالم الحقيقي والذي قد يصل إلى حد الهلاوس السمعية والبصرية.
  • التقلبات المزاجية فيتأرجح مزاجه بشدّة بين الرضا وكراهية الذات عند الشعور بحدوث تقصير في أمر ديني.

فإذا أصبح التدين إدمانًا، فهناك طرق للحصول على المساعدة، منها اللجوء إلى مساعد مُختص والذي يمكنه أن يساعد الشخص على تعلم كيفية التحكم في دوافعه وهواجسه.

2- إدمان إجراء العمليات التجميلية

هل يبدو هذا غريبًا؟ أن يُدّمن شخص ما إجراء العمليات الجراحية؟ قد يبدو هذا غريبًا بالفعل، لكنه على أي حال يُعتبر أحد أشكال الإدمان السلوكي، وخلال هذا النوع يرغب الشخص في تغيير مظهره باستمرار من خلال الخضوع للجراحات التجميلية، والتي قد يُنفق عليها مبالغ طائلة، ولا يُصبح سعيدًا ولا راضيًا في النهاية.

Embed from Getty Images

هذه الرغبة تنشأ من شعور البعض بعدم رضا تجاه مظهره، وهو قد يكون أمرًا طبيعيًا نمر به جميعًا بين الحين والآخر، لكنه في هذه الحالة يتحول الأمر إلى هوس، وتصبح مُحاولة علاج العيب الشكلي «المُتخيّل» من خلال الجراحة التجميلية محورًا لحياة الشخص.

إدمان الجراحات التجميلية، مثل أي نوع أخر من الإدمان يبدأ بتجربة أولية إيجابية، ثم يشعر الشخص أن هناك ما هو أفضل مظهره، فيُقرر أن يخوض جراحة أخرى لتصحيح «عيب» آخر، ويتحول الأمر في النهاية إلى اعتماد كامل للشخص على الجراحات التجميلية، مصدرًا لتقديره لذاته.

ولعلاج إدمان الجراحات التجميلية يجب أن يحصل الشخص على العلاج والدعم للتعافي، يمكن أن يساعد العلاج السلوكي المعرفي الأشخاص على فهم أفضل لاضطراب تشوه الجسم، وهو الاضطراب الذي قد يُسبب لهم إدمان العمليات التجميلية، كما يمكن أن يساعدهم العلاج السلوكي في التغلب على مشاعر الهوس وتدني احترام الذات.

3- إدمان الرغبة في الحصول على «سمرة البشرة»

خلال إدمان سمرة البشرة أو الرغبة في الحصول على «تان»، يجلس الشخص مرارًا مُعرّضًا نفسه لأشعة الشمس الحارقة فقط رغبةً في تسمير لون جلده، وغير مبال بالأضرار التي قد يتعرض لها، والتي قد تصل إلى حد الإصابة بسرطان الجلد.

ورغم معرفة مُدمني الحصول على سمرة بذلك، إلا أن الأشخاص المُصابين بهذا الإدمان لا يستطيعون منع أنفسهم، ولا يستطيعون التحكم في رغبتهم التي تُلقي بهم في كل مرة تحت أشعة الحارقة.

يعتقد العديد من الباحثين أن السمرة القهرية تكون مدفوعة بالرغبة في استعادة إحساس الاسترخاء وانطلاقة المواد الكيميائية التي يُطلقها الدماغ استجابةً لضوء الأشعة فوق البنفسجية، ووجد الباحثون أيضًا أن الأفراد الذين يعانون من بعض الاضطرابات العقلية، وعلى الأخص اضطراب الوسواس القهري، أو اضطراب تشوه الجسم، هم الأكثر عرضة للإصابة بإدمان الحصول على «تان» أكثر من غيرهم.

وللتعرّف على مُدمني التان يستخدم بعض الباحثين نوعًا مختلفًا من استبيان «CAGE»، والذي جرى تصميمه للكشف عن تعاطي الكحول.

لا يوجد علاج مخصص لإدمان الحصول على السمرة، ولكن يمكن أن تكون علاجات أنواع الإدمان الأخرى، مثل إدمان الكحول أو التدخين، فعّالة في إدمان السمرة أيضًا.

4- إدمان ممارسة الرياضة

ممارسة الرياضة هو أمر حيوي ومفيد لصحتك الجسدية والنفسية، هذا أمر مفروغ منه، لكن هل تعلم أن الكثير من هذه الممارسة من الممكن أن يصل بك إلى مرحلة الإدمان؟ لا تتعجب، فقد تحدث العديد من الرياضيين المشهورين عن اندفاع الأدرينالين الذي يحظون به عندما يمارسون الرياضة، وعن المتعة التي يجدونها، والهرمونات المُسببة للسعادة التي تنطلق في عروقهم مثل الإندورفين والدوبامين عند إتمام جلسة التمرين، الوقوع في أسر هذا التأثير هو نفسه الأمر الذي يعاني منه مدمنو الكحول، والأشخاص المصابون باضطراب تعاطي المخدرات.

Embed from Getty Images

عندما تصل ممارسة الرياضة إلى مرحلة الإدمان، فإن شدّة التمرينات والتدريبات وتواترها ومدّتها من الممكن أن يُصبح ضارًا بصحتك، وقد يصل الأمر إلى حدّ النوبات القلبية وهشاشة العظام.

هناك بعض العلامات التي تُخبرك أن تعلّقك بممارسة الرياضة أصبح إدمانًا، ومنها:

  • ممارسة الرياضة بشكل يومي مهما بلغت درجة تعبك.
  • ينحصر تفكيرك كله في ممارسة الرياضة، بحيث تخشى أن يقع لك أي مكروه فقط لأن هذا قد يمنعك عن ممارسة الرياضة.
  • علاقاتك الأسرية والاجتماعية وحياتك المهنية تبدأ في التأثر سلبًا بسبب تكثيف تركيزك وجهدك على ممارسة الرياضة فقط،.
  • تشعر بالذنب البالغ الذي قد يمنعك النوم لأنك لم تُمارس الرياضة خلال هذا اليوم.

يتطلب علاج هذا النوع من الإدمان التشخيص الجيد لمعرفة السبب الجذري لحدوثه، بمجرد تحديد السبب قد يصف الطبيب دواءًا يُعالج اضطرابات معينة مثل الاكتئاب والقلق واضطرابات الهلع، إذا كان أحدهم هو ما يُسبب إدمان الرياضة.

يُمثّل علاج إدمان الرياضة تحديًّا؛ لأنه ليس من السهل التعامل مع العادات الصحية مثل المشاركة في الرياضة، فهي أمر هام ومفيد، والامتناع عن ممارسة النشاط البدني ليس خيارًا لأن جسمك يحتاج إليه للبقاء بصحة جيدة، لكن سيساعدك المعالجون على فهم الفرق بين الأنشطة الرياضية الصحية والضارة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد