لا شك أن أسلوب وطريقة تعاملك مع شخص تفترض أنه عاقل وصاحب قرار راشد، يختلف تمامًا عن الطريقة التي ستتعامل بها حال افترضت أن تصرفات من أمامك ليست عقلانية وغير رشيدة، هذا هو تمامًا الفرق بين الاقتصاد السلوكي والكلاسيكي أو التقليدي؛ بمعنى أنك أذا كنت مسؤولًا عن شخص، وكنت مقتنعًا بأن هذا الشخص يمكنه اتخاذ قرارات عقلانية، فلن تكون مضطرًّا لتعطيه أي توجيهات أو نصائح لتحسين قراراته، لكن إذا لم تكن مقتنعًا بذلك، فإنك ستلجأ للنصائح والتوجيهات التي تساعده في اتخاذ قرارات صائبة.

النظرية الكلاسيكية وغيرها من النظريات الاقتصادية التقليدية تفترض رشادة تصرفات الأفراد كوحدات اقتصادية، لذلك لا نجد أيًّا من تلك النظريات تعمل على تصحيح سلوك المستهلكين أو المستثمرين، لكن على العكس تمامًا: نجد الاقتصاد السلوكي قائمًا في الأساس على أن الناس لا يتصرفون بشكل عقلاني، وهو ما يجعله يتعامل بشكل مختلف تمامًا مع الفرد وقراراته الاقتصادية، لكن ما الذي يفعله هذا الفرع الحديث من الاقتصاد للتأثير على قرارك الاقتصادي؟ وهل يمكن للحكومات والأفراد اللجوء إليه للوصول إلى قرارات أكثر عقلانية في المستقبل؟

الاقتصاد السلوكي.. بوابة الانحياز للخيار الصحيح

يُعدّ التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تاريخًا فارقًا في مستقبل الاقتصاد السلوكي، وذلك بعد أن أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية عن فوز الأمريكي «ريتشارد ثالر» بجائزة نوبل للاقتصاد، وهو الرجل الذي في مكانة الأب لعلم «الاقتصاد السلوكي»، بالرغم من أنه ليس أول شخص له أبحاث في هذا الفرع من الاقتصاد، لكن مع ابتكاره لنظرية «التحفيز» الهادفة لتصحيح النواحي غير العقلانية في سلوك المستهلكين والمستثمرين على السواء، من خلال تقليص الهوة بين الاقتصاد وعلم النفس؛ بات أكبر المساهمين في الاقتصاد السلوكي.

فوز «ثالر» 72 عامًا بهذه الجائزة فتح المجال أكثر لهذا الفرع الذي يقصد به توظيف أدوات ونتائج علم النفس لجعل التصرفات الاقتصادية والمالية أكثر مواءمة مع كل ما هو اقتصادي، وهذا الأمر لا ينطبق على قرارات الشراء فقط كما يتخيل البعض، ولكن يمكن أن تستخدمه الحكومات أيضًا لتحقيق سياساتها الاقتصادية، دون إجبار الأفراد على اتباع سياساتها. فكيف يمكن تحقيق ذلك؟

بالنظر إلى التجربة البريطانية التي تعد التجربة الحكومية الأولى لاستخدام الاقتصاد السلوكي في مجال دراسة السياسات المدنية، يمكن القول إن هذا ممكن؛ إذ أسست البلاد ما أسمته بـ«وحدة الترغيب» في 2010 خلال ولاية رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون، وقد حققت نتائج لافتة، وبات لها نحو 15 فرعًا حول العالم حتى الآن، حيث دفعت تجاربها إلى زيادة نسبة دافعي الضرائب بنحو 5%؛ وذلك بسبب إرسال صيغ مختلفة لخطابات تذكيرية للأفراد لدفع الضرائب بها، عبارة مثل «معظم الناس يدفعون الضرائب في الوقت المحدد»، وهو ما كان له تأثير معنوي غيّر من سلوك الأفراد؛ الأمر الذي جعل الحكومة تنجح في تحصيل مبالغ ضخمة.

تجربة أخرى نفذتها «وحدة الترغيب» وهي متعلقة بالغرامات المرورية، إذ تم وضع صورة لمالك السيارة مأخوذة من كاميرات الطريق على المخالفة، وهذا الأمر جعل الأمر مقلقًا بالنسبة لمالك السيارة، إذ إن وجود صورة له على المخالفة تعطي انطباع أنه فقط هو المعني بالمخالفة، وهو ما يجعلة أكثر حرصًا على سداد قيمة المخالفة. وهذه التجربة حققت نجاحًا كبيرًا؛ إذ رفعت معدل دفع المخالفات بواقع 9%. وعمومًا ربما تتوقف نسبة نجاح هذه التجارب على قدرة فريق العمل على تبسيط عرض المعلومة للأفراد وجذب انتباههم، والوصول إلى الجمل التي تخلق داخلهم تحفيزًا، أو تجعلهم ينحازون إلى الخيار الصحيح، لذلك لا نستغرب عندما نعرف أن التجربة البريطانية كانت بقيادة المتخصص في علم النفس، ديفيد هالبيرن.

وبالطبع بعض هذه التجارب ربما تكون مناسبة لمجتمعات دون الأخرى، لكن حسب كتاب «Nudge»، لصاحبيه ريتشارد ثالر وكاس سونستين، فإن أنسب الطرق للاستفادة من الاقتصاد السلوكي لصياغة الأنظمة والسياسات العامة، هي توجيه سلوك الناس نحو الخيار الصحيح، وذلك من خلال جعله «الخيار الافتراضي»، اعتمادًا على سلوك الناس للتحيز لـتفضيل «الوضع الحالي»، إذ يفترض الباحثان بمجرد جعل إحدى السياسات خيارًا محددًا مسبقًا لمن لا يختار، يمكن للحكومات أن تصل لمبتغاها من سن القرار المعين دون الحاجة لإجبار الأفراد عليه، وذلك بصورة تبدو اختيارية.

فعلى سبيل المثال: لجأت ولاية فرجينيا في الولايات المتحدة الأمريكية، لتجربة الخيار الافتراضي أو «الوضع الحالي» من خلال حث الموظفين الجدد على التسجيل بنظام التقاعد، وذلك على أن تدفع الولاية دولارًا من خزينتها مقابل كل دولار يدفعه الموظف للتقاعد، لكن لم ينضم من الموظفين الجدد للنظام، سوى 20% فقط، بينما كانت النتيجة هي انضمام 91% للنظام عندما جعلته الولاية هو الخيار المحدد مسبقًا للموظفين ما لم يطلبوا الانسحاب منه.

قطر.. الأولى عربيًّا في تجربة الاقتصاد السلوكي

لا يمكن اعتبار الاقتصاد السلوكي علمًا جديدًا؛ إذ إن آدم سميث كان قد تحدث عن تأثير العوامل النفسية على اتخاذ القرارات في كتابه «نظرية المشاعر الأخلاقية» عام 1759، وشرح سلوك الأفراد من منظور علم النفس منذ زمن، ولكن بالنسبة للتطبيق أو التجارب العملية، يعتبر الاعتماد عليه جديدًا نوعًا ما؛ إذ لم يمر سوى نحو 10 سنوات تقريبًا على مثل هذه التجارب، ولكن ظلت كل هذه التجارب بعيدة عن الشرق الأوسط، إلى أن أطلقت اللجنة العليا للمشروعات والإرث في قطر وحدة للتوجيه السلوكي، وهي تعد الأولى من نوعها في المنطقة.

وكغيرها من المشروعات المشابهة، فإن الهدف هو تغيير سلوك الأفراد بشكل إيجابي. وفي إطار عمل البلاد على مشروعات كأس العالم 2022، تسعى الدوحة لخروج الحدث بأفضل صورة ممكنة، ولكن في ظل الشكاوى المتعلقة انتهاك حقوق العمال التي تعرّض البلد للانتقاد من المنظمات الحقوقيّة؛ جاءت فكرة لجوء قطر إلى تحسين آلية جمع الشكاوى من العمال في مواقع المشاريع، من خلال الاقتصاد السلوكي –وحدة للتوجيه السلوكي-، بالإضافة إلى أنها تستهدف رفع معدل استقبال الشكاوى بنسبة تفوق 30%.

و قامت وحدة قطر للتوجيه السلوكي بإجراء عدد من التجارب التي تتعلق بالتعليم، ورعاية العمال، والاستدامة البيئية، وأنماط الحياة الصحية، بينما أجرت عددًا من التجارب البسيطة المتعلقة بالاستدامة وتشجيع الأفراد على تبنّي نمط حياة صحي، كاستخدام الملصقات لتشجيع الناس على اختيار بدائل صحية للغذاء، أو استخدام ملصقات لامعة تجذب الناس وتشجعهم على استخدام السلالم بدلًا من المصاعد الكهربائية.

الاقتصاد السلوكي ليس علمًا مستقلًا

يظن البعض أن الاقتصاد السلوكي يعتمد بشكل أو بأخر على هدم قواعد علم الاقتصاد التقليدي، ولكن الواقع ليس كذلك، فهذا الفرع الجديد ليس إلاّ محاولة لدفع علماء الاقتصاد إلى الوضع في حسبانهم عند بناء نماذجهم الاقتصادية الاعتبارات البشرية و الاستفادة من التقدم الحادث في علم النفس، كما أنه دعوة لدراسة السلوك البشري وإعادة صياغة النظرية الاقتصادية على أساس واقعي سليم، وهذا من شأنه منع الكثير من الأزمات الاقتصادية والفقاعات المالية في المستقبل .

ويمكن وصف الاقتصاد السلوكي، بأنه تحليل أكثر واقعية للسوق، وإعطاء نتائج متطابقة إلى حد كبير مع الواقع، وكما ذكرنا فإن هذا لا ينطبق على الأفراد فقط، بل أيضًا على المؤسسات والحكومات، وهو ما يقودنا في النهاية للقول أن الاقتصاد السلوكي كيان مركزي بعلم الاقتصاد، وذلك لاعتماده بشكل شبه كامل على علم النفس، وكما يقولون: في النهاية يمكن اعتبار كل العلوم الاجتماعية قائمة على أساس مبادئ علم النفس.

عمومًا ومع تطور نظرية الاقتصاد السلوكي، قد تختفي في المستقبل فكرة السوق العقلاني الحر، والذي كلف العالم الكثير من الخسائر، وفي المقابل ستتبلور أكثر فكرة تعزيز التدخل السلوكي بالقرارات الاقتصادية بشكل إيجابي، سواء لتحسين الوضع الحالي أو تلافي حدوث مشاكل اقتصادية في المستقبل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد