يتكدس العديد من الشباب والمراهقين، لا يسعهم المكان الصغير الذي يوجد فيه 19 سريرًا فقط. ففي قسم «فيلا 21» الذي استطاع الطبيب ديفيد كوبر، الطبيب النفسي الذي آمن بأن الطب النفسي يضر المرضى بأساليبه التي يتبعها، إقناع مستشفى عقلي كبير في لندن بإنشائه، لم يستطع الحصول إلا على 19 سريرًا فقط، بينما يوجد في المستشفى ألفا سرير. 

كانت الفكرة الأساسية لمشروع كوبر؛ هي عدم خلط الشباب والمراهقين مع المرضى الذين أمضوا سنوات «سجن» في المستشفى، وبهذا أقنع كوبر المستشفى بالسماح له بافتتاح قسم خاص للشباب والمراهقين.

لم يجد كوبر بُدًّا إلا أن يختار الأطباء الشباب ذوي الخبرة القليلة نسبيًّا. لقد أرادهم أن يتكيفوا مع منهجه الجديد دون التعرض للكثير من التعقيدات التي تفرضها خبراتهم وأحكامهم المسبقة على نجاح أو فشل التجارب التي أراد أن يثبت صحتها، وخطأ المنهج المتبع في الطب النفسي. كان لدى المرضى هامش واسع من الحرية لاتخاذ قراراتهم بأنفسهم؛ إذ تجنب كوبر وضع القواعد في المواقف التي كانت فيها المرونة ممكنة، وبناء على هذا قرر المرضى بأنفسهم نوعية الأنشطة التي يقومون بها داخل «فيلا 21».

استمرت التجارب من 1962م إلى 1966م، وخلال هذه المدة شارك 42 شابًا ومراهقًا شخصوا بالفصام لأول مرة – وهو مرض عقلي يؤدي للهلوسة والتفكير والسلوك المضطرب للغاية – وقضوا أقل من عام في «فيلا 21»؛ ما أثبت فعالية تجارب كوبر.

الفصام.. مرض لا شفاء منه لكنه ليس مرضًا!

احتج الأطباء النفسيون بأن الفصام لا ينطوي على أي تغييرات جسدية واضحة في الدماغ، ولا يمكن الكشف عنه من خلال أي اختبار بدني. لذا؛ لا يمكن أن نعُدَّ الفصام مرضًا حقيقيًّا. وعُد الفصام من الأمراض التي لا شفاء منها والتي تلازم المريض طوال حياته، لذا يجب ملازمة وجوده في المصحة طوال الحياة. 

ادعى مركز روزوود – وهو مصحة للأمراض العقلية في بالتيمور – أن المرضى ليسوا قادرين على رعاية أنفسهم بشكل كافٍ خارج المؤسسة، إلا أن المحكمة أمرت باستدعاء المرضى لإطلاق سراحهم بعد أن اكتُشف أن المركز منذ عام 1911م إلى 1933م شطب العديد من أسماء المرضى بعد أن استخدمهم خدمًا وعبيدًا في العديد من بيوت الأثرياء، والذين كان معظمهم من الفتيات والنساء، وهو ما كشف عن أهم مشكلات مصحات الطب النفسي بإلزام المرضى وحبسهم لفترات طويلة امتدت من خمس إلى 30 سنة، كما كان يحدث في روزوود، ما أدى لحدوث انتهاكات بحق هؤلاء المرضى. 

فبجانب العديد من الممارسات النفسية مثل العلاج بالصدمة الكهربائية، والتي يُنظر إليها بشكل متزايد على أنها غير مناسبة للعصر، ولا تتوافق مع حقوق الإنسان، أصبحت انتهاكات المصحات وفضائحها منتشرة في الستينيات، ولهذه الأسباب تأسست الحركة المناهضة للطب النفسي على يد كوبر في 1967م.

Embed from Getty Images

فرصة لخنق المعارضين.. الحركة المناهضة للطب النفسي

لم تكن الأصوات التي تسمعها بيثاني ييسر – طالبة الكيمياء الحيوية وعازفة الكمان – حقيقية؛ إذ كانت تعاني من الفصام الذي جعلها تبيت في الشارع لأيام. وفي يوم صيفي عام 2007م ألقت الشرطة القبض على بيثاني لتضعها في غرفة الطوارئ للتقييم النفسي. 

خلال 24 ساعة من لحظة القبض عليها وصف أحد الأطباء عقار ريسبيريدون المضاد للذهان – وهو أحد أنواع أدوية العلاج النفسي المهدئة للأعصاب، والتي يُفترض أنها تقضي على الهلاوس والأوهام – ما زاد الأمر سوءًا عند بيثاني. تحكي بيثاني أنها كانت تمشي في أحد الأيام وقت احتجازها لمدة ستة أشهر، وفجأة وجدت نفسها تنظر إلى السماء وتصرخ وهي تمشي من أقصى اليمين إلى اليسار والأصوات تتعالى في عقلها لتنام في الخارج. 

ازداد الأمر سوءًا وأصبحت الأصوات أكثر إزعاجًا ومنعتها من القراءة بشكل طبيعي، وأدى العقار إلى زيادة الوزن وفقدانها الشهية «وعدم القدرة على الشعور بالسعادة» كما وصفت بيثاني. تركها عقار ريسبيريدون في نوم متواصل امتد حوالي 18 ساعة في الليلة، وبعد شهر من تناول بيثاني لهذا العقار، أوقفته. إذ كانت تعاني من آثار جانبية لا تطاق؛ لتعود نوبة الفصام بعد عدة أسابيع مما جعل بيثاني تؤمن بأن الأصوات لن تذهب وستبقى معها باقي العمر.

صحة

منذ سنتين
«نخاف المرض مثلكم تمامًا».. ماذا يدور في ذهن مريض الفُصام؟

بسبب هذه القصص، قالت الحركة المناهضة للطب النفسي – التي أسسها كوبر – إن لبعض الأدوية المضادة للذهان آثارًا جانبية خطيرة، ورأوا أن التحليل النفسي غير علمي، بل إنه ضار. ولذلك، رصدوا أهم مشكلات الطب النفسي وواقع المصحات في ذلك الوقت، والتي من بينها: 

  • عدم وجود مؤشرات حيوية، والاعتماد على التحليل والتشخيص النفسي بناءً على ملاحظات المعالج للمريض.
  • أن بعض الأطباء النفسيين يتواطئون مع شركات الأدوية في خطوة غير أخلاقية؛ مما يزيد مشكلات المرضى ويعرضهم للخطر. 

كذلك ترى الحركة أن التعامل مع مصابي الفصام يجري بالأساس على النظام الإجرامي بدلًا من النظام الصحي، والذي ينتهي بالعديد من المصابين في السجن عقابًا على حالتهم، وليس على نظام صحي يؤهلهم للنمو بشكل صحيح.

بل أصبح الطب النفسي أداة تُستخدم في يد السياسيين، خاصة في فترة السبعينيات والثمانينيات، والتي كانت من نتائجها إجبار السوفيت على الانسحاب من الرابطة العالمية للطب النفسي عام 1983م، حيث حُبِسَ ما يقرب من ثلث السجناء السياسيين في مستشفيات الطب النفسي. وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أصبح من الواضح أن ذلك يحدث أيضًا في الصين.

يذكر تقرير «المبادرة العالمية للطب النفسي» – وهو اتحاد دولي للمنظمات غير الهادفة للربح التي تعزز رعاية الصحة النفسية الإنسانية والأخلاقية والفعالة، وترصد انتهاكات حقوق الإنسان في ممارسة الصحة العقلية – أن «سوء استخدام التشخيص النفسي والعلاج والاحتجاز يحدث لإعاقة حقوق الإنسان الأساسية لبعض الأفراد والجماعات في مجتمع معين»؛ إذ يمثل الطب النفسي فرصة لخنق المعارضين، ليس فقط في الأنظمة الديكتاتورية، ولكن أيضًا في المجتمعات الديمقراطية الراسخة، والتي «غالبًا ما تخفي انتهاكات حقوق الإنسان للمعارضين سياسيًّا تحت غطاء العلاج النفسي». 

Embed from Getty Images

وفي محاولة من الحركة لتقديم بديل، ظهر تحالف مناهضي الطب النفسي، والذي يسعى للتحذير من الأذى الذي يلحق بشكل روتيني بمن يتلقون العلاج النفسي، «ولجميع الأشخاص الملتزمين بالقانون والذين جرى التخلي عنهم في الولايات المتحدة وكندا ودول أخرى يفترض أنها ديمقراطية». ولكن على الرغم من أن الكثيرين رأوا أن الحركة المناهضة للطب النفسي هي بديل أكثر إنسانية للطب النفسي التقليدي، رأى آخرون أن واقع الحركة وما تؤمن به؛ جزء كبير منه لا يعدو أكثر من مجرد وهم. 

مع مجيء الثمانينيات؛ تغيرت علاجات الطب النفسي جذريًّا، فانخفضت جرعات مضادات الذهان، وبالتالي انخفضت الآثار الجانبية المصاحبة لها، وانخفض استخدام علاج الصدمة الكهربائية. ومع الوقت والظروف المتغيرة تلاشت الحركة المناهضة للطب النفسي عن الساحة، ولكنها لم تختفِ تمامًا. إذ أصبحت مدرسة فكرية أكثر منها منظمات تعمل على أنشطة مختلفة عما تمارسه مستشفيات الصحة العقلية. كما توجد إلى اليوم مجموعات صغيرة في الولايات المتحدة وبريطانيا والتي تنادي بحقوق المصابين بالأمراض النفسية والعقلية.

آفاق جديدة يفتحها علم النفس الحيوي 

في رحلة مشوقة لدراسة العقل، عملت لارا بويد – الباحثة في علم الأعصاب – على دراسة عقولنا – نحن البشر – لتكتشف مجموعة من الأشياء المهمة والمذهلة عن العقل البشري. أحد هذه الاكتشافات أن المخ لا يؤثر فقط في سلوكياتنا، بل إن سلوكياتنا أيضًا تلعب دورًا كبيرًا في تغيير المخ، ما يسمى بـ«المرونة العصبية». 

يمكن للمخ التغير عن طريق ثلاثة مسارات أساسية. تعمل الطريقة الأولى كيميائيًّا؛ فالمخ يعمل عن طريق نقل إشارات كيميائية بين خلايا الدماغ، والتي تسمى «نيورنز» ما يحفز على الأفعال وردود الأفعال. فعبر التركيز على هذه الإشارات والتي تدعم الحركات السريعة، يمكن تحسين الذاكرة قصيرة المدى أو تحسين أداء المهارات الحركية على المدى القصير. 

Embed from Getty Images

أما الطريقة الثانية فحدث عبر تغيير الصلات بين النيورنز، وهذا ما يغير الهيكل الفيزيائي للدماغ، وهو ما يستغرق وقتًا أطول من الطريقة الأولى، والتي تحسن من أداء الذاكرة طويلة المدى. ولفهم هاتين الطريقتين دعونا نضرب مثالًا.

يبدأ شخص ما في تعلم البيانو، في اليوم الأول وبعد جهد شاق، يشعر الشخص بأنه قد تمكن مما تعلمه في ذلك اليوم، فيترك التدريب وهو سعيد بما أنجزه. لكن عندما يعود في اليوم التالي يجد أن كل التحسينات التي تعلمها قد اختفت. ففي هذه الفترة القصيرة التي تدرب فيها الدماغ على هذه المهارة الجديدة، كان قادرًا على زيادة الإشارات الكيميائية بين النيورنز، لكن الدماغ لم يستطع الانخراط في التغييرات الهيكلية، والتي تحتاج لوقت أطول لدعم الذاكرة طويلة الأمد. 

التغيرات الهيكلية بدورها تشكل شبكات متكاملة من «المناطق الدماغية»، والتي تكون ذات أهمية لمهارات دقيقة للغاية مثل الذين تعلموا نظام قراءة برايل للمكفوفين، والذين اكتُشف أن لديهم «مناطق حسية» في أدمغتهم أكبر من أولئك الذين لم يتعلموا هذه المهارة. في حين أن  الطريقة الثالثة تعتمد على مناطق الدماغ التي تصبح مستثارة أكثر وسهلة الاستخدام، والتي يبدل الدماغ بينها، أي تبدل وتغير جميع نشاط شبكات الدماغ. 

إذًا؛ المرونة العصبية مدعومة من المادة الكيميائية، والهيكلية، ومن التغييرات الوظيفية، وهذا يحدث في الدماغ كاملًا. ويعد أكبر مغير للمرونة العصبية في الدماغ هو السلوك، لكن المشكلة تكمن في جرعة السلوك والتمرين والكمية التي يحتاجها الدماغ للتأثير في هذه المرونة العصبية، والتي تؤثر بدورها في خلايا مخنا، والمعضلة الثانية هي كيفية جعل هذه السلوكيات مؤثرة في أدمغتنا. 

علوم

منذ شهر
كيف تتشكل مواقفنا تجاه الآخرين؟ هكذا يفسر علم الأعصاب التحيز

في هذا النطاق، عملت لارا على تطوير علاجات تحفز أو تحضر الدماغ من أجل التعلم. اكتشفت لارا خلال بحثها أن المرونة العصبية تختلف من شخص لآخر؛ لذا لا يوجد مصل على سبيل المثال للمرونة العصبية يمكن أخذه، فالأكثر أهمية هو التدريب لمساعدة الدماغ على التعلم عبر سلوكنا. 

تعمل وتتغير المرونة العصبية في اتجاهين: إيجابي؛ (أن يتخلص الجسم عن ألم، أو يتعلم مهارة جديدة)، وسلبي؛ (أن يزداد الألم، أو تعلم الدماغ مهارة سيئة تضر ولا تنفع). ففي النهاية الدماغ مرن، والشخص هو من يتحكم في عملية تغييره كيميائيًّا، وهيكليًّا، ووظيفيًّا عبر ما يفعله، وما لا يفعله أيضًا. 

لكن المشكلة أنه إلى الآن لا يمكن الجزم بفاعلية طريقة ما عن أخرى، إذ يختلف كل شخص عن الآخر، فلا يوجد اتجاه واحد يمكن أن يناسب الجميع، ولا توجد وصفة واحدة لتغيير أدمغتنا، وهو ما خلق مصطلح «الطب الشخصي أو الذاتي»، فكل فرد يحتاج التدخل الخاص به. 

ومع الوضع في الاعتبار أن علم النفس يدرس سلوك الإنسان وأسبابه، والطب النفسي متخصص في دراسة الاضطرابات النفسية والسلوكية وتشخيصها وعلاجها ووقاية الإنسان منها، وبدمج ذلك مع علم دراسة الدماغ وكيفية عمله؛ نجد أن هناك فرصًا كبيرة لتشخيصات تعتمد على عمليات حيوية يمكن رصدها والتأثير فيها، والمعتمدة على التغيير في المرونة العصبية الخاصة بالشخص، وليس مجرد تحليلات لا تعتمد على أي أدلة حيوية. 

لذا؛ فإن علم النفس العصبي/ الحيوي هو علم دراسة عملية تأثير الدماغ في الاستجابات النفسية والسلوكية والإدراكية (بما فيها الهلاوس والأوهام كما في الفصام)، ويعد التعرف إلى العلاقة بين الاستجابات الحيوية والعضوية، وبين تفاعلها مع المشكلات النفسية والعاطفية؛ خطوة مهمة لعلاج الصحة العقلية دون مضادات للذهان، أو تعريض الشخص لصدمات كهربائية، ودون ممارسة المصحات النفسية سلطويتها على «المحتجزين» عندها؛ ما يبشر برؤية أفضل وأكثر واقعية وفاعلية مع الأمراض النفسية والعقلية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد