لا يملك جهازًا للأشعة ولا يمكنه رصد المرض بعينيه، وليس في يده استخراج سوائل من جسد المريض لتحليلها واكتشاف سبب العلة، وكل المعطيات التي يمكنه أن يبني عليها آراءه هو كلام المريض معه، وبعض الأعراض الجسدية التي يصعب عليه الجزم بأسبابها، وما إن كانت مرتبطة بمرضه النفسي أم لا، ولهذا عادة ما يكون المرض النفسي هو الأصعب في تشخيصه، وعلاجه.

كيف تعالج شيئًا لا تراه بعينك، بل ترى انعكاس علته على المريض؟ وكيف يمكنك أن تثق في كل كلمة يقولها المريض، وأنت متفق معه على مبدأ أنه ربما يكون كاذبًا بسبب علته النفسية؟

ممارسة الطب النفسي من المهن المعقدة، والتي يواجه الأطباء فيها الكثير من المتاعب، ولكن أيضًا في المقابل يكون المريض غير مؤهل نفسيًا أحيانًا للدفاع عن نفسه، أو يكون أكثر عرضة للتلاعب أمام الشخص الذي وثق فيه وتعري أمامه من كل الأقنعة، وأخبره بجميع أسراره، ومن هنا قد تقع بعض التجارب السيئة، أو ما يمكن أن نطلق عليه «مآسي» الطب النفسي في مصر، وهو ما سنحاول نقل جزء منه إليكم في هذا التقرير.

«لم أكن مريضة نفسية حتى زرت تلك الطبيبة»

تجربة زواج قاسية، قتلت تلك الروح المنطلقة في مروة – اسم مستعار – المرض النفسي لم يكن في قاموسها قبل تلك الزيجة، ولم تتناول عقارًا نفسيًا واحدًا من قبل، عدم رغبتها في الاعتراف بالتأثير السلبي لتلك الزيجة عليها جعلها تجنح للظن أنها تعاني مرضًا نفسيًا وهو ما سبب لها التعاسة، وجاءت زيارتها لأول طبيبة نفسية لترسخ تلك الفكرة في ذهنها عن نفسها.

«أنت مصابة باضطراب ثنائي القطب»؛ تقول لها الطبيبة التي تستخدم التحليل الشخصي جنبًا إلى جنب العقارات في خطة علاجها، تخبرها أيضًا أن هذا المرض هو ما يجعلها متأرجحة بقوة بين مزاجين متضادين، بين النشوة القصوى، أو الاكتئاب الحاد وفقدان الشغف. اقتنعت مروة بأنها مصابة بهذا المرض، قرأت كل شيء عنه، وشاهدت كل المقاطع المصورة التي أمدتها ببقية الأعراض التي لم تكن تعاني منها، لتصاب بها بسبب الإيحاء فقط.

ساعات غير معلومة من النوم سيطرت على مروة بعد مواظبتها على العقارات التي وصفتها تلك الطبيبة، ناهيك عن فقدان الشغف الدائم، سرعان ما اكتشفت أن تلك الطبيبة قد شخصت حالتها خطأً، وبناءً عليه كانت كل تلك العقاقير مضرة لها.

خاصة بعد أن تأكدت أن الطبيبة في كل مرة تزورها فيها تكون غير متذكرة لأدق التفاصيل التي قد تؤثر في تشخيص حالتها، أو تتطلب الدقة في اختيار العقارات، مثل مواظبة مروة على تدخين الحشيش، والذي قد يتعارض مع بعض العقاقير الطبية ليخلق أثرًا سلبيًا.

وصف العقاقير الطبية التي تحدث تأثيرًا سلبيًا قد يكون أمرًا شائعًا، وقد أخبرت سالي – 60 عامًا – «ساسة بوست» أنها مصابة بارتفاع ضغط الدم، وبعد أن أصيبت بحالة متواصلة من الكآبة زارت طبيبًا نفسيًا للمرة الأولى بناءً على ضغط من ابنتها.

ولكن تلك التجربة كانت سيئة؛ لأن العقار الذي وصفه لها الطبيب من الجلسة الأولى تعارض مع عقار ضغط الدم، وأصيبت بهبوط في ضغط الدم للمرة الأولى في حياتها، ولم تتحرك من الفراش لمدة أسبوع كاملًا إلا قليلًا، «تجربة صعبة جعلتني لا أفكر في زيارة طبيب نفسي مرة أخرى» هكذا حكت لنا سالي.

«الأطباء غير منزهين من الخطأ» ولكن

«الأطباء النفسيون بشر، يقعون في الأخطاء التي يقع فيها البشر»؛ هكذا قالت الطبيبة النفسية المصرية دينا الشيخ لـ«ساسة بوست»؛ موضحة أنه لا يمكن إنكار أن هناك بعض الأخطاء، وأحيانًا التجاوزات تقع خلف باب غرفة الطبيب النفسي، خاصة وأن علاقة المريض النفسي بطبيبه تكون عادة أطول في المدة من علاقة المريض بأي طبيب آخر يعالجه من علة مؤقتة، ويراه بعد شهر، ثم لا يراه مرة أخرى، وكلما طالت مدة العلاقة بين الطبيب والمريض، كلما فتحت المجال للمزيد من الأخطاء.

ولكن أيضًا – توضح دينا – على الجانب الآخر هناك تجاوزات تحدث أيضًا من جانب المريض، وهذا يحدث عندما يتعلق المريض عاطفيًا بالطبيب النفسي المعالج، وهذا يحدث عالميًا في مجال الطب النفسي، خاصة بعض المرضى الذين يتلاعبون بالطبيب بغرض تشخيصهم بمرض بعينه، وهو الأمر الذي أصبح تنفيذه سهلًا بعد إتاحة المعلومات الطبية النفسية على «الإنترنت» للجميع، وعادة ما يحدث هذا مع الأفراد الذين يسعون وراء شهادة صحية لأغراض قانونية للتهرب من السرقة أو القتل.

ما تريد أن توضحه دينا للقارئ والمريض النفسي، أن عادة ما تكون العقاقير الطبية لا توصف لعلاج المرض، بل لعلاج الأعراض المصاحبة له، فبعض الأمراض تكون مزمنة، مثل الشيزوفرينيا، أو الاكتئاب المزمن الذي يحدث للمريض بناءً على خلل كيميائي في المخ، وفي هذه الحالة توصف للمريض عقاقير تساعده على تخطي الأعراض المصاحبة للمرض ليكون شخصًا فعالًا يستطيع أداء مهامه اليومية.

مؤكدة أن بعض العقاقير الطبية النفسية تستخدم لأكثر من غرض على سبيل المثال عقاقير الذهان يمكن أن توصف لصاحب هذا المرض، أو لمريض اضطراب ثنائي القطب، ولذلك قد يظن البعض أن الطبيب وصف عقارًا خاطئًا، أو أنه شخص المرض تشخصيًا خاطئًا، وفي المقابل من حق المريض الاستفسار عن العقار الموصوف له، بالإضافة أنه له كامل الحق أن يرفض تناول هذا العقار، وطلب عقار بديل من الطبيب النفسي المعالج.

«هو إنتِ من بتوع حقوق المرأة»

ندى – اسم مستعار – في بداية الثلاثينات من عمرها، وفي اليوم الذي قررت فيه أنها في حاجة لطبيب نفسي، لم يكن قد مر على زواجها عامين كاملين، فمنذ أن تزوجت وكانت تعاني من شعور بالغربة، تطورت معها حالات من القلق المزمن، والكوابيس، ونوبات الفزع، لم تود أن تخبر زوجها بما تمر به لأنه كان السبب الرئيس في وقوعها بهذه الحالة النفسية السيئة، كما لم ترد أن تُخبر أحدًا أنها في حاجة لمساعدة نفسية، ولذلك بحثت بنفسها عبر «الإنترنت» حتى اختارت طبيبًا هو الأقرب والأنسب ماليًا لها.

«واحدة من أسوأ التجارب التي مررت بها»؛ تخبرنا ندى مؤكدة أن تلك هي المرة الأولى التي تلجأ فيها للطب النفسي، وربما ستكون الأخيرة، كان الطبيب هجوميًا، وكلما تحدثت معه عما تعانيه مع زوجها، يدافع عن الزوج دون الخوض في تفاصيل بحجة أن النساء «متقلبات هرمونيًا» كما أخبرها.

تؤكد ندى لـ«ساسة بوست» أنها لم تتحدث إلا لدقائق لم تتعد العشر، تحدثت فيها فقط عن الأعراض الجسدية التي تحدث لها، والمصحوبة بالكوابيس، ثم استوقفها الطبيب، وبدأ يؤكد لها أن ما تفعله هو بسبب «هرموناتها»، وقناعتها أن المرأة لها نفس حقوق الرجل، وهو ما يسبب لها التعاسة، متوجًا حديثه بجملة «هو إنتِ من بتوع حقوق المرأة».

لم تستمر الجلسة أكثر من ربع ساعة، ثم وصف لها ثلاثة عقاقير طبية نفسية، عندما واظبت عليها ساءت حالتها النفسية أكثر، وأصبحت أكثر توترًا وعصبية، كما أصيبت ببعض الآثار الجانبية السيئة للعقاقير، مثل تنميل ذراعها الأيسر، والصداع النصفي الدائم، وتلك – تخبرنا ندى – كانت المرة الأولى والأخيرة التي تزور فيها طبيبًا نفسيًا.

طبيب نفسي أم «ديلر»؟

ندى لم تكن التجربة الوحيدة التي وضحت أن بعض الأطباء النفسيين يوصفون العقاقير الطبية من الجلسة الأولى، والتي لا تستمر وقتًا طويلًا؛ هل تلك الفترة كافية للتشخيص النفسي الذي يتيح للطبيب معرفة العقار الذي يحتاجه المريض؟

تخبر دينا «ساسة بوست» أن وصف العقاقير الطبية في الجلسة الأولى للمريض لا يكون بغرض علاجه من المرض الذي لم يتم تشخيصه بعد، بل تكون عقاقير تعمل على تحسين المزاج للمريض، بهدف تشجعيه على الحديث أكثر، والخوض في الأمور التي تسببت في مرضه النفسي، خاصة وإن كان المريض وصل للطبيب في الجلسة الأولى وهو منهار عصبيًا لا يقوى على تمالك نفسه، في هذا الوقت – توضح دينا – يلجأ الطبيب لأحد العقاقير خفيفة التأثير لتحسين مزاج المريض تشجعيًا له على الاستجابة للعلاج.

في المقابل يخبر أحمد «ساسة بوست» قائلًا: «الدكاترة النفسيين هما الديلر بتاعي»؛ كان لدى أحمد على مدار عامين طقوس غريبة للحصول على العقارات الطبية المُدرجة في الجدول، كان يقرأ جيدًا عن العقاقير التي يريدها، سواء للنوم أو للشعور بالنشوة، ومن ثم يختار أي طبيب من على واحد من تطبيقات الأطباء، ويذهب إليه شاكيًا له من الاعراض التي قرأ عنها، وفي 90% من الأوقات كان يحصل على مراده.

وأوقات آخرى كان يقع فريسة عقاقير تسبب له الأرق، أو النوم لفترات طويلة، أو حتى بعض التشنجات الجسدية مثل تشنجات الرقبة والتي كانت تحدث له لا إراديًا في أي وقت أمام الآخرين، وتلك كانت اللحظة التي قرر فيها التوقف عن تلك المغامرات المضرة، خاصة وأنه يؤكد أن الأمر لم يكن صعب التنفيذ، وكان يكفيه أن يخبر الأطباء بأنه لا يستطيع النوم لأيام متتالية حتى يوصفون له منومًا قويًا.

في السنوات الأخيرة، ووفقًا لما ورد في دراسة أجريت عام 2012 بمركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها؛ العديد من المواطنين في أمريكا يوصف لهم عقاقير طبية نفسية للاضطرابات التي يعانون منها، دون أن يكونوا على دراية بأن هناك حلولًا بديلة مثل العلاج السلوكي المعرفي، والذي قد يحميهم من الآثار الجانبية السلبية للعقارات الطبية.

وأكدت الأبحاث الأخيرة أن في حالات كثيرة يتناول المرضى في أمريكا عقارات غير مناسبة للاضطراب النفسي او العقلي الذين يعانون منه، ما يوضح أن مشكلة منح الوصفات الطبية قبل التشخيص الدقيق هو أمر عالمي، ولا يقتصر على مصر فقط، بل هي مشكلة ملازمة للطب النفسي عمومًا كما يؤكد ستيفن هولون استاذ علم النفس في جامعة فاندربيلت قائلًا: «50% من المرضى النفسيين الذين يتعاطون عقاقير طبية نفسية لا يستفيدون من الهدف الرئيس لتصنيعها لأنها تكون موصوفة خطأ لهم، بينما يعانون من الآثار الجانبية السلبية لها»

الطب النفسي والاستغلال الجنسي

«في البداية لم أندهش من تركيز طبيبي النفسي على الحديث عن حياتي الجنسية، خاصة أني كنت مقتنعة أن واحدًا من أهم أسباب الشعور بالتوتر الدائم والاكتئاب هو عدم زواجي، أو تجربتي أية علاقة جنسية حتى سني الذي تخطى الثلاثين، ولكن فيما بعد تطورت تلك الأحاديث وكنت أشعر بالحرج من الرد على معظم أسئلته، ولكنه كان يسألها بجدية تامة وصرامة فشككت أني أتوهم أنه يستغل تلك الأسئلة من أجل خيالاته الجنسية.

ولكن الشك تحول ليقين عندما بدأت أحاديثه تتمحور حول شيء واحد فقط مؤكدًا لها أنه سيكون علاجها النفسي السلوكي، وهو المواظبة على الاستمناء، ثم اقترح عليها أن يشرف على الأمر من خلال الهاتف ليلًا «ليساعدها». هنا أدركت أن ما يحدث لها استغلال جنسي واضح، والغريب أنها لم ترفض – كما أخبرتنا – فقد كانت واقعة تحت سيطرته بالكامل، وتعلقت به نفسيًا، وفسرت هذا الاستغلال الجنسي على أنه يكن مشاعر لها، وأنه يهتم بعلاجها حتى أنه يستقطع وقتًا من وقته الثمين ليساعدها على تنفيذ العلاج، وهو ما وصفته لنا بالـ«سذاجة».

في نهاية عام 2019؛ أكدت لجنة المواطنين العالمية لحقوق الإنسان – وهي منظمة رقابية تحقق وتكشف عن الإساءات في مجال ممارسة الطب النفسي – أن الاعتداءات ووقائع التحرش الجنسي التي تصدر من الأطباء النفسيين في حق المرضى هو أمر شائع، وتقدر الجرائم الجنسية التي يرتكبها الأطباء النفسيين بأنها أزيد 37 مرة عن الاعتداءات الجنسية التي تحدث في المجتمع العام، وتلك الإحصائيات تتضمن المرافق الصحية المخصصة للمرضى النفسيين، حيث يتعرض المرضى للاغتصاب والعنف الجنسي من الأطباء النفسيين.

تؤكد دينا لـ«ساسة بوست» أن هناك حالتين متعارف عليهم في عملية العلاج النفسي، الأولى يقع الطبيب فريسة لها عندما يطوّر مشاعر عاطفية أو جنسية تجاه المريض، والحالة الثانية يقع المريض فريسة لها عندما يحدث له تعلق نفسي بالطبيب الذي ساعده على تجاوز أزمته النفسية، فهو أيضًا الشخص الذي قد يكون أخبره بأشياء لم يخبرها لأحد من قبل.

«عشان أنتِ بعيدة عن ربنا»

نسبة كبيرة من قراء هذا المقال صدف وإن زاروا طبيبًا جراء علة جسدية؛ فهل سبق لهذا الطبيب أن أخبرك أن مرضك سببه هو عدم إيمانك الكافي؟ أو أن قولونك عصبيًا لأنك لا تصلي؟ غالبًا الإجابة لا، ولكن بعض الأطباء النفسيين يقعون في هذا الفخ، إذ يربطون بين المشاكل النفسية وبين قلة الإيمان في ذهنهم.

«عشان انتِ بعيدة عن ربنا»؛ قالها الطبيب النفسي لسارة في الجلسة الثانية لها معه، بينما كانت تجلس أمامه وهي تشعر بالتهديد والتعدي على الخصوصية الشخصية، فأخبرتني أنها بدرت منها حركة تلقائية حاولت فيها إخفاء هذا الوشم الذي يطل برأسه من»البلوزة» المفتوحة التي ترتديها، ثم بدأ الطبيب في «محاضرة دينية» – على حد وصفه؛ عن أن ما تشعر به من قلق وتوتر واكتئاب هو بسبب عدم قربها الكافي من الله، فهي لا تصلي، ولا ترتدي الحجاب، وتدق الكثير من الوشوم على جسدها ويخترق أنفها هذا الحلق الفضي.

ما أزعج سارة في هذه اللحظة أكثر من كلامه هو أنها صدقته، اقتنعت أنها ليس لديها أي مرض نفسي، وأن السبب في معانتها أنها شخصية لا تتمتع بالإيمان الكافي لتعيش سلامًا نفسيًا مع أفكارها، وعلى عكس ما توقع الطبيب، لم يدفع هذا سارة للتدين، بلد دفعها للانغماس في عاداتها اليومية المعتادة أكثر، ولكن مع الشعور بالذنب.

مرت الأيام حتى اصيبت سارة بنوبة فزع قوية، وصراخها المتواصل دفع والديها إلى زيارة طبيب نفسي، والذي – تقول سارة – أنقذ حياتها حرفيًا، واستغرق الكثير من الوقت في محو آثار الطبيب السابق، ثم استمرت الجلسات لعلاج مشكلة القلق المزمن التي تعاني منها، ولم تزل تخضع للعلاج النفسي تحت إشراف هذا الطبييب، «لم أشف تمامًا بعد» هكذا تخبر «ساسة بوست»، ولكنها الآن تشعر أنها أفضل.

العلاقة بين علم النفس والدين معقدة، وكان سيجموند فرويد من أشد المعارضين للخلط بين الدين والتحليل النفسي، وكان يرفض إدراجه في طرق علاجه أو الحديث عنه، بينما يرى عالم النفس أبراهام ماسلو أن تحليل شخصية المريض لا يكون كاملًا دون أن يلقي الطبيب المعالج له نظرة ثاقبة على معتقداته الدينية، والتي قد يكون لها تأثيرًا فعالًا على ما يمر به من أزمة نفسية، مثل الشعور بالذنب.

ولذلك وضح علم النفس الحديث وجهة نظره تجاه سؤال المريض عن قناعاته الدينية، بأن ضرورة إدراك الطبيب المعالج للجوانب الدينية والروحانية للمريض، هو جزء لا يتجزأ من خطة علاجه وتحليله النفسي، ولكن الحكم على تلك المعتقدات هو الأمر غير المقبول علميًا.

ما هي حدود العلاقة العلاجية بين المريض النفسي والطبيب؟

ليس مسموحًا لأي طرف من الطرفين لمس الآخر أثناء جلسات العلاج النفسي، ربما لو كان الطبيب والمريض من نفس الجنس – توضح دينا – فيمكن للطبيب الاستئذان من المريض إذا شك أنه في حاجة للعناق أو حتى تربيتة على الكتف، ولكن للمريض الحق الكامل أن يرفض هذا الأمر، ويجب على كل مريض نفسي أن يدرك هذا، فليس من حق الطبيب النفسي أن يلمسك بحجة العلاج أو التواصل العاطفي.

توضح دينا لـ«ساسة بوست» أن لكل مريض نفسي الحق في رفض الإجابة على أي سؤال يتعدى على الحدود الشخصية، خاصة الأسئلة الخاصة بالحياة الجنسية، ولكن أيضًا يجب على المريض أن يدرك أن الجانب الجنسي في حياته يكون له تأثير كبير على صحته النفسية، ولذلك طالما السؤال لا يتعدى الحد المسموح للمساحة الشخصية فيفضل الرد على السؤال، أما إذا كانت تلك الأسئلة مخترقة للحدود الشخصية فمن حق المريض أن يمتنع عن الإجابة.

وتضيف دينا أن العلاقة بين المريض والطبيب النفسي يجب أن تكون رسمية لأبعد الحدود، فلا يجب أن يكون الطبيب لدى المريض على مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى يكون بينهم مقابلات شخصية خارج العيادة، وتؤكد أن كل الجلسات العلاجية يجب أن تقع في عيادة الطبيب والتي يكون بها مساعد متواجد دائمًا، ولا تتم في منزل أي من الطرفين، أو في مكان عام، حتى لو كان مقهى، فتلك العلاقة يجب أن تكون رسمية إلى أبعد حد، «هذا ليس صديقك.. إنه طبيبك النفسي»؛ هكذا توضح دينا.

إلى من يلجأ المريض النفسي في حالة تعرضه لانتهاك واضح؟

في حالة تعرض المريض لأي تصرف شعر أنه انتهاك له أو تسبب له في أذية جسدية أو نفسية، عليه اللجوء لنقابة الأطباء – هكذا توضح دينا – حيث تُشكل لجنة معنية بهذا الأمر في النقابة، وتحقق مع الطرفين، حتى تبت في الأمر وتحدد من المخطئ في الواقعة، وإذا ثبت أي تجاوز من الطبيب النفسي المعالج يوقف عن العمل فورًا.

ووفقًا لقانون رقم 71 لسنة 2009 والمعني بحقوق المريض النفسي في مصر؛ فإن كل مريض من حقه: تلقي العناية الواجبة فى بيئة آمنة ونظيفة، وحظر تقييد حريته على خلاف أحكام القانون، وإحاطته علمًا باسم ووظيفة الفريق العلاجي الذي يرعاه بالمنشأة، ويستطيع المريض أن يرفض العلاج حتى يُستجاب لهذا الحق في حدود الإمكانات المتاحة.

كما تتضمن الحقوق تلقي المريض معلومات كاملة عن تشخيص حالته، وعن الخطة العلاجية المقترحة، وعن احتمال تطورات حالته، وأن يكون العلاج المقدم له طبقًا للمعايير الطبية المرعية والمعترف بها فى الأوساط العلمية، وضرورة أخذ موافقة لجنة أخلاقيات البحث العلمى قبل تعرضه لأي بحث إكلينيكي، وفي حالات الاعتداء على الأطفال، أو الشك فى وجود اعتداء جنسي يحق للمجلس القومي للصحة النفسية تكوين لجنة فنية من أطباء متخصصين يكون لها الحق في الاطلاع على سجلات المرضى في أي مصحة نفسية وعقلية.

وخلال عام 2018 تلقت وزارة الصحية 305 شكوى من أصل 603 آلاف مريض، وهذا هو عدد الحالات التي تتقدم بشكوى، بينما هناك حالات تكتب شهاداتها بشكل مجهول على مواقع التواصل الاجتماعي، وتؤكد وزارة الصحة أنها لم تتلق أي شكوى بخصوص التجاوزات التي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما ينطبق على الحالات التي تحدثنا معها في هذا التقرير، إذ أكدوا لـ«ساسة بوست» أنهم لم يتقدموا بأي شكوى بسبب ما وقع لهم.

استخدام البروزاك لما يقرب من عام دون وصفة طبيب

بعد التعامل مع أكثر من خمسة أطباء نفسيين، وتناول ما يزيد عن 20 عقارًا نفسيًا مختلفين، لم تجد نور أي نتيجة فعالة تخلصها من القلق المزمن وما يصاحبه من كوابيس واعراض جسدية كانت تنغص عليها حياتها اليومية، فلا تستطيع الدفاع عن نفسها ،أو المطالبة بحقوقها، أو الوقوف بشجاعة في أي موقف، وبعد تناولها للعقاقير التي وصفت لها، ظلت تعاني من نفس الأزمة بجانب الآثار الجانبية السلبية للعقاقير الطبية، والتي تنوعت ما بين ساعات النوم الطويلة، أو الشعور بالخدر الدائم وعدم الرغبة في الحركة، والصداع، والغثيان.

في هذا الوقت كانت قرأت كثيرًا عن عقار البروزاك، وقررت أن تعالج نفسها بنفسها، وبدأت في تناول عقار البروزاك يوميًا كل صباح لمدة عام تقريبًا ولم تزل تتناول نفس العقار في اللحظة التي تتحدث فيها لـ«ساسة بوست» لتخبرنا عن تجربتها، مؤكدة أن توفر هذا العقار في الصيدليات بدون الحاجة لوصفة طبية هو ما ساعدها على الحصول عليه بسهولة إلى جانب سعره المعقول، والذي يكلفها 120 فقط شهريًا، كما أنه ساعدها على التخلص من أعراض القلق المزمن واستعادت توازنها النفسي، ولم تلحظ آثارًا سلبية تذكر لتناوله.

ولكن هل تناول هذا العقار دون إشراف طبيب ولمدة طويلة ليس له عواقب؟

تخبر دينا «ساسة بوست» أن البروزاك مضاد للاكتئاب ويعتبر من العقاقير خفيفة المفعول، وأضرار استخدامه لفترة طويلة لا تنحصر في الأعراض الجانبية للعقار، والتي لا تذكر، ولكن الأثر السلبي يكمن في تبعات السلوك المترتبة على استخدام العقار استخدامًا شخصيًا دون إشراف طبيب، وهذا لأن الشخص سيكون لديه ثقة تامة بأنه قادر على اللجوء لنفسه في وصف العقاقير الطبية لمرضه النفسي، ولذلك عندما يخذله البروزاك في تحقيق الشعور المطلوب، لن يتردد في البحث على الإنترنت عن عقار جديد يصفه لنفسه، ولن يكون لديه الحافز لزيارة الطبيب، الأمر الذي يجعله عرضه لبعض العقاقير الخطيرة، بجانب أنه لن يحظى بأي علاج سلوكي نظرًا لعدم متابعته مع طبيب نفسي.

لحظة اللجوء للطبيب النفسي، ربما تكون واحدة من أكثر اللحظات شعورًا بالضعف في حياة الإنسان، يذهب إلى هذا الطبيب، والذي يعد في ذهنه طوق النجاة الأخير من معاناته النفسية، وعادة ما يعلق عليه آمالًا أكبر من قدرات الطب النفسي كلها، ويظن بعض المرضى النفسيين أن الاضطرابات النفسية يمكن استئصالها مثل باقي الأمراض الآخرى، ولكن النفس البشرية أكثر تعقيدًا من ذلك، وقد لا يقدم الطبيب النفسي الحلول كاملة للمريض، ولكن ما يستحقه هذا المريض في تلك اللحظة الحرجة في حياته، هو طبيب يتمتع بالجانب الإنساني الجيد قبل أن يكون طبيبًا ماهرًا، حتى يمكن لنا أن نتجنب تلك المآسي التي تقع في غرف العلاج النفسي المغلقة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد