هل تعاني من التوتر والقلق المزمن وتقلُّب المزاج والعصبية؟ وهل تخشى من أن يعوقك ذلك في حياتك؟ طوال السنوات الفائتة كان للاضطرابات العصابية «سمعة سيئة»؛ إذ تناولتها الدراسة العلمية من منظورٍ سلبي، فجرى تصويرها عائقًا عن ممارسة الحياة بطبيعية، بل سببًا في أن يصبح الشخص أقل عمرًا من أقرانه وأضعف صحة، إلا أن الدراسات الحديثة قد فاجأت الجميع بنتائج غير متوقعة، فهل يمكن أن يكون للاضطرابات العصابية جانبًا آخر إيجابيًّا؟ هذا ما سنبحث عنه خلال السطور القادمة.

ما هي «العصابية»؟

تعد «العصابية» واحدة من «سمات الشخصية الكبرى الخمسة»؛ والتي تشمل الانفتاح والانبساط والموافقة والضمير، إلا أن تلك السمة تختلف عنه؛ إذ تتميز العصابية بالقلق والميل الاكتئابي والشك بالنفس، وغير ذلك من المشاعر السلبية.

والأشخاص العصابيون عادةً ما يكونون أكثر عرضة لاضطرابات القلق، واضطرابات المزاج، وعدم الاستقرار الاجتماعي والعاطفي، هذا إلى جانب النزوع للاستجابة إلى المشاعر السلبية والتهديد والإحباط؛ لذا اعتمدت أغلب الدراسات عن العصابية على الجوانب السلبية، وما قد ينتج منها من زيادة معدل الإصابة ببعض الأمراض البدنية أو الاضطرابات النفسية.

(العصابية من سمات الشخصية الكبرى الخمسة)

يعرف «السلوك العصابي» بأنه مجموعة من الأفكار السلبية أو الهوسية التي تسيطر على العقل بطريقة يصعب معها التعامل مع الحياة اليومية، ويرجع تاريخ تعريفه إلى القرن الثامن عشر؛ إذ كان العصاب يطلق على ردود الأفعال غير المنطقية سواء كان ذلك على المستوى الجسدي أو العاطفي، وهو سلوك غير واعٍ ناتج من القلق العميق؛ إلا أن القرن العشرين قد شهد عام 1980 إزالة العصاب عن الاضطرابات النفسية، فلم يعد العصاب يعبر بالضرورة عن وجود مشكلة مرضية، بل جرى تعريف الاضطرابات النفسية بشكلٍ منفصل، وقد انقسمت إلى اضطرابات القلق واضطرابات المزاج وغيرها، وذلك في حالة تحول السلوك العصابي إلى سلوك مرضي.

العصابية ليست بالضرورة أمرًا سيئًا

على الرغم من الربط الدائم ما بين السلوك العصابي والاضطرابات النفسية والتأثيرات الصحية السيئة؛ فإن بعض الدراسات الأخيرة قد أثبتت عكس ذلك، فقد أشارت دراسة عام 2017، والتي نشرت بمجلة «Psychological Science» إلى أن الميول العصابية قد تقلل في الواقع من خطر الوفاة المبكرة.

جاءت نتيجة تلك الدراسة مخالفة لنتائج الدراسات السابقة التي عادةً ما ربطت ما بين العصاب والوفاة المبكرة؛ إذ اعتمدت على تحليل بيانات أكثر من 500 ألف شخص في المملكة المتحدة، تتراوح أعمارهم ما بين 37 و73 عامًا، جرى دراسة نمط حياتهم إلى جانب سجلاتهم الطبية.

صحة

منذ سنة واحدة
تميل إلى القلق والانعزال؟ ربما تتبع «نمط الشخصية D» في تقسيم الشخصيات

تقول عن ذلك كاثرين جيل، مؤلفة الدراسة الرئيسية وعضو هيئة التدريس في جامعة إدنبرة بأسكتلندا: «ما توصلنا إليه من معلومات كان معتمدًا على طريقة تصنيف الأشخاص موضوع الدراسة لمعدل صحتهم». كان ذلك مقترنًا بالتقارير الصحية الرسمية للأطباء، ومن ثم المقارنة ما بين تسجيل الحالة التي يشعر بها الأفراد تجاه ذواتهم سواء بالصحة أو بالمرض والبيانات الطبية.

(العصابية)

كان الجزء المثير للاهتمام في الدراسة، هو أن الأشخاص الذين عانوا من ارتفاع معدل العصابية كانت لديهم حماية أعلى قليلة من الموت المبكر، وقد ركزت الدراسة على التقارير التي أعدها المرضى عن حالتهم الصحية، وتابعت المشاركين مدة ست سنوات؛ و اتضح أن الأشخاص الذين سجلوا آراءً سلبية عن حالتهم الصحية وعانوا من ميول عصابية مرتفعة، بما في ذلك القلق والتوتر والضعف، كانوا أكثر حرصًا على زيارة الأطباء والاهتمام بصحتهم، مقارنةً بمن يظنون أنفسهم بصحة جيدة، وبالتالي جعلهم القلق الزائد أقل عرضة للوفاة.

عكس التوقعات السائدة.. «القلق المزمن» قد يكون مفيدًا

كان الاعتقاد السائد دائمًا يتمحور حول ارتباط العصابية بالعادات غير الصحية، مثل الإفراط في التدخين، ومعاقرة الخمور، واتباع أنظمة غذائية ضارة، ظنًّا من الباحثين بأن من يعانون من القلق المزمن قد يميلون لاتباع سلوك غير صحي، رغم ذلك أثبتت دراسة كاثرين جيل العكس؛ إذ كان الأشخاص القلقون أكثر اهتمامًا بصحتهم ممن يعانون من أعراض عصابية أقل.

عن ذلك يشير تقرير «بي بي سي» الإخبارية عن «العصابية الصحية» إلى أبحاث هوارد فريدمان من جامعة كاليفورنيا؛ إذ قارن فريدمان قبل عقدين من الزمان ما بين الدراسات المتناقضة التي تناولت العصابية ونتائجها المختلطة، واكتشف حينذاك أنه من الممكن لتلك السمة من سمات الشخصية الخمسة الكبرى أن تصبح سلاحًا ذا حدين.

قسَّم فريدمان الأشخاص العصابيين إلى نوعين: «عصابي صحي» و«عصابي غير صحي». مُشيرًا إلى أن الأشخاص العصابيين ممن يتبعون سلوكًا صحيًّا، أكثر صحة ويميلون للحصول على المساعدة الطبية أكثر من الأشخاص الذين يتعاملون مع قلقهم المزمن بطرق غير صحية أو مدمرة.

(القلق المزمن)

الأمر أشبه بما يحدث في الجسم عند التعرض لعدوى ما؛ إذ تبدأ أجسامنا في اتخاذ بعض ردات الفعل لإرسال إشارات إلى وجود جسم غريب بالجسد، وهو ما يظهر علينا في صورة أعراض؛ إلا أن تلك الأعراض تكون مصحوبة أيضًا بما يفرزه الجهاز المناعي من أجسام مضادة للعدوى، مما يساعد في التعافي.

لذا على الرغم من أن القلق المزمن قد يكون مزعجًا في كثيرٍ من الأحيان، فإنه يبعث في الوقتِ ذاته بإشارات إلينا من أجل الاعتناء بأنفسنا، وهو ما يستجيب له الشخصيات العصابية الصحية ممن يتمتعون بمعدل وعي مرتفع، وبالتالي يصبح أداؤهم أفضل من غيرهم؛ على عكس ما يبدو. يشير فريدمان إلى أن القلق قد يعمل في بعض الأحيان على حث الأفراد للاستجابة إلى مخاوفهم، وبالتالي يصبحون أكثر وعيًا بالتأثيرات الناجمة عن إهمال الصحة ويبذلون جهدًا أكبر في المحافظة عليها.

كيف تحول القلق المزمن إلى صالحك؟

يشير علماء النفس إلى أن هناك نوعًا من «التأقلم البناء» الذي بوسع الأشخاص العصابيون اتباعه من أجل تحويل قلقهم المزمن إلى صالحهم؛ إذ بالرغمِ مما تحويه «العصابية» من قلق وتوتر وغضب واكتئاب، فإنها تعمل أيضًا على زيادة وعي الفرد بذاته، وعلى الشخص أن يختار إما أن يسلك سلوكًا صحيًّا، وإما أن يستسلم للمشاعر السلبية الناجمة عن العصابية.

يميل العصابيون عادةً إلى أن يكونوا أكثر حساسية تجاه أنفسهم وتجاه الآخرين، ونظرًا إلى حساسيتهم الزائدة هذه، ينزعون إلى الكمال وإلى اختيار مثل عليا مستحيلة، وذلك لشعورهم المزمن بعدم الرضا عن أنفسهم، وهو الأمر الذي من الممكن أن ينعكس على سلوكهم الاجتماعي بالإيجاب أو بالسلب، وهو ما يتوقف على الطريقة التي نستخدم بها «القلق». بمعنى أن استخدام القلق بطريقة إيجابية قد يعمل محفزًا في الحياة، بدلًا من أن يكون عائقًا.

الحل يكمن في تغيير الطريقة التي يعمل بها دماغك. فعوضًا عن الاستسلام للمشاعر السلبية يجب علينا أن نسعى إلى التكيف البناء مع المواقف الحياتية؛ وتحويل ذلك إلى سلوك، فمن خلال اتخاذنا موقف المراقب الموضوعي من أنفسنا يمكننا أن نفك شفرة السلوك العصابي ونحوله إلى صالحنا؛ حينها بدلًا عن الانقياد وراء نوبة القلق، سنتمكن من السيطرة عليها ببضعة أسئلة نطرحها على أنفسنا، ما الذي نشعر به بالضبط؟ ما الذي حدث وجعلنا نشعر بتلك الطريقة؟ 

فلسفة

منذ سنة واحدة
هل يحكم الخوف والقلق حياتك؟ 9 نصائح فعالة لبناء عادات الشجاعة والجرأة بداخلك

تكمن النصيحة الأولى في الانفصال عن الموقف، والتفكير بطريقة أكثر وضوحًا لفهمِ نفسك ومشاعرك، فمن خلال تغيير الطريقة التي نتحدث بها مع أنفسنا يمكننا أن نعكس طريقة تفكيرنا. على سبيل المثال، عندما تمر بموقف صعب يحفز لديك نوبة قلق وتوتر لا تخبر ذاتك بأنك لن تستطيع التصرف في الموقف، بل اعترف بفداحته وبقدرتك على تجاوزه والتأقلم مع الوضع الجديد في الوقت نفسه، وهو ما يساعد على تطور الشخصية بطريقة إيجابية.

أما النصيحة الثانية فكانت المحافظة على الهدوء، فبهذه الطريقة تظل ردود أفعالك تحت السيطرة ولا تنقاد انقيادًا كاملًا للمشاعر السلبية، مما يمنحك فرصة جيدة للتفكير وإرشاد ذاتك نحو طرق صحية أكثر لممارسة الحياة.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد