كان انفجار بيروت، أمس الثلاثاء، انفجارًا مهولًا ترددت أصداؤه في العاصمة وما حولها؛ حتى إن دوي الانفجار سُمِع في قبرص – على بعد 240 كيلومترًا – من هول شدته.

خلَّف انفجار بيروت – الذي شبهه محافظ المدينة بـ«هيروشيما» –  دمارًا مهولًا في العاصمة اللبنانية؛ مبانٍ مهدمة، وزجاج في كل مكان، ومواطنون يبحثون عن ذويهم، وفرق إطفاء تحاول إخماد الحرائق، بينما تناشد السلطات المواطنين الالتزام بمنازلهم لتسهيل عمليات الإنقاذ والإسعاف وتقدير الخسائر الأولية.

ما الذي حدث في عنبر 12 في مرفأ العاصمة بيروت؟ وكيف كانت التوابع الأولية للحادثة، من إعلان المدينة «منطقة منكوبة» إلى ردود الفعل العالمية؟ وما أبرز التكهنات حول أسباب الحادث؟ النقاط التالية تشرح لك تفاصيل انفجار بيروت المروع.

انفجار سُمع في قبرص.. ماذا حدث في مرفأ بيروت؟

اندلع حريق كبير في العنبر رقم 12 داخل مستودع المفرقعات في مرفأ العاصمة اللبنانية بيروت، وقع على إثره الانفجار الهائل الذي أسفر عن أضرارٍ جسيمة امتدت إلى بعد نحو ميلين من مكانه.

أعلن وزير الصحة العامة اللبناني، حمد حسن، تسبب الانفجار في وفاة ما يقرب من 73 قتيلًا وأكثر من 5 آلاف جريح حتى صبيحة اليوم، بينهم أفراد من قوات حفظ السلام الدولية وعمال المرفأ. وجرى توزيع المصابين على المستشفيات اللبنانية – التي خرج أربعة منها من الخدمة بسبب الانفجار – لتلقي الخدمة الصحية، فيما امتلأت مستشفيات بيروت الـ12 الباقية بالمصابين.

وثَّق النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي اللحظات الأولى من «انفجار بيروت» عبر مقاطع الفيديو، وقد انتابتهم الدهشة وتكهن بعضهم بأن يكون الانفجار بفعلِ هجوم خارجي، لكن التصريحات الرسمية الأولية كلها أشارت إلى أن السبب «انفجار مستودع يضم كميات كبيرة من نترات الأمونيوم»، وتحديدًا شحنة تُقدَّر بحوالي 2750 طنًّا، كانت موجودة في المرفأ منذ ست سنوات دون إجراءاتٍ وقائية.

كانت تلك المواد القابلة للانفجار قابعة في المستودع منذ عام، بعدما صودرت في ميناء بيروت من سفينة اتضح أثناء صيانتها عدم صلاحيتها للإبحار وحجزت في المرفأ، وطوال وجود هذه المواد في المستودع، تكررت شكاوى مسؤولي المرفأ منها ومن خطورتها، ودعوا في أكثر من خطاب رسمي إلى التخلص منها، أو بيعها، أو مصادرتها لصالح الجيش، وهو الأمر الذي بدأت على إثره الآن تحقيقات بخصوص وجود هذا المستودع الخطر داخل مرفأ بيروت.

كان دوي الانفجار هائلًا إلى درجة أن سُكَّان جزيرة قبرص قد شعروا بالهزة القوية التي خلَّفها؛ وأفاد المركز الأوروبي الأوسطي لرصدِ الزلازل إلى أن سكان قبرص قد شعروا بالانفجار الذي اهتزت على إثره نوافذهم، كما سمع البعض أصوات الضجيج الناجم عن الانفجار.

كيف تتسبب نترات الأمونيوم في مثل هذا الانفجار؟

وفقًا لما قاله رئيس الوزراء، حسان دياب، كان الانفجار مدفوعًا بكمية هائلة من مادة نترات الأمونيوم التي جرت مصادرتها وتخزينها في مستودع الميناء منذ ست سنوات، فما هي نترات الأمونيوم، وهل هي قادرة حقًّا على إحداث تفجيرات بهذه المأساوية؟

تعد نترات الأمونيوم مادة كيميائية عادةً ما تستخدم سمادًا في الزراعة، إلا أنها يمكن أن تصبح أيضًا شديدة الخطورة وقابلة للانفجار إن تعرضت للتلوث بموادٍ أخرى أو جرى تسخينها إلى 170 درجة فهرنهايت؛ إذ يحفز ذلك سلسلة من التفاعلات الكيميائية، تبدأ على إثرها نترات الأمونيوم في التحلل، مما يجعلها قابلة للتفجير.

وينتج من تحللها مجموعة من الغازات السامة من أكاسيد النيتروجين، وهي ما يشير إليه إيان راي، أستاذ جامعة ملبورن، بأنها كانت السبب في صعود أعمدة الدخان الرمادية والقرمزية التي شوهدت عقب «انفجار بيروت»، أما سحابة عيش الغراب، فقد تكونت نتيجة اندفاع الغازات ذات الضغط العالي.

يشير عالم الأحياء النباتية بجامعة سيدني، برنت كايسر؛ إلى أن قابلية تلك المادة للانفجار كانت السبب الأول وراء وضع بعض الإجراءات الاحترازية من أجل حفظها وتخزينها، وذلك وفقًا لوكالة حماية البيئة الأمريكية. يؤكد  كايسر أن «انفجار بيروت» لم يكن الحادثة العرضية الوحيدة لنترات الأمونيوم؛ إذ تسبب عام 2015م جزئيًّا في انفجار داخل ميناء تيانجين الصيني في بكين، كما تسبب عام 1947م في أسوأ حادث صناعي في ميناء تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية.


لحظة الانفجار التي زلزلت العاصمة اللبنانية بيروت.

في الوقت ذاته تشير جيمي أوكسلي، أستاذة الكيمياء بجامعة رود أيلاند، إلى أن نترات الأمونيوم ليست سريعة الاشتعال، خاصةً في ظل ظروف التخزين العادية؛ ووفقًا لدرجة الحرارة الجو الطبيعية، وبالنظر إلى تفجيرات بيروت تقول: «أعتقد أن انفجارًا صغيرًا قد حدث أولًا، وهو ما حفز نترات الأمونيوم للاشتعال».

أيضًا، استخدمت نترات الأمونيوم في هجمات إرهابية سابقة، مثل حادثة أوكلاهوما بالولايات المتحدة عام 1995م، حين استخدمت سيارة مفخخة لاستهداف مبنى ألفريد مورا الفيدرالي.

الجدير بالذكر، أن الانفجار جاء في وقتٍ تنتظر فيه الساحة العربية والدولية صدور حكم المحكمة الدولية في قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق، رفيق الحريري، فبراير (شباط) من عام 2005م، ويعاني فيه لبنان من أزمة اقتصادية طاحنة، وهو ما جعل المشهد في بيروت قاتمًا.

ما الذي يعنيه إعلان بيروت «منطقة منكوبة»؟

أعلن مجلس الدفاع الأعلى اللبناني بقيادة الرئيس ميشال عون أن بيروت «مدينة منكوبة»، طالبًا من الحكومة إعلان حالة الطوارئ، إضافةً إلى تسليم مهام الأمن إلى السلطات العسكرية، وتحرير الاعتماد الاستثنائي الذي يبلغ 100 مليون ليرة، وخصص في موازنة 2020 لظروفِ الطوارئ، بالإضافة إلى إعلان رئيس الوزراء حسان دياب حالة الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام.

كان هذا الإعلان ينذر بحجم الأضرار التي تعرضت لها العاصمة اللبنانية، وهو ما يتطلب وفقًا للمعايير الدولية تشكيل لجنة من خبراء السياسة والاقتصاد والداخلية والبيئة لدراسة الموقف جيدًا لتقدير حجم الخسائر، وقد يتطلب الأمر في حالاتٍ أخرى عمليات إخلاء وإنقاذ، مثلما حدث في حادثة انفجار المفاعل النووي تشيرنوبل، على سبيل المثال لا الحصر، وهو ما قد يعني أحيانًا السماح لمنظمات الإغاثة الدولية بدخول البلاد لمباشرة عمليات الإنقاذ ونجدة المنكوبين.

عربي

منذ شهر
انفجار قد يكون الأضخم في تاريخ لبنان.. 30 صورة لمأساة بيروت

تعد المنطقة المنكوبة، منطقة تعرضت لكارثة طبيعية أو عانت من الدمار نتيجة لسلوكٍ بشري، مثل الحروب والانفجارات، وعانت على إثرها أضرارًا جسيمة، طالت البنية التحتية للمنطقة، وتعطلت عجلة الحياة الطبيعية لقاطنيها، وذلك وفقًا للقانون الدولي الإنساني لوضع المنطقة المنكوبة، الفصل الخاص بالحماية المدنية، وهو ما عانت منه بيروت بالأمس؛ إذ أعلنت المدينة اللبنانية «منطقة منكوبة» عقب الانفجار الذي لحق بمرفأ بيروت.

كان الأمر يعني حماية السكان المدنيين إبان الكارثة، وتوفير المساعدات اللازمة والخدمات الطبية وممرات آمنة للمواطنين، وهو الأمر الذي عادة ما يكون متبوعًا بإعلان حالة الطوارئ، وذلك حتى استعادة الأمن والنظام وفقًا لاتفاقيات جنيف الصادرة عام 1977م.

ويعد «تشريع الكوارث» من أهم ما يدعم استراتيجية الحد من المخاطر؛ وقد أعلن الرئيس اللبناني ميشال عون إنشاء خلية كوارث، تتابع عن كثب الأزمة الأخيرة، وتعمل على اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة للحفاظ على سلامة المواطنين. في الوقت ذاته أشار محافظ بيروت إلى أن هناك أكثر من 300 ألف شخص في العاصمة اللبنانية بيروت باتوا الآن مشردين بعد انفجار المرفأ.

كيف كان رد الفعل العالمي على انفجار بيروت؟

اتجهت أغلب التصريحات الرسمية إلى أن الحادثة نتجت من إهمال المسؤولين؛ لكن تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أثارت الريبة والقلق، حين قال إن الانفجارين اللذين شهدتهما العاصمة اللبنانية بيروت، أمس الثلاثاء، من المرجح أن يكونا ناجمَين عن «هجومٍ من نوعٍ ما».

وأشار ترامب إلى أنه التقى مجموعة من «جنرالاته العظماء»، وهم مستشاروه العسكريون، لمناقشة أمر «انفجار بيروت»، قائلًا: «أخبروني بأن الحادث لم يكن ناتجًا من نوع من المفرقعات أو المتفجرات المصنعة، إذ يعتقدون أنه نتاج هجوم أو قنبلة من نوعٍ ما».

دونالد ترامب أثناء حديثه عن انفجار بيروت.

وعارض ثلاثة من مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكي رأي ترامب، إذ أشاروا أنه لا يوجد دليل حتى الآن على أن ما حدث داخل لبنان كان هجومًا، في الوقت ذاته أشارت وزارة الخارجية الأمريكية إلى أنها تراقب الوضع عن كثب، وهي على استعداد لمساعدة الشعب اللبناني فيما يتعلق بهذه المأساة.

قدم الرئيس الأمريكي خلال المؤتمر تعازيه أيضًا للشعب اللبناني على ما تعرضوا له من «هجومٍ فظيع»، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية على استعداد لتقديم كافة المساعدات اللازمة لتخطي هذه الأزمة.

بعيدًا عن ادعاء ترامب وتعازيه، لم تكن الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي عرضت الدعم للشعب اللبناني؛ إذ كان هناك تضامن عربي وعالمي واسع مع لبنان عقب وقوع الانفجار.

توالت ردود الأفعال العالمية؛ إذ أعرب قادة بريطانيا وفرنسا عن استعداد بلادهم لتقديم كافة المساعدات المتاحة لهؤلاء ممن تضرروا من جراء الحادث المؤسف، وأرسل بعضهم بالفعل طائرات تحمل مساعدات.

وأعربت الدول العربية عن تعازيها للشعب اللبناني، وعرضت تقديم الدعم، وكان من بينها مصر وقطر والعراق، التي شرعت في إنشاء وإرسال مستشفيات ميدانية لمواجهة العجز في المستشفيات. ومن جهتها، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية استعداد طهران الكامل لتقديم المساعدات إلى الشعب اللبناني.

حتى الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، قدم تعازيه للشعب اللبناني عارضًا تقديم المساعدة الإنسانية؛ فيما قال المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، إن الخارجية الإسرائيلية ووزارة الدفاع على استعداد لتقديم المساعدة الطبية والإنسانية.

ما صحة التكهنات عن ضلوع إسرائيل و«حزب الله» في انفجار بيروت؟

عقب وقوع الانفجار، اتجهت التكهنات ناحية إسرائيل و«حزب الله»؛ إذ أوردت بعض الصحف عن شهود عيان لبنانيين أنهم رأوا طائرات إسرائيلية حربية تحلق في الجو قبيل الانفجار؛ في اتهامٍ واضح للسلطات الإسرائيلية بقصف المستودع الذي كان يحتوي على أسلحة لـ«حزب الله» اللبناني، وهو ما عده البعض استهدافًا للحزب ينذر بحربٍ أهلية ثالثة. لكن مسؤولين داخل إسرائيل نفوا هذا التكهن، ونفاه «حزب الله» أيضًا.

أما السيناريو الآخر، والأكثر ترجيحًا حتى الآن، فيتماشى مع الرواية الرسمية أكثر؛ وهو أن الحادث نتاج الإهمال الذي تسبب في انفجار كمية كبيرة من المواد المتفجرة المخزنة داخل الميناء.

وظهر فيديو على موقع «تويتر» يدعم هذه الرواية، إذ يُظهر اللحظات الأولى للحريق، التي يظهر فيها رجال الإطفاء وهم يحاولون السيطرة على الحريق عندما كان محدودًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد