أعادت سلسلة التفجيرات الأخيرة في العاصمة البلجيكية صباح يوم الثلاثاء 22 مارس (آذار) 2016، الأذهان إلى ما جرى مؤخرًا في باريس، وأنقرة، وما تتعرض له معظم البلاد العربية من تفجيرات «إرهابية» تحصد جميعها العشرات من الضحايا، وكيفية تعاطي الإعلام الغربي معها.

أعادت سلسلة التفجيرات الأخيرة في العاصمة البلجيكية صباح يوم الثلاثاء 22 مارس (آذار) 2016، الأذهان إلى ما جرى مؤخرًا في باريس، وأنقرة، وما تتعرض له معظم البلاد العربية من تفجيرات «إرهابية» تحصد جميعها العشرات من الضحايا، وكيفية تعاطي الإعلام الغربي معها.

وبالتالي، فإن المطلع على أبرز الصحف الأوروبية يجد أنها أفردت مساحاتٍ كبيرةً للتعاطي مع التفجيرات وتداعياتها، كما فعلت مسبقًا مع تفجيرات باريس، وغضت بصرها عن ما جرى في أنقرة قبل أسابيع، والمنطقة العربية.

«ضربات في قلب أوروبا، الإرهاب يضرب عاصمة الاتحاد الأوروبي، تفجير انتحاري، الإسلام المتطرف، تفجير انتحاري، تفجير عنيف»، هي أبرز التعبيرات الأولية التي تصدرت مواقع التواصل الاجتماعي، فيس بوك وتويتر، للتنديد بهجمات بروكسل، والتعاطف مع ضحاياها.

لذلك، فإن وقوع 23 قتيلًا و35 مصابًا في التفجيرات التي شهدتها العاصمة بروكسل، واستهدفت المطار ومحطةً لقطار الأنفاق قرب مقر مؤسسات الاتحاد الأوروبي، ومحطتي «مالبيك وشومان» اعتبره الإعلام الغربي عملًا «إرهابيًّا»، من قبل جماعات «التطرف الإسلامي»، بشكل انتحاري.

صورة تظهر معدل التعاطف الأوروبي مع ضحايا بلجيكا عبر موقع تويتر

في المقابل فإن تفجير أنقرة الذي تبناه «حزب العمال الكردستاني» قبل أسابيع قليلة، والتفجيرات المستمرة في العراق وسوريا وليبيا، لم يصحبها ظهور مصطلح «إرهابي» في التغطية الغربية.

وإنما اكتفت أبرز صحف الإعلام الغربي «الإندبندنت، والتيليغراف البريطانيتان، ولو بوان، ولو فيغارو الفرنسيتان»، بالقول عما جرى «تفجير عنيف»، «تفجير انتحاري»، على الرغم من أن الضحايا في كل تفجير هم من المدنيين، وهو ما يوحي بازدواجية الإعلام الغربي عند التعامل مع هذه التفجيرات.

لا سيما وأن الحكومة البريطانية قد رفعت العلم البلجيكي في «داوننج ستريت» بالعاصمة لندن، وغرّد الجميع عبر مواقع التواصل الاجتماعي تضامنًا مع بروكسل عقب الاعتداءات التي تعرّضت لها، في حين غابت هذه التغريدات عن تفجيرات المنطقة العربية وتركيا.

صحيفة الإندبندنت البريطانية تعاطت بقوة مع التفجيرات، وأخذت تنشر صور الضحايا والمصابين، وتشير بأصابع الاتهام إلى «تنظيم الدولة الإسلامية»؛ حيث كتبت في أحد تقاريرها عنوان «هجمات بروكسل: الأعمال الشنيعة المرتكبة من داعش تكشف قصور المجتمع البلجيكي».

إضافة إلى نشرها لصور الضحايا والمصابين داخل المطار، والدماء تظهر على وجوههم، في صورة توحي بـ«العمل الإرهابي، والوحشي للتنظيمات الإسلامية، وإبراز الخوف منها وما ستحمله الأيام القادمة».

حالة التعاطف الغربي مع ضحايا بلجيكا، قابلها سخط من قبل نشطاء الفيس بوك، لا سيما المقيمين منذ سنوات في بعض الدول الغربية، حيث وصف الطالب الفلسطيني والمقيم في أستراليا «محمد سليمان»، تفاعل الإعلام الغربي مع التفجيرات بأنه نوع من الانتقائية، وربطه بما جرى مؤخرًا في باريس وأنقرة، والعديد من الدول التي تشهد صراعات دامية.

وكتب منشورًا مطولًا عبر صفحته الخاصة على ««فيس بوك»: «بعد هجمات باريس ظهرت أصوات في أوروبا تعبر عن عدم الرضا في نهج الانتقاد باستخدام العنف، ولكن بطريقة انتقائية، تنبع من الشعور بالعلو وتفوق الجنس الأوروبي على غيره، حيث يسمحون بإعطاء مساحة للبكاء على قتلاهم، في حين لا يلقى الضحايا الأفارقة مثلًا أو المسلمون أو غيرهم نفس الشفقة والرأفة على الأوروبي، وهو انعكاس للغة القوة أيضًا».

ومن أبرز الصور أيضًا التي نشرت بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، تلك التي تظهر أعداد الضحايا في الوطن العربي، وتجاهل الإعلام الغربي لهم، في حين أن أعدادًا قليلة من الضحايا لاقت ضجةً وسخطًا إعلاميًّا في الخارج.

الكاتبة «ياسمين أحمد» كتبت مقالًا مطولًا في صحيفة «الإندبندت البريطانية»، وأثار جدلًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تساءلت عن السرّ وراء غياب التضامن عندما تعلّق الأمر بتركيا والأحداث الأخيرة التي شهدتها أنقرة.

ذكرت في مقالها ما أسمته «فحص السلامة»، والذي تم تفعيله على موقع الفيس بوك عقب هجمات بروكسل، وللهاشتاج على موقع تويتر، إضافة لرسومات التضامن مع بلجيكا في ووقوفها في «وجه الإرهاب»، وتصريحات عمدة باريس عبر تويتر، «بأن برج إيفل سيُضاء بألوان العلم البلجيكي»، فضلًا عن إعلان رسّام الكاريكاتير الفرنسيّ الشهير «بلانتو»، بأنه سينشر تعابير فرنسية تضامنًا مع بلجيكا.

وتظهر الصورة التالية، والتي تضم علمي فرنسا وبلجيكا لرسام الكاريكاتور الفرنسي، بلانتو، العلم الفرنسي وهو يحتضن العلم البلجيكي الذي بدا باكيًا وحزينًا، وهي من أكثر الصور رواجًا وتداولًا عبر مواقع التواصل.

في حين، تداول مغردون صورًا للشخصية الكارتونية البلجيكية «تانتان» مرفقة بعبارات تضامنية مع ضحايا بروكسل.


كما راج استخدام هاشتاج #PrayForBelgium أو «ادعوا من أجل بلجيكا»، في أوساط المغردين الأوروبيين وبخاصة الفرنسيين منهم الذين عبروا عن تضامنهم مع بلجيكا وذوي الضحايا.

واحد من النشطاء الغربيين المقيمين في تركيا، قارن عبر صفحته الفيس بوك، تعاطي الإعلام الغربي مع تفجيرات فرنسا وشارلي إيبدو، وتجاهله في الوقت نفسه ما جرى في تركيا وبعض الدول العربية والإسلامية، وحتى الإفريقية.

وكتب عقب تفجيرات أنقرة الأخيرة «أنقرة لا تختلف عن أي من هذه المدن؟ هذا لأنك تعتقد أن تركيا هي بلد مسلمة، مثل سورية، مثل العراق، مثل البلدان التي في حالة الحرب الأهلية، ثم لماذا ينبغي أن تهتم بتركيا؟ إذا أنت لا تصدق أن هذه الهجمات في أنقرة تؤثر فيك، أو لا يمكنك أن تشعر بنفس الألم الذي شعرت به أثناء هجمات لندن أو باريس، ربما يجب عليك أن تتوقف عن التفكير لماذا، لذلك أنقرة هي بيتي».

تغلغل الجماعات الإسلامية

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=pjdApPiD6b8″ width=”800″ height=”450″ ]

فيما يتعلق بالمواقع الغربية عبر الإنترنت مثل «سكاي نيوز بالعربية»، التي تساءلت: «تفجيرات بروكسل.. لماذا بلجيكا؟ حيث بعد هجمات بروكسل تثار تساؤلات حول علاقة بلجيكا بالتنظيمات المتطرفة، فقد باتت بلجيكا وجهة ومعقلًا للمتطرفين الإسلاميين، وعمليات عنف نفذت في أوروبا وتم التخطيط لها في بروكسل».

حيث ركزت على تغلغل الجماعات «المتطرفة» في أوروبا بعدما زادت الهجمات خلال الأشهر القليلة الماضية، وما سبقها في باريس، ما يوحي بأن بعض الدول الأوروبية باتت مرتعًا لـ«الإسلاميين المتطرفين».

من خلال ما سبق، يتضح حسب المراقبين والمتابعين للأحداث المتتالية في منطقة الشرق الأوسط، بأن العالم يعيش اليوم «نفاقًا إنسانيًّا»، فإذا ما كانت أي تفجيرات تضر بمصالح «الغرب» ستصنف ضمن «دائرة الإرهاب»، بينما إذا ما توفقت ضمن أهدافهم ستكون من أجل الحرية والتحرر.

وبالتالي، فإن ما يجري في الأراضي الفلسطينية المُحتلة من قتلٍ وتدمير وتشريد منذ ما يزيد عن 60 عامًا من قبل «إسرائيل»، يقف الإعلام الغربي صامتًا إزاءه، دون لوم إسرائيل على ذلك.

فضلًا عن ما يجري داخل سوريا والتي تنزف دمًا منذ خمس سنوات متواصلة، حيث لم تحظَ بأي دعم لضحاياها الذين يسقطون بالمئات يوميًّا، رغم أن الذي يجري تتداخل فيه «عناصر إرهابية» من قوى مختلفة، وانتهاك واضح وصارخ لحقوق الإنسان.

«تنظيم الدولة» الذي وصفه الإعلام الغربي بـ«الإرهاب والمتطرف» هو نفسه الذي يضرب داخل الأراضي العراقية، والسورية، والليبية، وحتى المصرية، ويوقع أعداد كبيرة من الضحايا، ويخلف في الوقت نفسه دمارًا هائلًا في البنية التحتية، ومع ذلك لم ينصف الغرب ضحايا البلاد العربية كما بلجيكا وفرنسا وغيرها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد