إنها لحظة مأساة! لحظة سوداء! – عن تفجيرات بروكسل يتحدث رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشال.

صباح أمس الثلاثاء 22 مارس (آذار) 2016م، وبينما يبدأ البلجيكيون يومهم، كان هناك ضحايا. ثلاثة تفجيرات، اثنان منهم في مطار «زافينتم» الدوليّ، أوقع التفجيران 14 قتيلًا. في توقيتٍ مقارب كان هناك تفجيرٌ أوقع 20 قتيلًا، في مترو أنفاق «مالبيك» المجاور لمقرّ الاتحاد الأوروبي، والذي يقع في حيّ المؤسسات الأوروبية. سلسلة تفجيرات بروكسل المُفاجئة هذه، لم تكن كذلك!

ذعر المسافرين في المطار، بعد الانفجار مباشرةً

1- ما الذي حدث؟ ولماذا بلجيكا؟

كان تنظيم الدولة الإسلاميَّة «تنظيم الدولة»، قد أعلن سابقًا أنَّهُ سيستهدف العواصم الأوروبيَّة، جزاءً لها على محاربتها الإسلام في «أرض الخلافة». أشارت الأصابع في البداية إلى «تنظيم الدولة» بالطبع، باعتباره من نفّذ هجمات بروكسل أمس. لكنّ الأصابع لم تظلّ طويلًا، إذ قطع التنظيم الشكّ باليقين ليتبنَّى التفجيرات.

وفقًا للتلفزيون البلجيكي الرسميّ (RTBF)، الذي نقل عن مصدر في الشرطة البلجيكيَّة، فانتحاريو مطار بروكسل، أخوان شقيقان يدعيان «خالد وإبراهيم البكراوي»، يشتبه في أنهما استأجرا شققًا في بلجيكا ليختبئ فيها أعضاء المجموعة التي نفذت تفجيرات باريس، وهما مرتبطان بصلاح عبد السلام، الناجي الوحيد من منفذي تفجيرات باريس.

تفجيرات بروكسل

صورة للشقيقين، التقطت لهما بكاميرا مطار

للأمر جذوره في بلجيكا. تحتوي بلجيكا على ما نسبته 6% من سكانها مسلمين، أغلبهم ذوو أصول عربيَّة مغاربيَّة. بينما نسبتهم في العاصمة بروكسل فقط 25%، وفي حيّ «مولينبيك» – الذي خرج منه العديد من الجهاديين- تقع النسبة الأكبر: 40%. ربما ليست هذه المعلومات ما يطلق عليها «للأمر جذوره في بلجيكا»، ولكن لك أن تعلم أنّ أحد المتَّهمين في التخطيط والإشراف على تفجيرات باريس التي أوقعت 130 قتيلًا وأكثر من 350 مصابًا، هو عبد الحميد أباعود، البلجيكي الجنسيَّة ذو الأصول المغربيَّة.

أباعود سافر إلى سوريا بداية 2013م، ليس هذا فحسب، بل اجتذب أخاه الصغير ذا الـ 13 عامًا للانتماء لـ«تنظيم الدولة»، لم تكن تفجيرات باريس هي البداية، فقد ارتبط اسم أباعود بهجومٍ فاشل على قطار شمالي فرنسا، في أغسطس (آب) من العام الماضي، كما اشتبه به أيضًا في هجوم تمّ إحباطه كان يستهدف حفلًا في كنيسة جنوب باريس.لكنّ الاشتباه الأبرز، كان بضلوعه في الهجوم على صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية.

قتل أباعود في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015م، أي بعد تفجيرات باريس بخمسة أيَّام فقط، في حملة مداهمة أمنية قامت بها القوات الفرنسيَّة في منطقة سان دوني بفرنسا. لكنّ قصَّة تفجيرات فرنسا لم تنته، إذ إنّ أباعود لم يكن القائد الوحيد لـ«مجاهدي بلجيكا» على ما يبدو فقد كان له شريكٌ رئيس، ألقى بظلاله على تفجيرات أمس.

المعلومة الهامَّة أيضًا: بعد تفجيرات باريس في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بعدها بتسعة أيَّام فقط أعلنت الحكومة البلجيكيَّة حالة التأهُّب الأمني القصوى، درجة 4 – وهي أعلى درجات التأهُّب – لثلاثة أيَّام، وأغلقت الشرطة البلجيكيَّة محطَّات المترو والمدارس وأية مناطق بها تجمُّعات بعد معلومات عن احتمال حدوث هجومٍ وشيك كالذي حدث في فرنسا.

2- ما هي تطورات ما قبل تفجيرات بروكسل؟

بدأت وحدات مكافحة الإرهاب الفرنسية والبلجيكيَّة، في التحقيقات ومطاردة المشتبه بهم في تفجيرات باريس منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ومنذ ذلك الحين وهي تطارد «صلاح عبدالسلام»، أحد المشتبه بهم في التخطيط لتفجيرات باريس، والذي كان أخوه إبراهيم أحد مفجري الأحزمة الناسفة في تفجيرات باريس.

لكنَّ الأسبوع الماضي كان مليئًا بالأحداث التي يعتقد أنّ لها صلةً بتفجيرات أمس. فقد قتل أحد الأشخاص الذي يعتقد أن له صلة بـ«الإرهابيين» الثلاثاء قبل الماضي،15 مارس (آذار) في عملية مداهمة للشرطتين البلجيكية والفرنسية، في إطار التحقيقات في تفجيرات باريس. بعد تعرُّض قوات الشرطة لإطلاق نيران أثناء قيامهم بتفتيش منزل في جنوب بروكسل، حيث أصيب خمسة شرطيين، بينما قتل شخص يدعى «محمد بلقايد» وهو جزائري، له علاقة وطيدة بصلاح عبد السلام. كما كشفت التحقيقات الاثنين الماضي عن تحديد هوية أحد الشركاء في تفجيرات باريس يدعى نجم العشراوي. كما تمّ القبض على صلاح عبد السلام نفسه، يوم السبت 19 مارس (آذار)، ثمّ جاءت تفجيرات بروكسل أمس.

تفجيرات بروكسل

موقع تفجيرات بروكسل

 

3- من هو «صلاح عبدالسلام» وما هي تطورات قضيته؟

صلاح عبدالسلام، هو المتهمّ الوحيد الحيّ من منفذي هجمات باريس، فبعد مقتل عبدالحميد أباعود في باريس، لم يتبقّ سوى صلاح عبد السلام، الذي أخبر المحققِّين في التحقيقات أنه كان سيفجِّر نفسه في ستاد «دو فرانس» ولكنَّهُ تراجع، وكان أخوه إبراهيم، أحد مفجري الأحزمة الناسفة في تفجيرات باريس. بعدما تمّ القبض على صلاح يوم الجمعة الماضي–بعد مطاردة دامت أربعة أشهر- خرج وزير الخارجية البلجيكي، وقال: «إن صلاح عبدالسلام كان يستعدُّ للقيام بعملٍ إرهابيٍّ في بروكسل». كان هذا يوم السبت، بينما حدثت التفجيرات بالفعل أمس الثلاثاء.

كانت السلطات الفرنسية قد طالبت بتسليم عبدالسلام لها، في الوقت الذي وجَّه القضاء البلجيكي تهمة القتل الإرهابي والمشاركة في أنشطة منظمة إرهابية لعبد السلام. كما قامت فرنسا بتعزيز قواتها الأمنيَّة على حدودها مع بلجيكا، واعتبرت فرنسا أن مستوى التهديد الإرهابي «مرتفع جدًّا».المعلومة الهامَّة هنا هي أنّ صلاح فرنسيّ، ولكنه يقطن في حيّ مولنبيك.

4- على خلفية تفجيرات بروكسل: ما الذي يحدث في أوروبا؟

تفجيرات بروكسل استهدفت مطارًا ومحطة مترو. محطَّة المترو تقع في منطقة «المؤسسات الأوروبيَّة»، وفي المنطقة التي يقع فيها مبنى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وعدَّة مؤسسات أخرى تابعة للاتحاد الأوروبي. وتعتبر بلجيكا العاصمة غير الرسمية للاتحاد الأوروبي، بينما يطلق عليها لقب «قلب أوروبا». وقد أعلنت العديد من الدول الأوروبيَّة تعزيز إجراءاتها الأمنية خصوصًا في المطارات. يأتي على رأس هذه الدول فرنسا بالطبع «نشرت فرنسا وحدها بعد التفجير 1600 عنصر شرطة إضافيًا في أنحاء البلاد» وبريطانيا وهولندا.

تفجيرات بروكسل

عبد الحميد أباعود


الخطر في أوروبا أنّ أكثر من خمسة آلاف مواطنٍ بها، انضموا لتنظيم الدولة الإسلاميَّة، يشكِّل مواطنو بلجيكا وفرنسا، ثمّ بريطانيا، أغلبية هؤلاء المنضمين. في يناير الماضي أعلنت وكالة الشرطة الأوروبيَّة أنّ «تنظيم الدولة» أنشأت ما أطلق عليه «قواتٌ خاصة داخل أوروبا» لتنظيم هجماتٍ تشبه هجمات مومباي 2008م وهجمات باريس في نوفمبر(تشرين الثاني) الماضي. كما أنشأت أول وحدة متخصصة لمكافحة الإرهاب للتنسيق بين دول الاتحاد جميعًا في حربهم على الإرهاب.

«ولتعلم فرنسا ومن يسير على دربها أنهم سيبقون على رأس قائمة أهداف الدولة الإسلامية، وأن رائحة الموت لن تفارق أنوفهم ما داموا قد تصدَّروا ركب الحملة الصليبية، وتجرأوا على سب نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتفاخروا بحرب الإسلام في فرنسا، وضرب المسلمين في أرض الخلافة بطائراتهم التي لم تغنِ عنهم شيئًا في شوارع باريس وأزقتها النتنة، وإن هذه الغزوة أوَّل الغيث، وإنذارٌ لمن أراد أن يعتبر»، من بيان تنظيم الدولة الإسلامية بعد تفجيرات باريس. يمكن الآن أن نتخيَّل ما تعيشُ فيه أوروبا!

اقرأ أيضًا: أبرز الهجمات الدموية التي ضربت أوروبا والولايات المتحدة خلال العقود الماضية

5- كيف أصبحت بروكسل محطّة للجهاديين في أوروبا؟

تعتبر بلجيكا الدولة الأغنى في أوروبا، «قلب أوروبا» وعاصمتها غير الرسميَّة. أصبحت بلجيكا منذ أكثر من عقد محطَّةً للجهاديين، فإما يخرجون منها ويحملون جنسيتها – غالبًاما يكونون ذوي أصول عربية – أو أنَّهم يستخدمونها كمحطَّة للتحرك منها إلى أهدافهم داخل أوروبا. ربما لموقع بروكسل من أوروبا حيث تقع في القلب، وخلال ساعتين يمكن الوصول إلى فرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا، حيث تتموضع بينهم.

كلمة السرّ الأخرى، هي: «حيّ مولينبيك». الحي الذي يشكل المسلمون 40% من سكانه، يعاني هذا الحيّ من نسبة بطالة عالية، كما أنَّه وفقًا لبعض التقارير ليس هناك اهتمام بالمساجد والتوعية الدينية الإسلامية هناك، ما يجعل أبناء الحي حاضنة قوية جدًا وكبيرةً للأطراف المتشددة.

وذُكرت أمثلةً عديدة على خروج متشددين من بلجيكا أو استخدامهم لها لتحركاتهم باعتبار موقعها المميز في قلب أوروبا، في تفجيرات مدريد 2004. كان أخطر أعضاء الجماعة التي قامت بهذه الاعتداءات هو المغربي حسن الحسكي، الذي أقام فترات من حياته في مولينبيك. العملية الخطيرة التي تمثلت في اغتيال أحمد شاه مسعود عام 2001، كان منفذها بلجيكيًّا من أعضاء تنظيم القاعدة. كما خرج من هذا الحيّ أسماءُ أخرى اشتركت في عمليات تفجيرية، مثل: أيوب الخزاني، ومهدي نموش، ثمّ لا ننسى عبد الحميد أباعود، وأخيه الصغير، ولا ننسى صلاح عبدالسلام، الشاب ذا السادسة والعشرين عامًا الذي أصبح خطرًا على كامل أوروبَّا!


عرض التعليقات
تحميل المزيد