1,245

قبل أيامٍ معدودة أعلنت الرئاسة في سوريا إصابة أسماء زوجة بشار الأسد بسرطان الثدي، وأنها تخضع للعلاج من ورم خبيث في مرحلة مبكرة. لم يكن هذا الإعلان الرسمي عن مرض السيدة الأولى في النظام السوري، والتي ظهرت فيه مع زوجها بشار الأسد، سوى إعادة تذكير للكثيرين بدورها الهام، ونفوذها الآخذ في التصاعد منذ سنوات. يرسم التقرير التالي صورة شاملة عن قرينة بشار الأسد، ومحطات النفوذ التي جعلها من مجرد سيدة مجتمع تُطلق مبادرات مجتمعية إلى صانعة قرار سياسي، وفاعلة في إدارة أزمة سوريا بعد الثورة السورية.

البداية.. لقاءٌ فصداقةٌ فزواج

قبل 18 عامًا وخلال عمل بشار الأسد طبيبًا للعيون في إحدى مستشفيات لندن لفت انتباهه فتاة سورية شقراء يملأ النشاط حركتها، وذلك خلال إحدى زياراتها لوالدها الذي زامل الأسد الابن في العمل؛ فكلاهما يحملان نفس التخصص (العيون) فى مجال الطب. جذبت هيئة الفتاة السورية الشاب الذي يعرفه القاصي والداني في سوريا؛ فقد كان نجل حاكم البلاد آنذاك، والخليفة المًنتظر، لتبدأ صداقة بينهما توطدت أكثر بعدما انتقلت الفتاة إلى سوريا؛ ولتنتهي بالزواج في نفس عام تسلم بشار مقاليد الحُكم عام 2000، دون الأخذ في الاعتبار انتماء أسماء إلى الطائفة السنية.

Embed from Getty Images

تنتمى أسماء لعائلة متوسطة ماديًا؛ فوالدها كان طبيب عيون يسكن في لندن، ووالدتها سحر العطري كانت تعمل في السفارة السورية بالعاصمة البريطانية؛ ما أتاح لأسماء الحصول على الجنسية البريطانية، ونيل شهادة البكاليريوس في علوم الحاسب من «كينجز كوليدج» التابعة لجامعة لندن عام 1996، والتي أتاحت لها فرص التدريب في العمل المصرفي في «بنك دويتشه»، قبل أن تنتقل إلى مصرف «جي بي مورجان».

بدأ حضور أسماء يتشكل من خلال حضورها مناسبات عامة ذات طابع اجتماعي باعتبارها سيدة مُجتمع. تلتقى نساء سوريا ذوات الجذور البرجوازية، وتناقش مشاكلهن، وتُطلق المبادرات الاجتماعية لتسويق دورها. كذلك سعت لجذب الأنظار عنها عبر وسائل الإعلام العالمية، مستفيدة في ذلك من إجادتها للغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية. انتقل هذا النفوذ والتأثير من موائد المبادرات النسوية إلى ساحة السياسة وصناعة القرار؛ إذ شكلت رقمًا صعبًا في معادلة السلطة التي احتكرها آل الأسد على مدار عقود لصالحهم.

«الديكتاتور الحقيقي».. صانعة القرار والمرجع الأول للرئيس

تظهر هذه السيطرة الواسعة ومركزية حضورها داخل قصر الحاكم من واقع إحدى الرسائل المُسربة من بريدها الإلكتروني حين أرسلت لصديقة لها، تقول: «أنا الديكتاتور الحقيقي». في إشارة إلى المكانة الخاصة التى تتمتع بها داخل دوائر صناع القرار، وعند بشار نفسه، وتقف أسماء داعمة لسياسة زوجها تجاه شعبه؛ فهى من أنصار العنف الدموي تجاه كل معارضي النظام حتى يتم إبادتهم، فيما أخذت في بعض المواقف خلال سنوات الانتفاضة السورية موقع صانع القرار محل زوجها مندفعةً أكثر نحو خيار العنف باعتباره حلًا أوحد لوقف المواجهات الدائرة بين جيش النظام السوري، وأطياف المعارضة، والجماعات المُسلحة.

Embed from Getty Images

وكانت أسماء قد حسمت اختياراتها منذ اندلاع الانتفاضة السورية عبر دعم زوجها في قمع المتظاهرين؛ فزوجها «هو رئيس سوريا بكاملها، وليس رئيس فصيل من السوريين، والسيدة الأولى تدعمه في هذا الدور»، كما نقل مكتبها الإعلامى عنها في فبراير (شباط) 2012، و تعد أدوار أسماء الداعمة والمُحرضة على مزيد من العنف أحد الأسباب التي جعلت عقوبات الاتحاد الأوروبي تطالها من بين 12 شخصيةً سوريةً في عام 2012 . وينال بشار امتداح زوجته في كل الخطب التي يلقيها، ويظهر فيها قويًا، غير عابئ بما تذيعه القنوات التلفزيونية ومنظمات حقوق الإنسان حول الانتهاكات الواسعة التي يرتكبها الجيش النظامي السوري بعد تمسك السيدة الأولى بخيار الانتصار الحاسم دون تقديم أي تنازلات.

ويمكن القول إن أسماء قد نسجت شبكة من النفوذ السياسي عبر ثقة بشار فيها، بالإضافة إلى حضورها الواسع، وحرصها الدائم على الاطلاع على أسرار الحُكم ودهاليزه؛ لتتحول في السنوات الأخيرة إلى أحد أهم المؤثرين على زوجها في صناعة القرار السياسي. حدود هذا التأثير امتد إلى التعليق على كُل شيء يفعله الأسد، حتى أنها انتقدت بعض إجاباته خلال المقابلات التلفزيونية، مثلما حدث بعد مقابلته مع قناة «إيه بي سي نيوز» التي رأت أنها كانت «غير جيدة».

دائمًا ما تنفي أسماء أية أخبار تروج لسفرها خارج البلاد وترك زوجها؛ إذ تحرص دومًا على الترويج لدعم زوجها، ولا تترك فرصة تؤكد على بقائها في سوريا، إلا وتغتنمها في محاولة للتدليل على خصوصية العلاقة التي تجمعها مع بشار. ففي أول ظهور إعلامي لها منذ اندلاع الانتفاضة السورية في أكتوبر (تشرين الأول)  2016 خلال مقابلة تلفزيونية مع قناة «روسيا 24»، شددت أسماء على تلقيها عروضًا لمغادرة سوريا، شاملة حمايتها هي وأطفالها الثلاثة، وكذلك ضمانات مالية، لكنها أكدت أنها لم تفكر في هذه العروض؛ في محاولة لإيصال رسالة خلال هذه المقابلة مفادها دعمها للرئيس السوري بلا حدود، دون الأخذ في الاعتبار مطالبات بعض أعضاء مجلس النواب البريطانى تجريدها من جنسيتها البريطانية، على خلفية دعمها لنظام قاتل، كما وصفوه.

 وتابعت خلال المقابلة، قائلة: «لا يحتاج الأمر عبقرية لمعرفة ما كان يسعى إليه هؤلاء الأشخاص فعليًا. لم يكن الأمر يتعلق برفاهيتي أو رفاهية أبنائي، لقد كانت محاولة متعمدة لزعزعة ثقة الشعب برئيسه».

«الأمانة السورية للتنمية».. وسيلة أسماء لتجميل وجه النظام القمعي

بعد تسلم بشار الأسد السلطة في عام 2000، بدأت أسماء في رسم دور مجتمعي لنفسها، تفعل من خلاله مهام تليق بالمكانة التي نالتها بعدما أصبحت قرينة الرئيس والسيدة السورية الأولى؛ ويمكن القول إن ذلك تحقق لها عبر تأسيس «جمعية الأمانة السورية للتنمية» في عام 2001 لتكون الواجهة المدنية لتجميل سياسات النظام السوري على خلاف الصورة الرائجة التي تقول بأن الأسد رئيس ديكتاتوري، حوَّل البلاد لسجن كبير.

Embed from Getty Images

ووفقًا للموقع الرسمي لـ«جمعية الأمانة السورية للتنمية»؛ فهي «مؤسسة تنموية ميدانية رائدة في مجال التغيير الاجتماعي في سوريا، تعمل يدًا بيد مع الأفراد والمجتمع المحلي للوصول معهم وبهم إلى حلول مستدامة للتحديات التنموية»، وتقول جمعية قرينة الأسد: إن الكلمات الثلاثة «سوريا، تنمية، أمانة» عقيدة المؤسسة؛ فهي وفقًا للموقع الرسمي تُشكل «جوهر فلسفتنا، وأساس استمرارنا وبوصلة أدائنا، كأمانة سوريّة للتنمية».

وقد منح ارتباط اسم قرينة الأسد بالجمعية زخمًا واسعًا في كافة أرجاء سوريا، وكذلك حضورًا واسعًا للتغطية الإعلامية لأنشطة الجمعية التي أخذت مقرًا لها في حي المزة – فيلات شرقية في العاصمة دمشق – أحد أرقى أحياء العاصمة، مجاورة لعدد من السفارات، أهمها السفارة الإيرانية.

وكانت أدوار الجمعية قد لمعت في مبادرات لتنمية مهارات الشباب السوري في سوق العمل قبل سنوات من بدء الانتفاضة السورية، عبر تنظيم دورات تدريبية للشباب حول التعامل مع وسائل التواصل الحديثة التي روجت لها وسائل الإعلام الحكومية، وإطلاق حملات توعوية مثل: «حقي في التعليم، ودعم المشاريع الصغيرة»، لكن مع اندلاع الانتفاضة السورية ضد نظام بشار الأسد، أخذت أنشطة الجمعية مسارًا أكثر انكشافًا للأهداف الحقيقية لنشأتها، وذلك من خلال الأنشطة الدعائية التي قامت بها لدعم النظام، وإطلاق مبادرات إعلامية لتلميع صورة الرئيس، وإقامة الفعاليات تكريمًا لجرحى وقتلى الجيش النظامي السوري.

واحدة من هذه المبادرات هي «جريح الوطن»، وهو البرنامج الذي صممته المنظمة لتوفير الرعاية اللازمة للجرحى من أبناء الجيش النظامي السوري، وإتاحة فرص عمل لهم، وتقديمهم في مقاطع مصورة، باعتبارهم نماذج مُلهمة، وكذلك برزت سياسة الجمعية في استخدام مواد بصرية بتقنية تلفزيونية عالية، لكُل أنشطتها مثل تصوير هؤلاء الجرحى مع ذويهم، واستخدامها وسيلة لكسب التعاطف والتأييد، وسحب الأنظار عما تتعرض له قطاعات واسعة من الشعب السورى جراء هجمات النظام.

 ولعبت الأمانة دورًا فاعلًا كذلك في تصدير حقيقة منافية للواقع عن استمرار العمل الإغاثي في العديد من المناطق، وهي الصورة التي تخالف أوامر السلطات السورية بوقف عمل كُل منظمات الإغاثة، والاقتصار على عمل الجمعية التي تتبع قرينة بشار في المناطق التي تحتضن فئات داعمة للأسد، بالإضافة إلى تأسيس الجمعية مكتب طبي إغاثي لمعالجة المتضررين من الحرب السورية، ومعظمهم من أبناء الجيش النظامي السوري.

ويمكن القول إن الدور الأكثر أهمية لهذه المؤسسة، كان قدرتها على ملء الفراغ الذي أحدثه ضعف أنشطة منظمات «حزب البعث» الشعبية، سواء في التعبئة أو الحشد؛ لتصير المؤسسة آلة سياسية فاعلة ومؤثرة لدى النظام.

قرينة الرئيس السوري، ترحب بإحدى أقارب واحد من قتلى الجيش النظامي السوري.

ويُشير تحقيق منشور بموقع «الجمهورية» إلى أن مصادر تمويل الجمعية، يعود إلى ثلاثة مصادر رئيسة لها صلات مع نظام بشار الأسد، المصدر الأول: منظمة «world links» المملوكة لجيمس وليفنسون، المدير السابق للبنك الدولي، والتي تأسس فرعها العربي عام 2003، ويضم مجلس إدارتها أسماء الأسد، إضافة إلى عدد من الوجوه النسوية البارزة على الساحة العربية، منها رانيا العبد الله ملكة الأردن وبهية الحريري، إضافة إلى زوجة جيمس وليفنسون، أما المصدر الثاني فهو: شركة المقاولين المتحدين، العاملة في مجال النفط والبناء، وأخيرًا عدد من شركات النفط التي كانت تعمل في سوريا قبل عام 2011، وتعد المصدر الثالث للتمويل، فيما ساهمت الأمم المتحدة في تمويل عدد من البرامج التي تُطلقها الجمعية؛ إذ قدر تقرير منشور بجريدة «التلجراف» حجم الأموال التي حصلت عليها المنظمة بنحو 8.5 مليون دولار.

كيف أعادت أسماء الاعتبار لـ«آل الأخرس» في حمص؟

 لم يكن صعود أسماء داخل قصر الحُكم ونفوذها الظاهر في كُل الملفات السياسية منفصلًا عن إعادة الاعتبار لعدد من أفراد عائلتها في حمص عبر منحهم المزيد من الامتيازات الاقتصادية، وتسهيل تعاملاتهم التجارية، ومنحهم عقودًا بالأمر المباشر باعتباره مظهرًا من مظاهر نفوذ سليلة العائلة، وقرينة الرئيس.

Embed from Getty Images

كان الشخص الذي منحه بشار صلاحيات واسعة لإعادة الاعتبار لعائلة قرينته داخل حمص، عبر منح أقاربها امتيازات مادية واقتصادية هو إياد غزال، صديق الرئيس منذ الطفولة، وخلال سنوات الدرسة، ومحل ثقته في إدارته، والذي عُين محافظًا لحمص. التحول الأساسي الذي فعله غزال كان طمس هوية المدينة عبر القضاء على القطاعات الأكثر دخلًا لسكانها، مثل مصنع سماد آزوتي، ومعمل سكر، ومحالج قطن، وكثير من الزراعة والتجارة؛ إذ قرر الاستبدال بهذه القطاعات الاتجاه نحو الاستثمار العقاري في المدينة بمنح أقارب زوجة الرئيس عقودًا لتأسيس فيلات على شاطىء البحر بملايين الدولارات.
ويمكن القول إن غزال فعل كُل شيء لإفساح المجال أمام أقارب قرينة الرئيس؛ إذ قام بطرد سكان «الغوطة» و«الوعر» -أحياء حمص الطرَفية – من أرضهم بالقوة، وكذلك طرد الفلاحين من أرضهم تحت ذريعة أن قطاع الزراعة غير مُجدٍ اقتصاديًا، متجاهلًا شكاوى رجال الأعمال في قطاع الصناعة بعد إغلاق مصانعهم، وتشريد آلاف العمال؛ ليظل قطاع العقارات والمضاربة في أسعار الأراضي هو القطاع المدعوم من جانب الدولة بتسهيلات كبيرة ومكاسب خيالية ومقتصرًا على أقارب زوجة الأسد من آل الأخرس.

ووفقًا لمقال المفكر الفلسطيني سلامة كيلة، المنشور في جريدة «السفير العربى»، فإن كُل هذه الأمور كانت حافزًا للثورة على النظام؛ إذ أوضح قائلًا: «كان الحماصنة نهبًا للشعور بظلم لا يستحقونه، وكانوا يتساءلون: لماذا ندفع نحن ثمن تحديث لا نريده، وليس هناك ما يبرر أن نكون ضحاياه؟ ولماذا يصير غيرنا غنيًا من التحديث، ونصير نحن فقراء، ودون ملكية أو حقوق؟ وكانت أسئلتهم تنتظر دون جدوى من يرد عليها بتفهم عادل. أخيرًا وحين ملوا الانتظار وضجروا من العيش مع اليأس، انفجروا كالقنبلة الموقوتة، ودخلوا في رهان على الخلاص، يعلمون أن لفشله بديلًا واحدًا هو الموت تحت أنقاض منازلهم أو في شوارع المدينة».