«حب الوطن فرض عليا ..أفديه بروحي وعنيا»، هذه الأغنية وغيرها من الأغنيات التي تغنت بحب الوطن كانت ولا تزال محفورة في وجداننا وذاكرتنا، فهل تكفي الأغنيات وحدها للتعبير عن انتمائنا للوطن، وشعورنا بالولاء له والتضحية من أجله؟

ولماذا كان الغناء هو الأبرز من بين كل الفنون في ترجمة المشاعر تجاه الوطن؟ أو بتعبير أدق لماذا يُختزل الانتماء للوطن في بضعة كلمات؟ هذه الأسئلة وغيرها تفرض نفسها مع كل حدث له علاقة بالوطن، سواء كان سبقًا كبيرًا أو فوز فريق كرة القدم؛ إذ يتم ترجمة هذا الحدث والتعبير عنه بالأغنيات.

الأغنيات الوطنية.. الأسهل و«الأرخص»

في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»، يُرجع الناقد الفني طارق الشناوي السبب في أن الأغنيات دون غيرها من الفنون هي الأكثر والأغزر تعبيرًا عن أحداثنا التي نمر بها بشكل عام والوطنية بشكل خاص، إلى أنها الأسهل في الإنتاج، سواء «زمنيًا» أو «ماديًا» مشيرًا إلى أن الأعمال الدرامية بشكل عام تحتاج لفريق عمل كبير في مجمل عناصر العمل الفني لتنفيذ العمل، كذلك ضرورة توافر إنتاج ضخم، خاصة لو كان العمل الدرامي يرصد حدث بطولي.

ويواصل قائلًا: «تراجع دور الدولة بأجهزتها المختلفة عن الإنتاج الدرامي، سواء سينمائي أو تلفزيوني، مقابل سهولة إنتاج الأغنية، هو ما دفع بالأخيرة لأن تتصدر المشهد  بغض النظر عن مستواها الفني، والذي للأسف تراجع كثيرًا، مقارنة بأعمال أخرى مماثلة أنتجت في سنوات مضت من القرن الماضي، وكانت وستظل تعيش بوجداننا وذاكرتنا، بل وتُستدعى في مناسبات هامة مثلما حدث في ثورة يناير عندما برزت أغنيات للراحلة شادية مثل «يا حبيبتي يا مصر».

الفنانة الراحلة شادية

السبب ذاته أكدته د. سامية  خضر أستاذ علم الإجتماع بجامعة عين شمس، في تصريحات خاصة لـ« ساسة بوست»؛ إذ أشارت إلى أن «الغناء شكل من الأشكال الطبيعية للتعبير والتي عرفها الإنسان منذ قديم الأزل، وأن لكل أمة تراثا من الرقص والغناء يتوافق وحضارتها، أو بتعبير أدق يعبر عنها».

وأكدت سامية أيضًا على أن موروثنا من الأغاني والمواويل التي سجلت بالكلمة واللحن أحداث ومواقف كثيرة، سواء كانت مفرحة أو حتى حزينة، لا يزال أكثرها يعيش بوجداننا، وأننا قد ننسى مؤلفها وملحنها وربما تفاصيل الحدث ذاته قد يطوله الالتباس أو يسقط من ذاكرة البعض، ولكن رغم  ذلك تبقى الأغنية هي الشاهد الوحيد على أن هذا الحدث مر بعمر الوطن، شريطة «أن تكون الأغنية صادقة».

وتؤكد سامية على أن الأغنية  بشكل عام وبغض النظر عن المناسبة التي أطلقت من أجلها ستظل «الأسهل في تنفيذها والأكثر انتشارًا دون غيرها من الفنون»، لذا يلجأ لها البعض باعتبارها حلًا سحريا لترجمة مشاعرنا ورؤيتنا تجاه مواقف وأحداث بعينها.

ماذا لو أنتجناها اليوم؟ كيف «تنسف» التكنولوجيا الحبكة الدرامية للأفلام القديمة

«التقزم يسود».. والفنون انعكاس لحال المجتمع

يقال إن الفن مرآة الشعوب، وإذا أردت أن تعرف شعبًا فانظرإلى فنونه، إذ إنها خير دليل على تحضره ومدى رقيه، وتعد انعكاسًا لثقافة المجتمع.

ومن جانبها ترى سامية خضر تلك العلاقة التبادلية بين الفنون باعتبارها قيمة ثقافية وبين المجتمع «تجسيدًا حيًا متفاعلًا مع هذه القيم التي يجب أن ترتقي دومًا إلى أعلى، ولا تنحرف أبدًا ولو بقدر ضئيل إلى أسفل، ليس فقط على مستوى إعلاء قيمة الإحساس بالجمال، ولكن وهو المهم إعلاء قيم الأخلاق والفضيلة والعمل الجاد وقيمة العلم والدفاع عن الوطن وإلى آخره من  هذه القيم التي تمثل عصب نجاح وتطور أي مجتمع متحضر».

الفنان الراحل عبد الحليم حافظ – مصدر الصورة: مغربيات

إلا أنه وعلى حد توصيف الناقدة الفنية فايزة هنداوي في تصريحاتها لـ«ساسه بوست»، فإنها تؤكد أننا نعيش الآن حالة من «التقزم» على كافة المستويات من تعليم وصحة واقتصاد وغيرها من المجالات، الأمر الذي انعكس بالطبع على مستوى الفنون التي تحاصرنا، ويمكن تلمسه بدقة لمعرفة مدى التدني الذي وصلت له، لحد الاستهانة بالنشيد القومي عندما طالبت وزيرة الصحة الحالية الدكتورة هالة زايد المستشفيات الحكومية بإذاعة السلام الجمهوري بوصفه «سنة حسنة» تؤجج الروح الوطنية لدى الأطباء، الأمر الذي أثار موجة من الانتقادات لما يحمله هذا الطلب من استهانة بالسلام الوطني، وليس محاولة لتفعيل «طاقة إيجابية» كما رأت الوزيرة.

وعلى ذكر السلام الجمهوري، يذكر الكاتب عمر طاهر في مقال له بعنوان «مصر يا ست البلاد» عن قصة وظروف كتابته، وكيف تحول من مجرد أغنية استلهم مؤلفها الشيخ يونس القاضي (أول مؤلف للأغنية الحديثة في مصر على حد توصيف طاهر) كلماتها من خطب الزعيم مصطفي كامل قبل أن يطلب من المبدع خالد الذكر سيد درويش أن يلحنها، مشيرًا إلى أن النص الأصلي تبدلت كلماته عن المعروف الآن؛ إذ كتبها الشيخ يونس «مصر يا ست البلاد… أنتي أصلي والمراد» لتصبح «مصر يا أم البلاد أنتي غايتي والمراد».

الأغنية الوطنية «تقضية واجب»

«فتش عن الصدق»، هكذا بدأ الملحن حلمي بكر تصريحاته لـ«ساسه بوست» مشيرًا إلى أن نجوم المشهد الغنائي في الزمن الجميل كانوا يتعاملون أو بالأحرى «يتفاعلون» مع الحدث المراد التعبير عنه إبداعيًا بمنتهى الصدق ومن «أعماقهم» لذا نجحت تلك الأغنيات، وكانت وستظل في ذاكرتنا بسبب صدقها وإيمان صناعها بما قدموه، «بعكس الأجيال الحالية» علي حد توصيف بكر، والتي لم تعد تهتم بتدقيق صناعة الأغنية بشكل عام والوطنية من بينها.

مواصلًا حديثه: «هناك للأسف استسهال في صناعة الأغنية بشكل عام، سواء على مستوى الكلمة أو اللحن، وهو ما ينعكس بالتبعية على أداء من يؤديها وكأنها «تقضية واجب»، ما يفسر لماذا تمر على الجمهور مرور الكرام فلا تؤثر فيهم، ولا تكون أيضًا معبرة عن الحدث، لذا تغادر الذاكرة والقلب على السواء غير مأسوف عليها».

     أغنية عدى النهار- عبد الحليم حافظ

الكلام ذاته أكده أيضًا الناقد طارق الشناوي مشيرًا إلى أن «نجوم الزمن الجميل كانوا جزءًا لا  يتجزأ من المجتمع، ويتأثرون بكل ما يمر به، لذا نجحوا في التعبير عنه بكل انتصاراته أو انكساراته، أفراحه و أحزانه، وكانوا يصدقون ما يقدمونه لذا انتقل الصدق من الفنان للمتلقي. أما الأن فكل شيء ملتبس ما ترك آثاره على الفنون عمومًا، والأغنيات بشكل خاص؛ مما جعل تأثيرها عكسيًا في أحيان كثيرة، بل تسببت في حالة من الاستهجان لدى الجماهير؛ لأن بعضها حاول تزييف وعيهم، بعكس أغنيات سابقة كانت أكثر صدقًا حتى وهي تعبرعن لحظات الانكسار والهزيمة مثل أغنية «عدى النهار» للفنان الراحل عبد الحليم حافظ، والتي زالت تعيش بوجدان الجماهير وذاكرتهم».

الموهبة وحدها لا تكفي.. ما شروط الوصول إلى النجومية في الوسط الفني؟

فنون يناير لم تكشف عن نفسها بعد

من جانبه يفند الأديب الكبير سعيد الكفراوى فى إحدى حواراته الصحافية التي نشرت قبل عامين بجريدة الوطن التغيير الذي طرأ على مفهوم الوطنية لدى الشعب، وكيف تناسى البعض معاني الوطنية حتى أصبحت تقتصر فقط على كلمات الأغاني.

فيقول الكفراوي: إن «الوطنية علاقة ثابتة بين الوطن وأبنائه»، وذلك لأننا نحب أوطاننا بقدر ما تقدمه لنا من يقين واستقرار، مؤكدًا على أن الانتهازية التي طفت على سطح المجتمع، والطموح الزائد نحو حياة لها سياق وطابع مختلف، والولاء للوطن الذي «قل كثيرًا»، إضافة للعشوائيات التي نعيش فيها وغيرها كانت من أهم الأسباب التي دفعت الفرد لأن يفتقد محبة الوطن.

ميدان التحرير في الثورة المصرية – مصدر الصورة: الأهرام ويكلي

أما عن الأغنيات الوطنية الحالية فيرى الكفراوي أن ما شهدته مصر خلال الـ60 عامًا الماضية من مراحل سياسية مختلفة تغيرت فيها السياسات، هو أفرز ما في النهاية منتجًا ثقافيًا يتوافق مع ما نعيشه الآن، مؤكدًا في نهاية حواره على أن «المتغير» الذي حدث في ثورة يناير لم ينتج فنونه حتى الآن، مشددًا على أن المواطن عندما سيتمكن من استعادة «الروح» سيستعيد الوطن مكانته.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!