لا يُغرد دونالد ترامب ، المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية ، وحيدًا في أفكاره المُثيرة للجدل والعدائية للمُسلمين، فينافسه في ذلك مُرشح جمهوري وهو الطبيب بن كارسون الذي سنُركز في هذا التقرير على مراحل حياته وكيف نشأ في أجواء صعبة لأبوين مُنفصلين، مرورًا بفشله في المراحل الأولى للتعليم، قبل الوصول إلى تميزه العلمي في مجال جراحة الأعصاب، وصولًا إلى فترة انغماسه بالعمل السياسي والترشح لرئاسة الولايات المتحدة للعام الجاري.

لا يُغرد دونالد ترامب – المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية – وحيدًا في أفكاره المُثيرة للجدل والعنصرية تجاه الأقليات والمسلمين بشكل خاص، حيث ينافسه في ذلك مُرشح جمهوري آخر، وهو طبيب الأعصاب بن كارسون الذي سنُركز في هذا التقرير على مراحل بداية من نشأته إلى حياته العملية إلى فترة انغماسه بالعمل السياسي والترشح لرئاسة الولايات المتحدة.

(1) نشأة صعبة

ولد بنيامين كارسون في 18 سبتمبر عام 1951 في ديترويت، ولاية متشيجن في أمريكا، وهو أحد أبناء الغيتو أحد الأحياء المُنعزلة والقاصرة على أقلية معينة، كان بن فقيرًا وبدأت حياته في وقت مصيري من التاريخ الأمريكي؛ ففي الخمسينات بدأ صراع السود للتخلص من نظام الفصل العنصري الذي كان مُنتشرًا في أمريكا قبل أن ينجحوا في النهاية في كسر قانون العزل العنصري بقيادة مارتن لوثر كينح .

وبن هو الابن الأصغر لروبرت وصونيا كارسون، وبدأ الأبوان حياة مستقرة ماديًّا قبل أن ينجر والده للحكوليات وتناول المُخدرات ويتعطل عمله في مصنع السيارات “وهو ما أفسد كل شيء” على حد تعبير بن؛ إذ اشتد الفقر على الأسرة وانفصل الوالدان، لتبدأ الأم رحلة الألم والفقر والمعاناة مع بن وأخيه وتنتقل لمنزل أقاربها بولاية بوسطن حيث تنتشر الجرذان والصراصير في جنبات المنزل الذي يقع في أحد الأحياء التي اشتهرت بالعنف والجريمة.

لم تكن صونيا الأم، تمتلك من المؤهلات ما يُعينها على العمل في وظيفة أفضل من الخدمة في المنازل، ولكنها كانت تمتلك من العزم والإرادة ما يساعدها على الاعتماد على ذاتها للتخلص من شفقة الأهل ومساعدة الحكومة للفقراء، فكانت صونيا – التي انتهى تعليمها عند الصف الثالث في التعليم الأساسي – تعمل طوال الأسبوع وتذهب من المنزل من الخامسة صباحًا وترجع في منتصف الليل متنقلة بين وظائف متواضعة، وفي بعض الأيام تمر دون أن يراها بن وأخوه، وبعد عامين من العمل الشاق انتقلت صونيا وولديها إلى بيت في ديترويت كان “مماثلًا” لما كانوا فيه ببوسطن مستقلة عن الدعم الأسري والاجتماعي.

(2) الطالب المتعثر

“شبكة الأمان”

هكذا كان يُلقب بن بين زملائه في الصف الخامس الابتدائي، فبعدما عاد بن من بوسطن بدأ تعليمه وكان دائما ما يُنظر إليه من قبل زملائه بأنه طالب غبي وفاشل، وكان ما يقصده زملاؤه بشبكة الأمان بأنه لا داعي لأي طالب أن يشعر بالقلق حول حصوله أدنى العلامات طالما كان بن يمتحن في نفس المادة!

ولكن تلك الأوصاف التي طالت بن في مراحله الابتدائية رفضتها أمه صونيا التي أصرت على كونه موهوبًا وذكيًا، وبدأت فرض تعليم جدول الضرب لبن ذلك الجدول الذي كان يُمثل عقدة له، أجادته صونيا وهي لم تتخطَ الصف الثالث – مما أدى إلى تمكن بن منه وتحقيق علامات مُرتفعة، ولكن أمرًا آخر فرضته صونيا على بن جعلته أكثر تميزًا بين أقرانه.

لم يكن الولدان الصغيران يحققان نجاحًا في المدرسة. ويتذكر كارسون أنه عندما كان في الصف الخامس كان زملاؤه يلقبونه “شبكة الأمان” لأنه “لا داعي أبداً لأي واحد منهم أن يقلق حول حصوله على أدنى العلامات في أي اختبار طالما كنت أنا هناك”. ويحمد كارسون الله الآن لأن والدته كانت “شديدة الملاحظة”. كانت تلاحظ خلال عملها في منازل البيض الأثرياء أن أولادهم كانوا يقضون ساعات ما بعد المدرسة وهم يدرسون ويطالعون، بينما كان ولداها يلعبان في الخارج أو يشاهدان البرامج التلفزيونية.

ويتذكر كارسون أنها “في أحد الأيام، بعد أن صلَّت طويلاً، رجعت إلى المنزل وقالت لنا: هذا ما سوف تفعلانه، سوف تبدآن بمطالعة الكتب، وسوف تطفئان جهاز التلفزيون السخيف هذا، ولكي أتأكد من أنكما تطالعان سوف تزوداني بتقارير حول الكتب التي طالعتمانها”. وبالتأكيد “اعتقدت أن ذلك الأمر مثير للسخرية.”

“بنيامين، ضع الكتاب جانبًا وتناول طعامك”

هكذا وبخت صونيا بن، بعد فترة طويلة من الامتثال لمطالبها؛ إذ عشق بن القراءة وانكب على مطالعة الكُتب وأدمنها، “حتى وصلت إلى نقطة بحيث إنه إذا توفرت لي خمس دقائق كنت أطالع كتابًا، لا يهم المكان الذي أكون فيه، أنتظر الباص، أو راكبًا في الباص، أو حول مائدة العشاء” وفقًا لما يحكيه بن مشيرًا: “والدتي التي كانت دائمًا تحثنا على المطالعة كانت تزجرني: بنيامين، ضع الكتاب جانبًا وتناول طعامك”.

فيديو يُظهر وهو في المراحل الأولى من التعليم:


(3) “يوسف أيُها الصديق أفتنا”

بدأ بن مطالعة كتبٍ وقصصٍ مُلهمة لأشخاص عانوا كثيرًا في بداياتهم قبل أن يلمعوا في النهاية ليستلهم بن منهم إمكانية أن يُصبح مميزًا بعد نشأته الصعبة، وأكثر ما أثر فيه هو قصة النبي يوسف المذكورة في التوراة، الذي كان مُستعبدًا وسُجن ظلمًا قبل أن يصبح في النهاية “عزيز” مصر القديمة، كما تأثر بن أيضًا من السيرة الذاتية لبوكر تي التي جاءت تحت عنوان “نهوضًا من الاسترقاق”؛ إذ وُلد بوكر في ظل العبودية ولكنه تمكن لاحقًا من تأسيس جامعة والعمل مستشارًا لدى رئيسين أمريكيين.

وتدريجيًّا بدا بن مُميزًا بين زملائه بفضل القراءات التي عكف عليها حوالي ساعات يوميًا والتي وسعت أفقه وميزته أمام مُعلميه، وحصل بن على المرتبة الأولى في الصف الثامن، قبل أن يلتحق بكلية الطب بجامعة متشيجان ليبدأ مشواره الطبي ويعمل بعد ذلك في جراحة الأعصاب وترأس ذلك القسم في مستشفى جونز هوبكنز وهو في عمر صغير 33 سنة فقط!

ووصل بن للعالمية عندما قاد – في عام 1987 – فريق جراحين أدى أول عملية ناجحة لفصل توأم ملتصق، واستمرت تلك العملية حوالي 22 ساعة انتهت بفصل توأم ألماني ليعيشا بعد العملية بشكل طبيعي، وأتقن بن إجراء عملية استئصال نصف الدماغ عند الأطفال وساعد حوالي 100 طفل من خلال إجراء تلك العملية الجراحية الصعبة، وألف بن 90 كتابًا طبيًا، وفي 2009 حصل على الميدالية الرئاسية للحرية من قبل الرئيس السابق جورج بوش، وأصبح شهيرًا بشكل كبير وكثر ظهوره التلفزيوني كما كانت تطمح صونيا، وتحولت تجربته المُلهمة إلى فيلم يُسمى “الأيدي الموهوبة” يحكي عن قصة بن، ذلك الفيلم الذي استعرضنا منه جزءًا أعلاه وهذا هو الفيلم كاملاً:


(4) سياسي مُثير للجدل


أعلن بن كارسون – عضو الحزب الجمهوري – اعتزامه المشاركة في الانتخابات الرئاسية لعام 2016 ويتنافس بداية مع زميله المُثير للجدل دونالد ترامب، ولا يختلف بن كثيرًا عن زميله الجمهوري في بعض آرائه السياسية المُثيرة للجدل تلك الآراء والأفكار التي يُمكن وصف بعضها بـ”العنصرية” أو “العدائية” للمسلمين، ويمتد الجدل الذي تثيره أفكار كارسون في ملفات أخرى كمفهومه لـ”العبودية” والحرية وأفكاره الأمنية.

عداؤه للاجئين والمُسلمين

“كلاب مسعورة”

هكذا وصف بن اللاجئين السوريين داعيًا إلى اتخاد إجراءات أكثر شدة وصرامة تجاههم، في واحد من أكثر التصريحات إثارة للجدل وإظهارًا لمشاعر “العنصرية” ضد اللاجئين، وقال كارسون: “إذا كان هناك كلب مسعور يركض في منطقتكم، فمن المحتمل أن تبعدوا أولادكم عن طريقه، هذا لا يعني أنكم تكرهون الكلاب، بل تفكرون في طريقة حماية أطفالكم منها”.

لافتا: “يجب أن نتبع آليات للفرز، من أجل تحديد الكلاب المسعورة بكل صراحة، ومن هم الأشخاص الذين يريدون القدوم إلى هنا وإلحاق الضرر بنا، ويريدون تدميرنا”.

وفي نهاية نوفمبر الماضي زار بن كارسون أحد مخيمات اللاجئين في الأردن التي وصفها بـ”اللطيفة جدًا”، وبدت تلك الزيارة على أنها جاءت لإثبات بن وجهة نظره في رفض استقبال أمريكا للاجئين السوريين أكثر من كونها زيارة تضامن معهم؛ إذ أكد بن خلال زيارته على ضرورة تمويل أمريكا للمخيمات بدلا من إعادة توطينهم داخل أمريكا، وقال”إنهم راضون بالبقاء في مخيمات اللاجئين إذا مُولت على نحو كافٍ، وهناك مدارس ومرافق ترفيهية في تلك المخيمات، التي هي في الحقيقة لطيفة جداً، وبها كل الأشياء التي تجعل من الحياة أكثر احتمالاً”.

وتجدر الإشارة إلى أن قضية اللاجئين السوريين تمثل نقطة خلاف كبيرة بين الجمهوريين والديموقراطيين، وكان الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما قد اتخذ قرارًا باستقبال 10 آلاف لاجئ سوري بأمريكا خلال عام، ومن جانبهم صوت289 عضوًا بالكونجرس معظمهم من الحزب الجمهوري لصالح قرار يقضي بتعليق استقبال اللاجئين السوريين والعراقيين في أمريكا حتى تطبيق آليات تدقيق أشد صرامة، مما دفع أوباما بالتلويح باستخدام حق الفيتو لرفض قرار الكونجرس.

واستمرارًا للأفكار العدائية للمسلمين التي يحاول بن ترويجها، أكد بن سلفًا على ضرورة منع المُسلم تمامًا من أن يصبح رئيسًا لأمريكا “إلا إذا أعلن رفضه لتعاليم الإسلام!”

وتجدر الإشارة إلى أن بن اشتُهر بكونه مسيحيًّا مُتدينًا ويضع صورته الشخصية على صفحته الرسمية لموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك صورة له حاملاً لافتة مكتوب عليها “نحن نثق في الله”.

الإجهاض والعبودية

دائما ما يربط بن في تمثيلاته بـ”العبودية” ويرفض إجهاض الأطفال ولو تم الحمل بسبب اغتصاب، ويرى أن الأمهات اللاتي يُجهضون أبناءهن مثل مُلاك العبيد الذين يتخلصون من عبيدهم ألا وهم أطفالهم، وتمثل قضية الإجهاض محل جدل كبير داخل المجتمع الأمريكي.

ومازال كارسون بربط قضايا غريبة بـ”العبودية”؛ فيقول بن في 2013 أن نظام التأمين الصحي الذي يُسمى “أوباماكير” هو أسوأ شيء حدث لأمريكا مُنذ العبودية” وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك معتبرًا أنه مع من العبودية التي تجعل الشعب مرتبطًا بالحكومة.

أفكاره الأمنية: لا يوجد شيء يسمى جريمة حرب !

يبدو أن الجوانب الأمنية تُمثل رُكنًا أساسيًّا من أفكار بن كارسون، ويرى بن أن أوباما لا يُقدر حجم التحديات الأمنية التي تواجهه أمريكا، ويقول بن “في عهد أوباما تقلصت القدرات العسكرية لأمريكا بشكل كبير؛ إذ تقلص عدد الجنود من 566 ألف في 2010 إلى 490 ألف في 2014، لا بد من إعطاء الجيش الأمريكي الموارد التي يحتاجها كي يُلبي التحديات الأمنية المُتصاعدة في القرن الحادي والعشرين”.

ويذهب بن إلى ما هو أبعد فهو لا يؤمن بوجود شيء يُسمى “جريمة حرب”، ويرى أنه على الجنود الأمريكيين مواجهة داعش دون الخوف من خضوعهم لتحقيقات بشأن ارتكابهم “جرائم حرب” من عدمه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد