هل تتقن إحدى اللغات بجوار العربية؟ إذا كانت إجابتك نعم، فأنت من هذه الفئة المحظوظة التي تحصل على كم كبير من الفوائد. نحن لا نتحدث هنا عن مشاهدة بعض الأفلام دون الحاجة إلى ترجمة، أو القدرة على التواصل مع الآخرين كلما سافرت إلى الخارج، الأمر أكبر من هذا بكثير، لأننا نتحدث هنا عن دماغك الذي يكتسب كمًّا لا ينتهي من الفوائد.

هؤلاء الأشخاص الذين يتقنون لغتين (bilingual) أو أكثر (multilingual) تحدث في أدمغتهم بعض التأثيرات الإيجابية، التي تغير حتى من طريقة رؤيتهم وتعاملهم مع العالم. على سبيل المثال، ثنائيو اللغة لديهم كثافة أعلى في المادة الرمادية التي تحتوي على معظم الخلايا العصبيّة والوصلات العصبية لدماغك. وأظهرت الأبحاث الحديثة أن الأشخاص الذين تعلموا لغة ثانية يظهرون تحيزًا عاطفيًّا أقل ونهجًا أكثر عقلانيةً عندما يواجهون المشكلات.

من الصعب تقدير العدد الدقيق للأشخاص ثنائيي اللغة في العالم، إذ يوجد نقص في الإحصائيات الموثوقة. ولكن في عام 2012، أثبت استطلاع أجراه مركز «Eurobarometer» أن أكثر من نصف الأوروبيين (54%) يتحدثون بلغتين، وتفترض دراسات أخرى أن أكثر من نصف سكان العالم يتحدثون بلغتين.

ما الذي يحدث للمخ بعد تعلم لغة ثانية؟

نحتاج أولًا إلى تحديد معنى ثنائي اللغة. على عكس ما قد يتوقعه المرء، تظهر دراسة حديثة أن ثنائية اللغة ليست متغيرًا قاطعًا، بمعنى ليس أن تكون إما ثنائي اللغة وإما لا، ولكن هذا المصطلح هو بناء متعدد الأبعاد يتكون من جزأين مرتبطين. أولها إتقان اللغة، والثاني هو استخدام اللغة. على سبيل المثال، لنفترض وجود شخص ما أتقن اللغة الإسبانية، لكنه لم يعد يستخدمها بانتظام لفترة طويلة جدًّا. النقطة المهمة هنا هي أنه كلما زادت كفاءة إجادتك للغة ثانية، وكلما استخدمتها في حياتك اليومية،  أصبحت «ثنائي اللغة» أكثر.

Embed from Getty Images

عام 2017، نشرت فيوريكا ماريان أستاذة علوم الاتصال واضطرابات الاتصال بجامعة نورث وسترن دراسة بمجلة «Scientific Reports»، أوضحت أن «ثنائيي اللغة» لديهم القدرة على التبديل بسلاسة بين نظامين مختلفين للتواصل (نقصد هنا لغتين مختلفتين لكل منهما أسلوب ونظام مختلف)، وهو ما يخفي السيطرة الكبيرة التي تمارس على المستوى العصبي في المخ.

في الواقع، عندما يسمع شخص ثنائي اللغة الكلمات بلغة، يحدث تنشيط للغة الأخرى أيضًا. يعتقد العلماء أن أدمغة الأشخاص الذين يعرفون أكثر من لغة يتكيفون مع هذا التماسك المستمر للغتين، وبالتالي فإن أدمغتهم مختلفة عن أدمغة أصحاب اللغة الأحادية. في دراستها، سعت ماريان أيضًا إلى توضيح مناطق الدماغ التي تنشط عندما يواجه أصحاب اللغتين كلمات متشابهة صوتيًّا. في أحادي اللغة، تحدث هذه «المنافسة الصوتية» فقط بين كلمات من اللغة نفسها. لكن في ثنائي اللغة تضاف أيضًا الكلمات المتشابهة صوتيًّا من لغتهم الثانية إلى المزيج.

عند الأشخاص أحاديي اللغة، تنشط المناطق اللغوية، وبشكل أكثر تحديدًا مناطق «left supramarginal gyrus» و«left inferior frontal gyrus»، وذلك عند مواجهة عملية «المنافسة الصوتية». وتظهر نتائج الدراسة أن هناك حاجة إلى مناطق مختلفة من الدماغ للتعامل مع المنافسة الصوتية من داخل اللغة نفسها، مقارنة مع المنافسة الصوتية بين اللغات. هذا يعني وجود آلية ما في المخ تحدث للمساعدة في تسهيل عملية المنافسة الصوتية عند الأشخاص ثنائيي أو متعددي اللغة.

حجم ونوع الشبكة العصبية التي يجندها الأشخاص ثنائيو اللغة في المخ لحل مشكلة «التنافس الصوتي» تختلف باختلاف مصدر المنافسة. هذه النتائج تدل على المرونة العصبية الكبيرة التي تمكن أصحاب اللغتين من معالجة الكلام على الرغم من المنافسة اللغوية من مصادر متعددة. يطلق على هذا التكيف اسم «اللدونة العصبية»، أو قدرة الدماغ على التكيف مع البيئة والتجارب الجديدة، وهو أمر بالغ الأهمية في الأداء المعرفي.

وأوضحت دراسات أن الوظائف المعرفية التي ثبت أنها تتأثر بتعلم لغات جديدة، مهمة لعملية التركيز والانتباه إلى حد كبير، وتحديدًا القدرة على تركيز الانتباه على المعلومات ذات الصلة وتحويل الانتباه حسب الحاجة. هذه العملية هي واحدة من أكثر الجوانب المركزية للوظيفة الإدراكية للإنسان، وهي التي تمثل جزءًا كبيرًا من التدهور المعرفي الذي يأتي مع تقدم العمر. وبالتالي، فإن أي شيء يعزز أنظمة الانتباه هذه سيكون قادرًا على الحفاظ على الوظيفة المعرفية أيضًا في كبار السن.

فوائد تعلم أكثر من لغة على المخ

وبعد أن عرفنا آلية التطور التي يشهدها المخ نتيجة تعلم لغة جديدة، هذه بعض أبرز الفوائد التي يتحصل عليها المخ بعد تعلم لغة ثانية أو أكثر.

Embed from Getty Images

(تعلم أكثر من لغة بسن الطفولة مفيد جدًّا)

1- اللغة الثانية تؤخر علامات الخرف

بالنسبة لأولئك الذين يعرفون أكثر من لغة، يستغرق البالغون الذين يعانون من مرض الزهايمر منهم ضعف الوقت اللازم لتطوير الأعراض مقابل نظرائهم أحاديي اللغة. كما أن متوسط​​العمر للعلامات الأولى للخرف لدى البالغين الذين يعرفون لغة واحدة هو 71.4 عام، بينما يرتفع هذا الرقم إلى 75.5 عام عند ثنائيي اللغة.

وأظهرت دراسة أجريت عام 2013 أن ثنائيي اللغة – حتى أولئك الأميين – ظهرت عليهم أعراض الخرف بشكل ملحوظ بعد الأفراد أحاديي اللغة.

2- التركيز والتبديل بين المهام المختلفة

يظهر الأشخاص الذين يتحدثون بلغتين تركيزًا متزايدًا على مهامهم مقارنة بنظرائهم الذين لا يعرفون سوى لغة واحدة. ثنائيو اللغة هؤلاء هم أكثر مهارة في التركيز على المعلومات ذات الصلة. يتقن ثنائيو اللغة مهارة التبديل بين نظامين مختلفين في الكتابة أو القراءة أو التحدث، نقصد هنا أن هؤلاء يتنقلون بين لغتين لكل منهما نظامه القائم. هذا الأمر يمكنهم من القيام بمهام متعددة بصورة جيدة.

أوضحت دراسة نشرت في مجلة «Cognition» عام 2017، قدرة أصحاب اللغتين على التحول من مهمة إلى أخرى، وهي مهارة تعمل مؤشرًا على الأداء المعرفي. تجربة الأطفال الذين يتحدثون بلغتين والتي تتطلب منهم الانتباه إلى مصادر متعددة من المدخلات في سياقات لغوية مختلفة، تجعل منهم أكثر تكيفًا في فصل الانتباه بسرعة، ومعالجتها بحيث يمكن إعادة التركيز على الأمور الحالية دون تشتت.

في دراسات شملت ما مجموعه 145 شخصًا ثنائي اللغة و126 فردًا أحادي اللغة، أكمل المشاركون اختبارًا لدراسة قدرتهم على التبديل بين أنواع من التحفيزات، إذ كانت هناك حاجة لاستجابات مختلفة. توضح النتائج أن أصحاب اللغتين كانوا أسرع في فصل انتباههم عن تجربة معينة حتى يتمكنوا من التركيز على التجربة التالية، عندما تكون هناك حاجة إلى استجابة مختلفة. نظرًا إلى أن هذه القدرة تساهم في الصحة المعرفية على مدى الحياة، فقد يكون ثنائيو اللغة عندهم ميزة واضحة في ذلك الأمر.

3- تحسين المهارات المعرفية

الأشخاص الذين يتحدثون بلغتين يتميزون بمهارات إدراكية أكثر حدة، كما أن لديهم قدرة أعلى على الحفاظ على حالة تأهب نشطة في المخ، مقارنة بأولئك الذين يستخدمون لغة واحدة فقط. وتبين أن الأشخاص الذين يتحدثون لغتين لديهم أنظمة مراقبة أكثر كفاءة.

فقد أظهرت دراسة أجريت عام 2009 أن أحاديي وثنائيي اللغة يستجيبون بشكل مشابه عندما يكون نظام المراقبة بالدماغ ليس تحت الضغط. ولكن في الظروف التي تتطلب متطلبات مراقبة عالية، كان ثنائيو اللغة أسرع.

4- المادة الرمادية الكثيفة في الدماغ أعلى

المادة الرمادية في المخ مسؤولة عن معالجة اللغة، وتخزين الذاكرة، وإملاء الاهتمامات. الأفراد ذوو اللغتين لديهم مادة رمادية أكثر كثافة مقارنة بنظرائهم أحاديي اللغة. فقد أظهرت الدراسات أن الأشخاص متعددي اللغات لديهم كثافة أعلى من المادة الرمادية، وأن كبار السن الذين يتحدثون بلغتين يميلون إلى الحصول على مادة بيضاء يجري الحفاظ عليها بشكل أفضل في أدمغتهم.

(يتميز أصحاب اللغتين بقدرات تركيز أكبر)

هل هذا يجعلك أكثر ذكاء إذا كنت تتحدث لغتين؟ لا للأسف. لا توجد صلة بين ثنائية اللغة ومفاهيم مثل الذكاء التنفيذي، أو الذكاء العاطفي، أو حاصل الذكاء. لكن هذه الزيادات في المادة الرمادية لها تأثيرات واسعة في الخصائص الوظيفية والهيكلية في مختلف الهياكل القشرية وتحت القشرية في الدماغ.

5- تحسين الذاكرة

تعلم لغة أجنبية ينطوي على حفظ القواعد والمفردات. هذا التمرين الذهني يحسن الذاكرة الكلية، ويجعل أصحاب اللغتين أفضل في تذكر القوائم والتسلسلات. يتفوق الأشخاص الذين يتحدثون بلغتين أيضًا على الأشخاص الأحاديين في مهام الذاكرة المكانية العاملة.

6- تحسين مهارات صنع القرار

يميل المتحدثون بلغتين إلى اتخاذ قرارات أكثر منطقية. هؤلاء يكونون أكثر ثقة في اختياراتهم نتيجة للتفكير بها بلغتهم الثانية أيضًا.

7- المزيد من تعلم اللغات

يركز تعلم اللغة الثانية على القواعد اللغوية وبنية الجملة، مما يجعل المتحدث بلغتين أكثر وعيًا باللغة ككل. تعلم لغة أجنبية يجعل الناطقين بلغتين متواصلين ومحررين وكتابًا أكثر فعالية. وأظهرت دراسات أن زيادة عملية الإدراك الناجمة عن تعلم اللغة الثانية يجعل الأفراد الذين يتحدثون بلغتين يتعلمون لغات جديدة بسرعة أكبر من أصحاب اللغة الأحادية.

دون أن تدفع قرشًا.. دليلك الشامل لاجتياز اختبار «الأيلتس» في اللغة الإنجليزية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد