تخيل أن يستيقظ أب أو أم من النوم ليتفاجأ أن ابنه الصغير ذا الـ10 سنوات الذي ينبض بالحيوية والنشاط، مريض وحرارته مرتفعة. جرى به سريعًا إلى المستشفى ليبدأ الأطباء في تشخيص حالته، لكن الحرارة المرتفعة هذه تحولت إلى شكل مميت من أشكال مرض التهاب السحايا، ليموت الطفل في اليوم التالي.

ماذا ستكون مشاعر الوالدين؟ ربما يتمنى هؤلاء لو يلحقا بابنهما، بالتأكيد سيصعب عليهما مجرد تناول الطعام، وربما يصابان بحالة من حالات الانهيار النفسي، وفي وسط هذه الأزمة غير المسبوقة، يمد أحد الأصدقاء إليهما بدفتر فارغ وقلم، ليقول «اكتبا، فقط اكتبا». لو حدث هذا الأمر مع أحد منا، فربما تكون ردة فعله عنيفة على هذا الصديق الذي «لا يشعر بما نمر به من كارثة»، حسب ما سيقول الوالدين.

لكن في الحقيقة، هذا الصديق يعرف جيدًا ما يفعله، بل إنه في الواقع يمد لهذين الوالدين يد المساعدة الحقيقية القادرة على انتشالهما من هذه الأحزان. لدينا جميعًا أيام سيئة، أي شيء يمكن أن يحدث لنا خلال اليوم: يوم صعب في العمل، أو جدال مع الزوجة، أو مجرد أن تبدأ يومك بدون كوب قهوتك المفضل. ولكن، إذا واجهت حدثًا من الأحداث التي تغير حياتك حرفيًّا، مثل الموت، أو الطلاق، أو فقدان الوظيفة، فإنك تصل إلى حالة نفسية ربما تتسبب في تدمير حياتك كلها لاحقًا.

يظن بعض الناس أن كتابة المذكرات هي درب من دروب الرفاهية. لكن الحقيقة أن هذا الفعل له العديد من الفوائد الإيجابية، خصوصًا في أوقات الأزمات والمصائب الكبرى. ربما في اليوم الأول من المصيبة لن تكتب سوى كلمة أو اثنتين، لكن كم الكلمات سيزداد تدريجيًّا خلال الأيام التالية، ومع الوقت، ستشعر كما لو أنك تسكب دموعك حبرًا على الورق، ليصبح ما تكتبه هو مشاعرك الحقيقية.

1- كتابة المذكرات.. من الضحية إلى المراقب

عملية الكتابة، أو ما نطلق عليه هنا الكتابة التعبيرية، والتي تتضمن بشكل أساسي تفريغ قلبك وعقلك في الكلمات، دون القلق بشأن الإملاء، وعلامات الترقيم، والقواعد، ونصوص الكتابة الأخرى، هي حاجة طبيعية في الدماغ، والتي توقظ هرمونات «الشعور بالرضا»، وتزودك بالوقود. هذه العملية هي خطوة مهمة لتشعر بالسلام فيما يتعلق بماضيك، والأهم من ذلك، استعادة مستقبلك والتأكد من الاستمرار بعد الكوارث. عندما تضع قصتك على الورق، تتحول إلى مراقب، وهو ما يعني أنه بإمكانك إراحة عقلك.

طبيعة الكتابة تفتح عقلك وتسمح لهذا العقل بتكوين كلمات من العاطفة ووضعها على الورق. بهذا الفعل أنت أطلقت سراح هذه العواطف. وبتحولك إلى دور المراقب، فإنك تضع مسافة بينك وبين تجربتك، وهو ما يجعلك قادرًا على رؤية ما يحدث من منظور جديد. الأذى الذي تعرضت له سيبدأ في الاختفاء تدريجيًّا، وستتعلم أحد دروس الحياة، ثم تتحرك للأمام.

لا يشترط أن تكون كاتبًا محترفًا حتى تبدأ في كتابة مذكراتك، هذا أمر لا يهم كثيرًا؛ إذ ليس هناك سر سحري. فقط التقط القلم وابدأ بجملة واحدة. بعد ذلك دع قلمك يرشدك عبر كتابة ما يتبادر إلى الذهن. حتى إذا كنت تكتب عبارات لا معنى لها، فإنها ستثير عقلك، وترسل الكلمات بتلقائية إلى قلمك. كلما انسابت الكلمات على الورقة، يبدأ عقلك بالاستماع إليها، ويبحث عن طرق لفهم ما تكافح من أجل توصيله.

(مشاهير العالم يكتبون مذكراتهم.. الأمر لا يتعلق فقط بالتسلية)

2- مذكراتك الشخصية.. علاج لأمراضك الجسدية

عام 1986، اكتشف أستاذ علم النفس جيمس بينيكر شيئًا غير عادي، وهو ما ألهم جيلًا من الباحثين لإجراء مئات الدراسات. فقد طلب من الطلاب قضاء 15 دقيقة في الكتابة عن أكبر صدمة لحياتهم، أو عن أصعب أوقاتهم على الإطلاق. طلب منهم أن يطلقوا العنان لأنفسهم ويدرجوا أفكارهم العميقة في كتاباتهم، حتى لو لم يشاركوا هذه الأفكار من قبل.

ظل بينيكر يفعل الأمر نفسه مع طلابه لمدة أربعة أيام على التوالي. لم يكن الأمر سهلًا. واحد من كل 20 طالبًا تقريبًا ينتهي به المطاف بالبكاء، لكن عندما كان يسألهم عما إذا كانوا يريدون الاستمرار، كانوا يستمرون بالفعل دائمًا. وفي الوقت نفسه، أمضت مجموعة محايدة عدد الجلسات نفسها في كتابة وصف لشيء محايد، مثل هذه الشجرة، أو غرفة النوم الخاصة بهم.

انتظر بينيكر لمدة ستة أشهر بينما كان يراقب عدد المرات التي زار فيها هؤلاء الطلاب المركز الصحي. وجد بينيكر شيئًا كبيرًا من هذه الدراسة، كان من اللافت للنظر أن الطلاب الذين كتبوا عن مشاعرهم السرية أجروا رحلات أقل بكثير إلى الطبيب النفسي في الأشهر التالية.

منذ ذلك الحين، يستكشف علم المناعة العصبي النفسي الصلة بين ما يُعرف الآن بالكتابة التعبيرية، وعمل الجهاز المناعي. درست الأبحاث التي تلت ذلك تأثير الكتابة التعبيرية في كل شيء، من الربو والتهاب المفاصل إلى سرطان الثدي والصداع النصفي. في دراسة صغيرة أجريت في كنساس، على سبيل المثال، تبين أن النساء المصابات بسرطان الثدي عانين من أعراض مزعجة أقل وتوجهن عدد مرات أقل إلى عيادات الطبيب في الأشهر التي تلت كتابتهم التعبيرية.

لم يكن الهدف من الدراسة النظر في تشخيص السرطان على المدى الطويل، ولا يشير المؤلفون إلى أن السرطان سيتأثر. ولكن على المدى القصير، تبدو الجوانب الأخرى لصحة المرأة أفضل من تلك الموجودة في المجموعة الضابطة التي كتبت عن أمور أخرى محايدة ليس لها علاقة بالسرطان.

لكن هذه الأمور لا تعمل دائمًا كما يجب. أظهرت دراسة تحليلية في جامعة كاليفورنيا ريفرسايد وجود تأثير بشكل عام، رغم أنه تأثير صغير. ومع ذلك، فإن هذا التأثير، وإن كان صغيرًا، فإنه جاء عبر عمل مجاني ومفيد، وهو الكتابة، وبالتالي فهذه النتائج ليست سيئة على الإطلاق، هذه فائدة تستحق العناء.

في السنوات الأخيرة، وجدت عدة أبحاث أن الكتابة التعبيرية تحسن أعراض متلازمة القولون العصبي، والربو، والتهاب المفاصل الروماتويدي. كما أنها تساعد في الشفاء من الاعتداء الجنسي على الأطفال، واكتئاب بعد الولادة، وتحسن الحالة الذهنية لدى المصابين بالشلل الرعاش، والسرطان، والعديد من الحالات الصحية الأخرى. تساعد الكتابة التعبيرية أيضًا على خفض ضغط الدم، وتحسين وظائف الرئة، والكبد.

لايف ستايل

منذ 5 شهور
«العادات الذرية».. كيف تحصل على نتائج عظيمة من تغييرات بسيطة؟

3- كتابة المذكرات.. وعلاج الجروح

ورغم أن بعض الدراسات أسفرت عن نتائج مخيبة للآمال، ولكن هناك مجالًا تكون فيه النتائج أكثر اتساقًا، وهي في التئام الجروح. في هذه الدراسات، يقوم المتطوعون عادة بالكتابة التعبيرية، ثم بعد بضعة أيام يعطيهم الأطباء مخدرًا موضعيًّا، ثم يعملون خزعة أعلى ذراعهم الداخلية. يبلغ طول جرح هذه الخزعة عادة 4 ملم، ويشفى خلال أسبوعين.

راقب الباحثون عملية الشفاء مرارًا وتكرارًا، ليجدوا أن التئام الجرح يحدث بشكل أسرع إذا قضى الناس وقتًا في كتابة أفكارهم السرية. الأمر يبدو غريبًا بالفعل ويدفع البعض منا للتساؤل عما فعلته تلك الممارسة البسيطة المتعلقة بكتابة بعض الأسطر على الورق. في البداية كان من المفترض أن يحدث هذا ببساطة من خلال عملية تنفيس المشاعر، وأن الناس شعرت بهذا التحسن بعدما تخلصوا من مشاعرهم المكبوتة. لكن نعود هنا إلى بينبيكر، الذي بدأ بالنظر بالتفصيل في اللغة التي استخدمها الناس في كتاباتهم.

وجد أن أنواع الكلمات التي يستخدمها الناس تغيرت خلال الجلسات الأربع. أولئك الذين تلتئم جروحهم أسرع بدأوا باستخدام كلمة «أنا» كثيرًا، لكن في جلسات لاحقة انتقلوا إلى قول «هو أو هي» في كثير من الأحيان. هذا يشير إلى أنهم كانوا ينظرون إلى الحدث من وجهات نظر أخرى، وليس من وجهة نظرهم هم كما اعتادوا. كما استخدموا كلمات مثل «لأن»، مما يعني أنهم كانوا يفهمون الأحداث ويضعونها في سياقات مناسبة.

يعتقد بينبيكر أن الفعل البسيط المتمثل في وصف مشاعرك ووضعها في قصة، يؤثر بطريقة ما في الجهاز المناعي، ولكن هناك اكتشاف غريب يشير إلى احتمال حدوث شيء آخر. فقد اكتشف أن مجرد تخيل حدث ما أصبت فيه بجرح ثم بدأت في كتابة قصة عنه، يجعل الجروح تلتئم بشكل أسرع، لذلك قد يكون الأمر أقل ارتباطًا بفكرة حل المشكلات والأزمات السابقة، وأكثر ارتباطًا بإيجاد طريقة لتنظيم عواطفك الخاصة التي تحدث فرقًا.

بعد اليوم الأول من الكتابة، يقول معظم الناس إن تجارب الماضي جعلتهم يشعرون بشكل أسوأ. هل يسبب هذا التوتر الناجم عن استعادة ذكريات سلبية في أن يفرج الناس عن هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، والتي هي مفيدة على المدى القصير ويمكن أن تعزز الجهاز المناعي؟ أم أن التحسن في المزاج بعد عدة أيام من الكتابة يجلب فوائد لجهاز المناعة؟ حتى الآن، لا أحد يعلم بشكل دقيق. لكن الواضح هو أن جهاز المناعة يصبح أفضل.

 3- الكتابة.. إيقاظ العقل الباطن

معجزة الكتابة هي أنها توقظ العقل الباطن وتسمح باتصال حقيقي وقوي بين أفكارك وواقعك. الكتابة اليومية أو الأسبوعية توفر إطار عمل لتتبع مرونتك. ستكتشف أنماطًا نفسية كانت تعيقك بالفعل، لتصبح الكتابة بمثابة كتابك المدرسي الحي لعملية الشفاء النفسي والعقلي.

بعد وقت، يبدأ شيء مذهل في الحدوث. إذ ترى الأمل وخطة لمستقبلك ترتفع من بين الصفحات التي كنت تكتبها. ستكتشف طرقًا جديدة لمحاسبة نفسك، وتبدأ في الثقة بنفسك لاتخاذ القرارات الصحيحة. في يوم من الأيام، سوف تنظر إلى هذه القرارات وتندهش من كيفية اختيارك لها، وكيف كانت نظرتك سليمة.

ستتحول هذه المذكرات إلى عالمك السري من الكلمات التي يمكن أن تشكل أحلامك ورغباتك للمستقبل. الكتابة غالبًا ما تكون العنصر السري المفقود لجذب ما تريده في الحياة.

يقول بوب بروكتور، الذي يدرس السر وراء قانون الجذب، «تشكل الأفكار التي تمتزج بالشعور أو العاطفة قوة مغناطيسية. حتى تجذب ما تريد، يجب أن تكون أفكارك مصحوبة بشعور عميق ورغبة. عندما تحاول أن تنقل رغبات قلبك المرتبطة برؤية معينة في رأسك، غالبًا ما تختفي؛ لأنها تفتقد إلى المشاعر العاطفية التي تؤجج الصورة وتبرزها. لكن عند الكتابة، أنت تنقل العاطفة بالفعل. اختر الكتابة كأداة لإعلان أهدافك بجرأة، وبرمجة أحلامك إلى حقيقة واقعة، وشاهد كيف ستتحول هذه الأحلام إلى واقع.

4- من الدراسة إلى الوظيفة

لا تقتصر فوائد الكتابة التعبيرية على ما ذكرناه فقط، بل هناك فوائد متعددة أخرى ترتبط بأوقات الدراسة، والحصول على الوظيفة. ذكرت مجلة Advances in Psychiatric Treatment البريطانية أن النتائج الصحية تشمل تحسين المزاج، وشعورًا أكبر بالرضا عن النفس، وانخفاض أعراض الاكتئاب قبل الامتحانات، وتحسين الذاكرة، وهو ما يؤدي إلى الحصول على معدل درجات أعلى في الاختبارات.

أضف إلى هذا أن الكتابة التعبيرية تؤدي إلى انخفاض التغيب عن العمل، وإمكانية سرعة الحصول على وظيفة بعد فقدان الوظيفة الأولى. سيمكنك أن تتعامل مع زملائك الذين لا تحبهم بصورة أفضل؛ لأن الكتابة ستساعدك على استكشاف طرق إبداعية لتجنب إزعاجهم لك، أو على الأقل ربما تمنحك وجهة نظر مختلفة تفسر لك سبب مشاكلهم معك.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد