تعيش الجزائر الآن حالة استثنائية بخصوص حجب مواقع التواصل الاجتماعي لأول مرة لمدة أسبوع حسب وسائل إعلام محلية، بسبب ما يعرف بفضيحة تسريب أسئلة امتحان البكالوريا، وقامت وزارة التربية الوطنية بإجراءات مشددة مع وزارة الداخلية ومؤسسة الجيش لتأمين أوراق الامتحانات إلى مراكز الامتحانات عبر مختلف ولايات ربوع الوطن.

ولم يمر أسبوعان فقط على استحداث وزارة جديدة «الاقتصاد الرقمي» الذي جاء بها التعديل الحكومي الأخير، حتى قامت السلطات في الجزائر بقطع الإنترنت عبر كافة التراب الوطني لمنع تسريب الأسئلة من جديد، وفي محاولة لقمع الغش في قطاع التربية والتعليم ومنع حدوث فضيحة تعصف بوزيرة التربية «نورية رمعون بن غبريط» التي ينادي عدد كبير من السياسيين والإعلاميين بضرورة تنحيتها من الوزارة بسبب جملة من الفضائح والتجاوزات على حد تعبيرهم، كما سيأتي به التقرير في الفقرات التالية.

وأدى هذا القرار إلى موجة من السخرية تجاه الوزيرتين «نورية بن غبريط رمعون» و«هدى فرعون» خاصة مع استخدام تقنية بروكسي، وأصبحت أحرف VPN مفاتيح استهزاء ودعابة في منشورات الجزائريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي طيلة الفترة الماضية، وهل حاولت فعلا السلطات الجزائرية التي نشأ صناع قرارها في «عصر الشاشة السوداء والبيضاء والسينما الصامتة» أن تمنع التكنولوجيا الجديدة على جيل نشأ وسط «الهواتف والألواح الرقمية»؟

 

الوزيرة بن غبريط «رجل المرحلة» بامتياز!

 

فمنذ العام الماضي وقبل الدخول الاجتماعي في أغسطس (آب) 2015 بشهر تقريبًا، فجرت الوزيرة «بن غبريط» أول بالون اختبار للمجتمع عبر محاولة تمريرها لقرار تدريس تلاميذ الابتدائي بالعامية «الدارجة الجزائرية» حيث أثار هذا القرار حفيظة كبرى الهيئات الإسلامية في البلاد وهي جمعية العلماء المسلمين، حيث دعت في بيان لها إلى مقاطعة مدرسة بن غبريط!

الباحثة نورية رمعون حاصلة على دكتوراه علم الاجتماع من جامعة باريس، وجدت في البداية صعوبة كبيرة في التأقلم مع اللغة العربية على شاكلة وخطى وزيرة الثقافة الأسبق خليدة مسعودي «تومي»، ترأست وشاركت في عدد من المجالس والهيئات والمؤتمرات التابعة للأمم المتحدة واليونسكو مختصة في شؤون وأبحاث التربية والتعليم والمرأة والأسرة، بالإضافة إلى شغلها لمنصب مديرة المركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية في وهران «عاصمة الغرب الجزائري».

الوزيرة عند تعيينها ثار جدل كبير حول أصولها اليهودية التي قدمت من الأندلس وشاركت في تثبيت الاحتلال الفرنسي بالجزائر، وفي مقال نشرته يومية الشروق للمؤرخ والاديب الجزائري «الهادي الحسني» يسرد فيه جزءًا من حياة الجنرال «قدور بن غبريط» الذي كان يتعاون مع فرنسا في بدايات الاحتلال للجزائر «1843».

ويتهم «الهادي الحسني» الجد «قدور بن غبريط» المولود عام «1868» بانه كان أحد وسائل فرنسا للضغط على السلطان المغربي «عبد الحفيظ» للتوقيع على معاهدة الحماية التي فرضتها فرنسا على المغرب الأقصى في 30 مارس 1912، كما يشير إلى أنه كان ينحدر من مدينة بسيدي بلعباس وتتلمذ ونشأ في مدرسة بولاية «تلمسان» وهي نفس ولاية رئيس البلاد الحالي «عبد العزيز بوتفليقة».

وترفض فئة من النخبة الجزائرية «خاصة المحسوبة على التيار الفرانكفوني» إقحام أصول الوزيرة في النقاش السياسي، على اعتبار أن أصولها تنحدر من الأندلس التي فرّت من محاكم التفتيش الإسبانية، كما أن النقاش يجب ان يصب تجاه كفاءتها لا عقيدتها ولا يجب أن يصل إلى التشكيك في حياتها الخاصة وحريتها تجاه ذلك.

 

هذه هي أهم «سقطات» الوزيرة الباحثة

 

أطلق مجموعة من المدونين صفحات للتواصل الاجتماعي تحت عنوان «كلنا بن غبريط» وباللغة الفرنسية، النداءات التضامنية جاءت بعد موجة من الاستنكار والرفض قادتها الأحزاب الإسلامية والهيئات ذات التوجه المحافظ مثلما وصفهم مدير الرئيس «احمد أويحيى» في خضم دفاعه عن الوزيرة، والتي دعا فيها إلى ضرورة الصبر عليها وعدم تسييس إصلاحاتها.

وحاولت الوزيرة منذ عام تقريبًا عبر ندوة وطنية تمرير قانون لتدريس تلاميذ الابتدائي «السنوات الأولى» بالعامية، بعدما نجحت سابقًا في تغيير الحساب من الحروف العربية الى الحروف اللاتينية وتقديم سنوات تدريس اللغة الفرنسية من السنة الرابعة إلى السنة الثانية ابتدائي.

الوزيرة بن غبريط لم تتوقف عند هذا الحد، بل قررت تدريس اللغة الأمازيغية في أكثر من 32 ولاية بداية من الموسم الدراسي المقبل «2016/2017» بالرغم من النقص الكبير في تأطير هذه المادة والخلاف الكبير في طريقة كتابتها ومدى تطبيق ذلك على أرض الواقع، بالإضافة إلى عدم تشكيل المجلس الأعلى للغة والثقافة الأمازيغية.

وفجّر الكاتب الصحفي «سعد بوعقبة» قنبلة من العيار الثقيل عند نشره لقائمة الخبراء الفرنسيين الذين استنجدت بهم الوزيرة «بن غبريط» سرًا في تجسيدها لإصلاحات الجيل الثاني كما يطلق على تسميته، في حين أحرجت وزيرة التربية الفرنسية «نجاة فالو بلقاسم» نظيرتها الجزائرية في تصريح لوسائل الإعلام بخصوص التدخل في الشأن التربوي الجزائري.

وجاءت تسريبات أسئلة امتحان البكالوريا ليزيد من الوضع الصعب للوزيرة «بن غبريط» في تحديها لمجموعة من المشاكل التي اعترضتها خلال هذه السنة، فمع توقيعها لاتفاقيات تفاهم مع نقابات القطاع بداية العام بخصوص الرواتب والضمان الاجتماعي ومنح التقاعد الخاصة بعمال القطاعي، وجدت الوزيرة نفسها أمام تحدٍ آخر لهيئات المجتمع المدني خاصة المحسوبين على الإسلاميين والعروبيين من داخل السلطة وخارجها.

 

«رمعون وفرعون» في مواجهة التلاميذ!

 

اساءت التسريبات الخاصة بامتحان البكالوريا إلى سمعة الجزائر والشهادات العلمية التي تصدر من داخل البلاد، فالتسريبات وحجم الغش وصل إلى مستوى لم تعد الحكومة قادرة على التحكم فيه ومكافحته لدى التلاميذ فقط، فالتسريبات الأخيرة وجهت فيها أصابع الاتهام إلى جهات من داخل السلطة والوزارة نفسها، على أساس أنها متآمرة ضد الوزيرة «بن غبريط» كالتي جاءت في تصريحات مدير ديوان رئيس البلاد «احمد أويحيى».

وقادت جهات فرانكفونية في البلاد حملة ضد المحافظين والإسلاميين بشكل عام واتهموهم بضرب إصلاحات الجيل الثاني الذي تقوده وزير التربية، ودعا مدنون إلى تطهير القطاع من الإسلاميين ودعاة التعريب. في حين رد المعربون والإسلاميون بحادثة استقالة الوزير الأسبق لقطاع التربية والتعليم «محمد بن محمد» الذي تعرض بداية التسعينات إلى مؤامرة بعد عزمه على استبدال اللغة الفرنسية باللغة الإنجليزية.

الصراع الأيديولوجي انتقل من برامج الأحزاب الى الممارسة والتطهير على مستوى الوزارة وهذا الذي حدث مع المكلف بالعلاقات والتعاون الدولي على مستوى الوزارة «حمزة بلحاج» والذي نشر ملفات سرية عن الوزيرة بن غبريط بخصوصها التعاون مع جهات فرنسية للتمكين للغة الفرنسية على حساب اللغة العربية.

وعقدت في وقت سابق وزيرة التربية الوطنية «نورية بن غبريط» بمعية وزيرة البريد وتكنولوجيا الاعلام والاتصال «هدى فرعون» اتفاقيات للتعاون في مجال التربية مع قطاعات الأمن والدرك الوطني بحضور مسؤولين وضباط سامين في الجيش الجزائري.

كل هذه التحركات والتحضيرات لمواجهة تلاميذ وطلبة وصفوا بأبشع التصرفات كالغش ومحاولة تزوير النتائج واعتماد آبائهم على الرشوة والمحسوبية في نجاح أبنائهم، رد أحد المعارضين السياسيين عن الحل بخصوص هذه القضية التي تصنع الحدث لدى الرأي العام الوطني «على السلطات أن توقف التزوير والغش عبر صناديق الانتخاب وسيتوقف الغش والتزوير عبر كافة مراكز الامتحان» في إشارة إلى نقص الشرعية الذي تعاني منه السلطة الحاكمة.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد