يوم الأحد 4 يونيو (حزيران) عامَ 1976، في مدينة عنتيبي في أوغندا، احتجزَ فدائيون من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وأفراد من منظمة يسارية ألمانية طائرةً فيها 100 أسير إسرائيلي، ظنوا أنهم متجهون في رحلة اعتيادية من مطار اللد إلى باريس، مرورًا بأثينا.

كانت العملية جزءًا من العمليات الخارجية لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، بتخطيط وقيادة المناضل الفلسطيني وديع حداد، وإثر العملية اشتعلت معركة ضارية بين 200 جندي من قوات النخبة الإسرائيلية «ميتكال» والمختطفين، بالإضافة إلى قوات أوغندية مناصرةٍ لهم في المطار.

وفي صبيحة ذلك اليوم، انطلقت أربعة طائرات إسرائيلية متجهةً سرًّا لأوغندا في رحلة مسافتها 4 آلاف كيلومتر، بعدَ سبعة أيام من اختطاف الطائرة، التي أرادت الجبهة استبدال من فيها بأسرى فلسطينيين، وبعد عمليات استخباراتية إسرائيلية حثيثة، ومحاولة التفاوض الفاشلة مع الرئيس الأوغندي عيدي أمين، المناصر للجبهة الشعبية، فاجأت قوات النخبة الإسرائيليين المختطفين والجيش الأوغندي لتبدأ معركة ضارية استمرت على الأقل لنصف ساعة، استشهد فيها جميعُ الخاطفين، و20 جنديًّا أوغنديًّا بالإضافة لمقتل ثلاثة رهائن وأربعة من الجنود الإسرائيليين، بينهم قائد إحدى الوحدات في العملية، الضابط يوناثان نتنياهو، شقيقُ رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، بنيامين نتنياهو.

قبل هذا المشهد بسبع سنوات، وخلال حرب الاستنزاف، وتحديدًا في مايو (أيار) 1969، تعرَّض بنيامين نتنياهو هو الآخر لموقف كاد أن يودي بحياته خلال مهمة لعبور القناة لنصب كمائن للقوات المصرية والانسحاب مجددًا نحو إسرائيل، إلا أن الجيش المصري رصد القوارب وأطلق عليها النار مفشلًا المهمة وموقعًا إصابات في الجنود الإسرائيليين، كانَ من بينهم نتنياهو، الذي جاءَ من الولايات المتحدة الأمريكية لينخرط في جيش الاحتلال، فقط بعد شهرين من حرب النكسة عام 1967، وأوقف نتنياهو دراسته في «معهد ماساتشوستش – MIT» وعاد مرة أخرى من أمريكا ليشترك في حرب أكتوبر 1973، ثم مشى في مسار أخيه، لينضمَّ لقوات النخبة «ميتكال» في عملية تحرير رهائن نفذتها منظمة «أيلول الأسود» الفلسطينية عام 1972، وفي عمليات أخرى غيرها.

لا يقتصر ميراث نتنياهو على تاريخه وتاريخ أخيه العسكري في جيش الاحتلال، بل استكمله في السلك السياسي والدبلوماسي، فالشاب الصهيوني خريج معهد «ماساتشوستش» ومُقاتل النخبة في الجيش الإسرائيلي، أنهى للتوِّ خدمته رئيسًا لوزراء حكومة الاحتلال، بأطول مدة حكم في تاريخ إسرائيل، ويرحلُ – ولو مؤقتًا – بعد أن أعاد تشكيل السياسة الإسرائيلية وساهم في تغيير وجه المنطقة سياسيًّا، ووضع بصمته في الدبلوماسية الإسرائيلية وعلاقاتها وتحالفاتها في المنطقة والعالم، مع ما تخلل ذلك من مغامرات سياسية وعسكرية، واختراقات دبلوماسية، وتحالفات وانشقاقات داخلية، وعلاقات خارجية مهمة.

فمن هو نتنياهو؟ وما أهم محطات حياته الشخصية والسياسية التي شكَّلتها وأثَّرت في إسرائيل والقضية الفلسطينية؟

النشأة والتعليم والخدمة المبكرة في الجيش الإسرائيلي

ولد نتنياهو في تل أبيب عام 1949 بعد عام على النكبة، إلا أن عائلته انتقلت للعيش في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1963، حيث عُيِّن والده في منصب أكاديمي هناك؛ إذ كان مؤرخًا بالإضافة لكونه ناشطًا صهيونيًّا، ودرسَ نتنياهو الثانوية هناك، وتأثَّر بالثقافة الأمريكية المختلفة حينها عن الثقافة في دولة الاحتلال الناشئة حديثًا، ما جعله عرضة لانتقادات داخلية بأنه أمريكي أكثر من كونه إسرائيليًّا، لا بسبب قضائه جزءًا مهمًّا من مراهقته في أمريكا فحسب، بل لعودته مرة أخرى للدراسة في معهد «ماساتشوستش» لنيل درجة البكالوريوس في العمارة والماجستير في الإدارة، وبعدها بدأ بدراسة الدكتوراة في العلوم السياسية، إلا أنه انقطع عنها وعادَ لإسرائيل بسبب موت أخيه في عملية مطار عنتيبي.

وقد كان لمقتل أخيه أثر كبير فيه، فمن ناحية يذكرُ نتنياهو أن أسوأ لحظات حياته وأصعبها كانت عند تلقيه خبر مقتل أخيه، ومن شدة تعلقة بأخيه الميت، يتخيَّله نتنياهو دائمًا ويستشيره بنقاشات متخيلة عند مروره بالمواقف الحرجة، سواء كانت شخصية أو سياسية عامة، بحسب ما قال في مقابلة معه.

ولكون أخيه يوناثان شخصيةً جاذبةً في إسرائيل، فقد لا يخلو الأمر من استغلال نتنياهو لصورة أخيه لتعزيز رصيده الشعبي، خاصةً وأن صورة نتنياهو العسكري هي أول ما دخل به السياسة الإسرائيلية، أولًا بمقتل أخيه، وخدمته في وحدة النخبة نفسها التي خدم فيها، ثم اشتراكه في عملية في مطار بيروت، وعملية تحرير رهائن في 1972، ثم القتال في حرب 73، وأخيرًا تأسيسه لمؤسسة يوناثان، التي رعت مؤتمرات عن «الإرهاب».

Embed from Getty Images

يوناثان نتنياهو، أخُو بنيامين نتنياهو، وعضوٌ في قوة الكوماندوز الإسرائيلية «ميكتال»، قُتل في عملية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في أوغندا. الصورة من عام 1976

بدأ نتنياهو خدمته في الجيش الإسرائيلي بعمر 18 عامًا، وانتهت خدمته بتسريحه برتبة نقيب، بعد مشاركته في العديد من العمليات وخدمته في الجبهات المتقدمة، المصرية والسورية.

بمسيرة عسكرية واسعة، وسمعة أخيه الأسطورية، وبثقافته الأمريكية، يتميز نتنياهو، بالوراثة كما يقول صحافي «نيويورك تايمز» إيان بلاك، باختلافه عن التيار، مثل جده ووالده، الذي كان مؤرخًا للحركة الصهيونية، وكان كلاهما معتنقين للتوجه اليميني.

مختصر الحياة السياسية لنتنياهو

يمكن القول إن مسيرة نتنياهو في الحياة العامة والسياسية بدأت بإنشائه لمؤسسة يوناثان، على اسم أخيه، عامَ 1978، ورئاسته لها حتى 1980، إلا أن أول منصب سياسي تولاه كان نائب رئيس بعثة إسرائيل إلى عاصمة الحليف الأهم: أمريكا، بين عامي 1982-1984.

وكان لعمله الدبلوماسي نائبًا لرئيس بعثة إسرائيل، ولاحقًا سفيرًا للكيان في واشنطن، بين عامي 1984-1988، أهميةٌ كبيرة في تشكيله لشبكة معارف وعلاقات واسعة وقوية مع رجال الأعمال والسياسة، وأثرياء يهود أمريكا، وكتاب الأعمدة الصحفية، ومضيفي برامج تلفزيونية، بينهم من سيصبح لاحقًا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وصديق نتنياهو الشخصي وحليفة الأهم، دونالد ترامب، في تطبيق كلاسيكيٍّ للإستراتيجية الإسرائيلية التي تركِّز كثيرًا على أهمية العلاقات العامة في العالم في الولايات المتحدة تحديدًا، خصوصًا بعد قيادتها للمعسكر الغربي في الحرب الباردة، وتفرُّدها قوةً كبرى في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

Embed from Getty Images

مجموعةُ صورٍ تظهر بنيامين نتنياهو أثناءَ خدمته العسكرية في قوة الكوماندوز الإسرائيلية «ميكتال»

عادَ نتنياهو لإسرائيل عام 1988، لينضمَّ لحزب الليكود اليميني، والذي عدّ حينها داخل إسرائيل حزبَ يمين وسط علماني، وتسلَّم المنصب الإداري الأعلى في وزارة الخارجية بين عامي 1988-1991، والمنصب ذاته في مكتب رئيس الوزراء بين عامي 1991-1992، إلا أن الليكود خسر الانتخابات عام 1992 لصالح حزب العمل، وأصبحَ رابين رئيس وزراء إسرائيل، الذي تمَّت على يده اتفاقية أوسلو للسلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، بقيادة ياسر عرفات عام 1993، واتفاقية وادي عربة مع أردن الملك الحسين عام 1994، ما لم يعجب الأحزاب الأكثر يمينية في إسرائيل، وعلى رأسها الليكود.

اغتيل رابين لاحقًا عام 1995 على يد طالب إسرائيلي متطرف ومعارض لعملية السلام، وبعدها بشهور تولَّى نتنياهو أول فترة رئاسية له استمرت بين 1996-1999، وانتهت بحجب الثقة عن حكومته عام 1998، بسبب خلافات على نسبة الأرض التي سينسحب منها الإسرائيليون، مقابل المضي في عملية السلام، لتقام انتخابات في العام اللاحق ويفوز فيها إيهود باراك بفارق مريح.

لم يعمل نتنياهو في أي منصب سياسي حتى عام 2002؛ إذ عمل مستشارًا لشركات تقنية، ثمَّ عيِّن وزيرًا للخارجية في حكومة آرييل شارون حتى 2003، ليشغل بعدها منصب وزير المالية حتى عام 2005، والتي استقال منها احتجاجًا على قرار حكومة شارون الانسحاب من قطاع غزة.

خرجَ نتنياهو من الحكومة وخرجَ معه حزب الليكود، ليصبح نتنياهو قائد المعارضة منذ 2005 وحتى انتخابه رئيسًا للوزراء في 2009، ليبقى في كرسيِّه 12 عامًا حتى إزاحته قبل أيام بتحالف بين أحزاب يمينة ووسطية ويسارية وقائمة عربية.

الفترة الثانية لرئاسة نتنياهو، وهي الأطول في تاريخ إسرائيل، لم تختلف جوهريًّا عن فترته الأولى في رؤيته للصراع مع الفلسطينيين وعملية السلام، ودخلَ في مغامرات سياسية وعسكرية عديدة، أهمها حروب ثلاثة مع فصائل المقاومة الإسلامية في غزة، في أعوام 2012 و2014 و2021، والعلاقة الباردة مع باراك أوباما، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وموقفه في الملف النووي الإيراني، ومعارضته لاتفاقية بين الغرب والجمهورية الإسلامية الإيرانية، بالإضافة لاستهداف إيران بشكل متكرر، سواء باستهداف الداخل الإيراني، أو باستهداف الوجود الإيراني في غيرها من الدول وبالأخص في سوريا، وخُتمت مسيرته بصفته رئيسًا للوزراء بصراعه للبقاء في السلطة بعد سنتين ونصف من الانتخابات المتكررة ومحاولات هروبه من تهم الفساد المسندة إليه في المحاكم الإسرائيلية.

إلا أن هذه الفترة اتسمت أيضًا باختراقات سياسية ودبلوماسية كبيرة وغير مسبوقة، أهمها في فترة ولاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بتوقيع إسرائيل اتفاقيات سلام مع كل من الإمارات، والبحرين، والمغرب والسودان، في إطار ما يُعرف بـ«صفقة القرن»، بالإضافة لاختراقات دبلوماسية مهمة في العلاقات في أفريقيا وآسيا وأوروبا.

كان هذا سردًا مختصرًا للمسيرة السياسية لنتنياهو، فما أهم أحداث وقضايا ومحطات فترة حكمه؟

Embed from Getty Images

الصورة الأولى لبنيامين نتنياهو عام 1987، حين كان المبعوث الإسرائيلي الدائم للأمم المتحدة، والصورة الثانية من عام 1990، في جلسة لمجلس الأمن الدولي

نتنياهو: أسقطوا رابين!

يوم 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 1995 اشتعلت ليلًا ساحة مستشفى إشيلوف، التي تجمَّع فيها مؤيدو رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت إسحاق رابين، ليهتفوا: «بيبي قاتل»، تبعتها تصريحات أرملة رابين متهمةً نتنياهو بالتسبب بقتل زوجها رابين، مستشهدة بعرض صوره في الساحة التي تجمع فيها مناصرو المعارضة وألبسوه في الصورة زيًّا نازيًّا، قائلةً إن نتنياهو بإمكانه إنكار التسبب في مقتل زوجها للأبد، ولكن لا يمكن لأحد نفي إلصاق التهمة به.

لم تكن قصة الاغتيال خلافًا سياسيًّا داخليًّا محتدمًا بين طرفين سياسيين فقط، بل محل اهتمام وتأثير متبادل من المحيط العربي والفلسطيني خصوصًا، بالإضافة للقوى الدولية. تبدأ القصة بتوقيع رابين لاتفاقية سلام مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عام 1993، خاتمة لجولات ولقاءات مهَّدت لبدء عملية السلام، وافتتحت عهدًا جديدًا في تعامل إسرائيل مع الفلسطينيين بالتوافق على إنشاء سلطة حكم ذاتي خطوةً أولى على طريق حل نهائي وشامل للقضية الفلسطينية، برعاية أمريكية، وبمتابعة حثيثة من العالم فيما ظُنَّ حينها أنه بداية نهاية أحد أعقد وأعمق وأشرس الصراعات في التاريخ المعاصر، هذا هو المناخ العام آنذاك في دوائر السياسة الدولية.

رفض اليمين الإسرائيلي الاتفاقية وعاداها، وتوسَّعت معارضته لها إلى معاداة الإسرائيليين المناصرين لاتفاقية السلام، وعلى رأسهم رئيس الوزراء رابين، اتهمَ رابين نتنياهو بالتحريض غير القانوني ضد الاتفاقية وضده وطالبه بوقف ذلك، إلا أنَّ موقف اليمين ازداد تشددًا، نظَّمت أحزاب اليمين وعلى رأسها الليكود برئاسة نتنياهو احتجاجات واسعة عام 1995 نادت هتافاتها بقتل رابين، ورفضت التخلي عن أراضي المستوطنين في الضفة أو أي جزء من القدس المحتلة، ووصفت رابين بالقاتل لتوقيعه اتفاقية السلام مع ياسر عرفات.

Embed from Getty Images

الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وبنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي سابقًا، في زيارةٍ للأخير إلى الولايات المتحدة عام 1996

رفضَ نتنياهو إيقاف الاحتجاجات، مع نفيه لاحقًا أنه حرَّض على العنف ضد أحد، ومع ذلك فما زالت أصابع الاتهام تتجه نحو نتنياهو بوصفه المحرض على اغتيال رابين، ويذكرُ مارتين إنديك، السفير الأمريكي إلى تل أبيب (1995-1997، ثم بين 2000-2001)، أنَّ نتنياهو قال له: «انظر إليه – رابين – إنه بطلٌ الآن، ولولا اغتياله لهزمته في الانتخابات ولتَذَكَّره التاريخ بفشله السياسي»، وبعدها بعام عقدت الانتخابات في إسرائيل ونجحَ نتنياهو بالفعل بالتغلب على بيريز، الذي كانَ المرشح المفضل من قبل الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وشكَّل نتنياهو حكومة الاحتلال التي استمرت حتى عام 1999، وافتتح فوزه فصلًا من العلاقات الباردة مع كلينتون الذي أغضبه اغتيال رابين وإفساد نتنياهو لاتفاقية أوسلو التي أراد ضمَّها لملف إنجازاته السياسية.

ضربة نتنياهو الأولى.. محاولةٌ فاشلة لاغتيال خالد مشعل

ورثَ نتنياهو اتفاقيات السلام الموقعة مع الفلسطينيين والأردنيين، ومع معارضته لمسار أوسلو فإنه لم يلغها، وإن عطلها وأخَّر استحقاقاتها، كما أن نتنياهو كان وما زال يرى أن إسرائيل والأردن لم يحظيا فعليًّا بعلاقات مصالحة حقيقية، وأن اتفاقيات السلام مع العرب عمومًا تعتمد أساسًا على توازن القوة المائل بشكل كبير لصالح إسرائيل، وأنه لولا ذلك لما عقدت أي دولة عربية اتفاقية سلام مع إسرائيل.

بالإضافة إلى هذه النظرة العامة من نتنياهو إلى الدول العربية وعقد اتفاقيات سلام معها، فإن وجود مكاتب لـ«حركة المقاومة الإسلامية (حماس)» داخل الأردن، وتنظيم الحركة لهجمات في الداخل الإسرائيلي، دفعَت نتنياهو إلى الموافقة على عملية لجهاز «الموساد» لاغتيال خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس آنذاك، وكان مخططًا للعملية أن تجري بسرية تامة حتى لا «تهين الأردنيين»، بحسب داني ياتوم، رئيس الجهاز ومخطط العملية، وبالطبع لكي لا يخاطروا بزعزعة اتفاقية السلام أو وقوع توتر دبلوماسي مع الأردن.

وفي يوم 25 سبتمبر (أيلول) 1997، نفَّذ محاولة الاغتيال بمادة سامة ستَّة عناصر من الموساد، يحملون جوازات سفر كندية مزورة، وفي الأساس كانت الخطة أن يسمَّم مشعل لتبدو وفاته طبيعية، فاصطدم أحد عناصر الموساد بمشعل بشكل قُدِّر له أن يبدو عرضيًّا، إلا أن أحد حراس مشعل طاردَ العميلين ما أدى لاعتقالهما، هما والحارس الشخصي لمشعل، على يد الأمن الأردني.

ظهرت علامات المرض على مشعل، ومع التحقيق مع عميلي الموساد تبين للسلطات الأردنية أنها عملية إسرائيلية لاغتيال مشعل على الأرض الأردنية، فاتصل الملك حسين بالرئيس الأمريكي بيل كلينتون، للضغط على حكومة نتنياهو لتسليم مصل للعلاج من السم المستخدم في العملية، وصرَّح الملك بأن موت خالد مشعل يعني موت اتفاقية السلام معه، وتوعَّد بمحاكمة عميلي الموساد المحتجزين بوصفهم قتلة أمام المحاكم الأردنية.

اختبأ باقي أعضاء فرقة الاغتيال في السفارة الإسرائيلية، وفي كتاب «اقتل خالد»، للصحافي الأسترالي بول ماغّو، والذي يتحدث فيه عن تفاصيل العملية، يقول إنَّ الملك حسين هدد الحكومة الإسرائيلية سرًّا بتجهيزه لاقتحام السفارة بفرقة من القوات الخاصة، على رأسها الأمير عبد الله، الذي صارَ الملك عبد الله لاحقًا، في حال لم يسلَّم المصل ويتعافى خالد مشعل، كما يذكر الكتاب أن مدير المخابرات الأردنية انتقدَ الحكومة الإسرائيلية بشدة في اجتماع مع بعض أعضائها، بسبب عدم إبلاغهم الطرف الأردني بنيتهم التعامل مع خالد مشعل بهذه الطريقة، بالإضافة لتنفيذ العملية على أراضٍ أردنية.

Embed from Getty Images

من اليمين: بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، وبيل كلينتون، رئيس أسبق للولايات المتحدة، وملك الأردن الحسين بن طلال، وياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية. الصورة من عام 1996

في النهاية أذعنت حكومة نتنياهو لمطالب الملك حسين، ونقلت طائرة إسرائيلية المصل، إلا أن مشكلة احتجاز عميلي الموساد من قبل الأجهزة الأمنية الأردنية ظلت قائمة، واستغل الملك حسين الموقف باشتراطه إخراج الشيخ أحمد ياسين، زعيم ومؤسس حركة حماس، من السجون الإسرائيلية مع 70 أسيرًا فلسطينيًّا آخرين، مقابل إطلاق سراح عميلي الموساد المحتجزين، والسماح لباقي فريق الاغتيال بمغادرة السفارة الإسرائيلية، واضطر نتنياهو وحكومته للقبول بهذه الشروط.

صفقة الأسرى ولكن بشروط المقاومة

تمكَّنت فصائل المقاومة في عملية مشتركة ونوعية عام 2006 من أسر جندي إسرائيلي، بخطفه من خلف خطوط العدوِّ، واستطاعت المقاومة الحفاظ على الجندي، جلعاد شاليط، حيًّا وآمنًا، بهدف مبادلته بأسرى فلسطينيين، إلا أن مفاوضات التبادل طالت وتعثرت خصوصًا في بدايتها بين الفصائل وحكومة الاحتلال، بوساطة مصرية، أثناء حكم رئيس الوزراء إيهود أولمرت (مطلع 2006 وحتى مطلع 2009).

وفي وثائقي لقناة الجزيرة، ذكرَ أولمرت أنه في نهاية فترة حكمه حاول التوصل لاتفاق «معقول» لإتمام التبادل، بعد أن صار ملف اختطاف شاليط نقطة ضعف ضدَّ أولمرت وحكومته، إلا أن حركة حماس أبلغت الوسيط المصري بأنها لا توافق على شروط أولمرت بالإفراج عن أكثر من 400 أسير، وردَّت على رئيس المخابرات المصرية، عمر سليمان، بأنهم سينتظرون لتأتي حكومة نتنياهو، وسيعقدون صفقة تبادل أسرى تشمل ألف أسير وبشروط المقاومة.

وقال أولمرت إنَّه توقع حصول هذا؛ إذ ركَّزت الحملات الانتخابية الإسرائيلية عام 2009 على قضية شاليط، ما يعني أن أي رئيس قادم سيكون مضطرًّا لتقديم تنازلات للمقاومة لفك أسر الجندي المختطف، ولكن لم يحصل ذلك بسهولة، فبعد ثلاث سنوات من جولات المفاوضات بوساطة مصرية وألمانية، توصل الطرفان في مفاوضات غير مباشرة إلى اتفاق يقضي بإطلاق سراح شاليط، مقابل أكثر من ألف أسير فلسطيني، بعضهم محكومون بمؤبدات وأحكام سجن عالية.

كانت تلك أول تجربة لنتنياهو مع المقاومة المُستقلَّة في غزة، وما زال يتلقى انتقادات عليها كونه أذعن لشروط المقاومة وقدم صفقة لم يكن الكثيرون من السياسيين الإسرائيليين مستعدين لتقديمها في أي وقت، حتى إن نتنياهو نفسه قالَ لاحقًا بأن صفقة بمثل شروط صفقة شاليط لن تتمَّ مجددًا، وذلك بعدَ أسر المقاومة لجنود ومدنيين إسرائيليين أربعة، محتجزين لدى حركة حماس منذ أكثر من خمس سنوات.

حروب نتنياهو على قطاع غزة

خاض نتنياهو ثلاث حملات كبيرة على قطاع غزة، أولاها عامَ 2012، ابتدأت باغتيال القائد العسكري في كتائب القسام أحمد الجعبري، وعامَ 2014 رافقها محاولة اجتياح بري محدود للقطاع، وأخيرًا في 2021 بعد العدوان الإسرائيلي على القدس وحي الشيخ جراح.

الهدف المعلن والدائم من هذه الحملات هو ضربُ قدرات المقاومة، وإضعافها ومنعها من إطلاق الصواريخ على الاحتلال، ورغم الحصار المستمر على قطاع غزة استطاعت المقاومة متابعة تطوير أسلحتها في كل مرة، وأظهرت مفاجآت جديدة في العدوان الأخير أربكت المنظومة الأمنية الإسرائيلية التي فشلت في تحقيق هدفها.

عوَّل نتنياهو في العدوان الأخير على غزة والقدس على أن يعزِّز صورة نصر عسكري سريع تقوي موقفه في مفاوضات تشكيل الحكومة الإسرائيلية، ولكن هذا الهدف لم يتحقق أيضًا، وأظهر العدوان انقسامَ المجتمع الإسرائيلي وتخلل الجبهة الداخلية بعدما انضمَّ فلسطينيُّو الداخل للمواجهة ضد المستوطنين وحكومة الاحتلال.

أوباما ونتنياهو.. برود بين تل أبيب وواشنطن

شهدت العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية برودًا احتدَّ في بعض الأحيان رغم العلاقة الإستراتيجية المميزة بين حكومة الاحتلال وأمريكا، التي كانت وتظلُّ الحليف الأهم والأبرز لإسرائيل، إلا أن هذه العلاقة لم تخلُ من توترات وبرود وانتقادات ورفض لبعض السياسات، من الإسرائيليين والأمريكيين على حد سواء.

أحد هذه الأحداث المبكرة إغراقُ سلاح الجو الإسرائيلي لسفينة تجسس أمريكية باسم «يو أس أس ليبرتي (الحرية)»، في البحر الأبيض المتوسط عام 1967، خلال حرب النكسة وقتل أكثر من 30 من طاقمها، ومن هذه الأحداث الانتقاد الخجول من الرئيس الأمريكي، دونالد ريجان، للقصف الإسرائيلي على لبنان خلال الاجتياح الوحشي عام 1982، مشبهًا ضربات سلاح الجو الإسرائيلية بـ«الهولوكوست»، ولكن دون التحرك بأي شكل لإيقاف أو تخفيف الضربات، وذكرنا سابقًا عدم تفضيل حكومة بيل كلينتون لحكم حزب الليكود بقيادة نتنياهو، ومحاولة كلينتون التأثير في الانتخابات الإسرائيلية لصالح بيريز.

إلا أنَّه من الممكن القول إنَّ البرود بين حكومة نتنياهو وإدارة الرئيس باراك أوباما كان من أعمق الخلافات بين قادة الدولتين. بدأت الخلافات مع إدارة أوباما عام 2011 بتأكيد نتنياهو عدم قبوله انسحاب إسرائيل من أي جزء من الأرض المحتلة عام 1967 في فلسطين المحتلة، حدث ذلك أثناء اجتماع مع أوباما في المكتب البيضاوي، وانتقد حينها نتنياهو مقاربات الحزب الديمقراطي للسلام في الشرق الأوسط واصفًا إياها بالمثالية والبعيدة عن الواقع.

إلا أن الخلاف الأكبر والجوهري كان في توجُّه الولايات المتحدة لتوقيع اتفاق نووي مع إيران؛ إذ رفض نتنياهو الاتفاق بالمطلق، واصفًا إيران وبرنامجها النووي بالخطر الأكبر على إسرائيل، وبدأ نتنياهو حملةَ استهداف ضد إدارة أوباما، في أكثر من مرة في لقاءات ومقابلات كان أهمها قبوله دعوة الكونجرس الأمريكي، الذي سيطرَ عليه الجمهوريون آنذاك، ليخطب في الكونجرس، دونَ دعوة من الرئيس أوباما ودون إبلاغ إدارته، فلم يُقابله أوباما في تلك الزيارة، في مارس (آذار) 2015، وفي خطبته هاجم نتنياهو صفقة البرنامج النووي الإيراني، ومن الجدير بالذكر أنَّه لم يسبق أن تحدَّث أي أجنبي أمام الكونجرس الأمريكي لثلاث مرات، باستثناء رئيس الوزراء البريطاني السابق وينستون تشرشل، وكلا الرجلين مؤيدان للاستعمار وقادا دولًا استعماريَّة.

Embed from Getty Images

صورٌ من خطاب بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، في الكونجرس الأمريكي. في آخر خطبة له دُعي نتنياهو من الحزب الجمهوري، دون إشعار إدارة باراك أوباما، وفي الخطاب انتقدَ نتنياهو الاتفاق النووي الأمريكي مع إيران  

اختراقات دبلوماسية حول العالم

حققت الدبلوماسية الإسرائيلية خلال عهد نتنياهو اختراقاتٍ مهمة حول العالم، أهمَّها وآخرها اتفاقيات سلامٍ مع أربع دول عربية هي الإمارات، والبحرين، والسودان، والمغرب، بالإضافة لتعميق العلاقات الإسرائيلية في القارة الأفريقية، وفتح الباب واسعًا لعلاقات مع دول لم تربطها بإسرائيل روابط قوية.

أما في آسيا اتجهت إسرائيل للهند بقوَّة، واجتمع اليمين الهندي المتطرِّف، بزعامة ناريندرا مودي، مع اليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو.

وعملَ نتنياهو على تمتين العلاقات مع دول أوروبية لا سيما دول شرق ووسط أوروبا، إلا أن فترته لم تخلُ من توترات إضافية ومستمرة مع قوى إقليمية مثل تركيا، التي تشهد توترًا في علاقاتها مع الاحتلال منذ 2008، عام أول عدوان على غزة بعد انسحاب الاحتلال منها، ثم جاءت أحداث سفينة «مافي مرمرة» عام 2010 لتؤزِّم العلاقات أكثر.

وتاليًا نناقش أهم مناطق الاختراق الدبلوماسي لنتنياهو:

1- القارة الأفريقية:

تعمقت العلاقات الإسرائيلية الأفريقية في عهد نتنياهو، وكانت أبرز الأحداث المتحققة في عهده استقلال جنوب السودان عام 2011، الذي عُدَّ نجاحًا أمنيًّا ودبلوماسيًّا للكيان الإسرائيلي، خصوصًا مع الدعم المستمر والعميق لفصائل جنوب السودان بالمال والسلاح.

وكانت أهمَّ الأحداث المرتقبة خلال العقد الماضي لتعزيز العلاقات الإسرائيلية الأفريقية عقدُ قمة إسرائيلية أفريقية للتعاون الزراعي عام 2017، والتي ألغيت لاحقًا بعد مشاورات بين «توغو» البلد المستضيف للقمة، والشريك التجاري الثاني لإسرائيل في القارة بعد جنوب أفريقيا، وجاء الإلغاء خوفًا من حركة مقاطعة كبيرة للقمة من الدول الأفريقية.

2- مع الهند:

حتى تسعينيات القرن الماضي اقتصرت العلاقات الدبلوماسية الإسرائيلية مع الهند على مستوى التمثيل القنصلي فقط، وترجع أسباب التحفظ الهندي على علاقات دبلوماسية كاملة بالأساس إلى فترة الحرب الباردة، وكون الهند من قادة دول عدم الانحياز، بالإضافة إلى تشيكوسلوفاكيا ومصر، إلا أن انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي، بالإضافة لتضافر العديد من العوامل المقربة بين إسرائيل والهند.

عام 1992 أعلنت الهند الانتقال إلى مرحلة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع إسرائيل، إلا أن العلاقات تعمقت في عهد نتنياهو لتصبح الهند ثالث أكبر شريك تجاري لإسرائيل، وأكبر مستوردٍ للسلاح الإسرائيلي، وزارَ رئيس الوزراء الهندي مودي إسرائيل، عام 2017، في زيارة هي الأولى من هذا المستوى، وردَّ نتنياهو الزيارة بأخرى عام 2018، وأسهم فوزُ مودي في تعزيز العلاقات مع الاحتلال، بالإضافة إلى دفع هذه العلاقات بفعل التقارب الخليجي الأخير مع تل أبيب.

3- تطور وتمتين في العلاقات دون اختراقات جذرية، الصين وروسيا:

تظلُّ علاقات إسرائيل مع روسيا والصين، في ظلِّ قيادة نتنياهو سابقًا، محدودةً ومتأثرة بعلاقة إسرائيل وارتباطها الأمني المباشر بالولايات المتحدة.

سيكون عام 2022 العام الـ30 لبداية العلاقات الصينية – الإسرائيلية الدبلوماسية، وتسعى إسرائيل لتطوير هذه العلاقات مع الصين في عدَّة مجالات؛ تطوير التجارة والاستثمار المتبادل، والشراكة بين البلدين في المجالات العلمية ومجال السياحة.

فالصين مهتمة بالتكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة، وموقع إسرائيل مهمٌ في خطة الحزام والطريق الصينية، وتهتم إسرائيل بسوق الصين الضخم لتنويع سوق صادراتها واستجلاب الاستثمارات الصينية الضخمة، وجاءت خطوة كبيرة في العلاقات بالاتفاق الصيني-الإسرائيلي على استثمار الصين في ميناء حيفا، ما أزعج الولايات المتحدة ودفع وزير خارجيتها السابق، مايك بومبيو، إلى التصريح في منتصف 2020 بأنَّ الاتفاق قد يضرُّ بعلاقة بلاده بتل أبيب في ملف الثنائية في مجالات التعاون الاستخباراتي والمعلوماتي والأمني، خصوصًا مع دخول الولايات المتحدة في حرب تجارية وسياسية مع الصين.

وبسبب العلاقة الوثيقة بين واشنطن وتل أبيب، تظلُّ العلاقات الإسرائيلية محاطةً بالحدود الأمريكية التي يتجاوزها الإسرائيليون أحيانًا، مثل حالة بيعهم لتكنولوجيا الطائرات المسيرة للصين.

Embed from Getty Images

بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل السابق، في زيارات للهند، والصين 

أما مع روسيا، لربما يكون أهم ملف في السنوات الماضية تنسيقُ العلاقات الأمنية مع موسكو كثيفة الحضور في سوريا، فمثلًا تنسيق عمليات سلاح الجو الإسرائيلي في سوريا مع الروس، أهم حلفاء النظام السوري، لمنع الاحتكاك العسكري أثناء ضرب إسرائيل لأهداف إيرانية؛ إذ لا يتحرك سلاح الجو الروسي للردِّ على الطائرات الإسرائيلية ويسمح لها بالتحرك بحرية كاملة فوق سوريا.

4- صفقة القرن واتفاقيات السلام مع الدول العربية:

مع قدوم ترامب، صديق نتنياهو القديم، ومعه صهره جاريد كوشنر، الذي أشرفَ على ملف السلام في الشرق الأوسط، استطاع نتنياهو تحقيق تقدم دبلوماسي خطير بتوقيع اتفاقيات متتابعة مع البحرين والإمارات، والمغرب، والسودان، في محاولة لتسوية القضية الفلسطينية مع النخب الحاكمة، دونَ ذكر للفلسطينيين أو حقوقهم.

جاء الإعلان عن «صفقة القرن» ليُنهي تمامًا حل الدولتين ويمهِّد لمسار جديد: القدس بالكامل لإسرائيل، وعاصمة فلسطينية خارج القدس، وضمِّ المستوطنات المحتلَّة لإسرائيل، ونزع سلاح المقاومة مع إلغاء حق العودة، وتهجير بعض مجموعات من عرب الداخل، مع التلويح بمساعدات اقتصادية ضخمة لتسهيل عمل الدولة الفلسطينية المزمع إنشاؤها.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
«فلسطين المستقبلية».. فك ألغاز خريطة ترامب الجديدة

بدا للكثيرين أن اتفاقيات التطبيع الموقعة مع هذه الدول العربية هي مجرد خطوة أولى في مسار تطبيع أكبر من الدول العربية مع إسرائيل، ونهايةً للاهتمام بالقضية الفلسطينية بالمجمل وقبول العرب لتسوية نهائية للقضية الفلسطينية، لا اعتبار للفلسطينيين فيها، بناءً على صفقة القرن بشروط منحازة لإسرائيل.

إلا أن العدوان الأخير على غزة أظهر عمق التضامن العربي الشعبي مع القضية الفلسطينية، وجدَّد وقوف الشعب الفلسطيني مع خيار المقاومة المسلحة، وأظهر محدودية دعم «صفقة القرن» وانحصارها في دوائر النخب العربية.

نتنياهو «سلوكيًّا» ونفسيًّا

أجريت دراسةٌ نفسية كتبها باحثان، الأول من قسم علم النفس في كلية تل هاي الإسرائيلية، والآخر باحثٌ في قسم «مكافحة الإرهاب» في جامعة «كينجز كوليج» البريطانية، يحللان فيها سلوك نتنياهو في فترة حكمه الأولى بين عامي 1996-1999، وفي فترة حكمه الثانية منذ 2009 وحتى 2021، وأظهرت الدراسة ثبات سلوك نتنياهو بالمجمل على نمط واحد في أمور عدَّة:

1-  غرور نتنياهو وشعوره الدائم بالتفوق على من حوله، وبالأخص خصومه؛ ما جعله لا يتقبل أي نقد موجه له، ويظهر ميوله العدوانية ضدَّ الخصوم والحلفاء غير الأوفياء.

2- تظهر الدراسة ميلَ نتنياهو إلى التمتع بحياة الترف والرفاهية، وتوسعه في النفقات المصروفة على المكوث في الفنادق والإنفاق الزائد على كماليات مع زوجته، ما يمكن أن يكون تخلله استغلال للسلطة والموقع الموكل إليه لاستخدام أموال دولة الاحتلال للإثراء الشخصي، وهذا جعله عرضةً للنقد والهجوم من سياسيين آخرين، ووضعه محل اهتمام تحقيقات رسمية تتهمه بالفساد.

3- تبين الدراسة ميل نتنياهو إلى التلاعب السياسي والكذب لتحقيق أهدافه، ما لطخ سمعته داخليًّا وخارجيًّا بوصفه شخصية لا يمكن الوثوق بها.

4- أما أسلوب حكمه، فكان نتنياهو متفردًا بالسلطة محاولًا تركيزها بين يديه، وعيَّن فقط الأوفياء له، لتعميق تفرده بالسلطة.

هل نجح نتنياهو؟

بالرغم من الاختراقات الدبلوماسية المهمة التي لعب نتنياهو دورًا مهمًّا فيها، فإن صورة إسرائيل دوليًّا تضرَّرت جزئيًّا بسبب المواقف المتطرِّفة لنتنياهو، حتى إن قطاعًا واسعًا من الأوروبيين والأمريكيين – سياسيين وعامة – اقتربوا أكثر من خط انتقاد الاحتلال ورفض ممارساته، بالإضافة لاستمرار انزياح اليهود الليبراليين حول العالم لموقع مناهض للاحتلال.

للعمل الدبلوماسي والإعلامي أهميةٌ خاصة في إسرائيل وفي نهج نتنياهو خاصةً، فحكومة الاحتلال منذ نشأتها تقودُ حملات علاقات عامة لتحسين صورته خارجيًّا، لتأمين الدعم الدولي المستمر في ظلِّ وجود إسرائيل في وسط شعبي معادٍ يتجدد اهتمامه بالقضية الفلسطينية بشكل دوري.

وبالرغم من تقدم إسرائيل في تعميق علاقاته دوليًّا وإقليميًّا، بعقده أحلافًا مع دول كانت تعد معادية لإسرائيل ومناصرة للقضية الفلسطينية، فإنه وعلى الجانب الآخر، تقدَّمت في الفترة الأخيرة قوة خصوم إسرائيل في المنطقة، فلم تنجح مساعي الكيان حتى اللحظة في تقويض خطط برنامج إيران النووي، وتعملُ إدارة جو بايدن الآن على إحياء الاتفاق النووي، ويؤيده في ذلك مزاج دولي داعم، كما أنَّ فصائل المقاومة ازدادت قوة وتصاعدت قدرتها على التأثير في إسرائيل وإجبارها على تلبية مطالبها، والأخطر من ذلك بالنسبة لإسرائيل هو الالتفاف الشعبي المتزايد حول المقاومة.

ترتكزُ نظرة نتنياهو إلى الصراع على وضع موازين القوى، ولذا سعى لتوقيع اتفاقيات التطبيع وتعميق التحالفات الأمنية والاقتصادية مع الدول التي كانت معادية لإسرائيل، لتوثيق العلاقة بطريقة تجعلُ الانسحاب منها صعبًا ومكلفًا، ولكن جولة العدوان الأخيرة أظهرت عجز إسرائيل عن عزل المقاومة عن الدعم الجماهيري العربي، رغم الملاحقات المستمرة في الإعلام والمنظمات الدولية لتصنيفها بـ«الإرهاب».

ولربما أفشل نتنياهو بالكامل المحاولات الأمريكية التقليدية لاحتواء إيران ودفع مسار التسوية مع الفلسطينيين والعرب، وهو مسار هدفه الأساسي إنقاذ إسرائيل من نفسها، مع خلق دولة فلسطينية بلا سلاح ولا سيادة.

المصادر

تحميل المزيد