يشارك الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، اليوم الأحد 19 يناير (كانون الثاني) في «قمّة برلين» بألمانيا، التي تناقش الحرب الأهليّة في ليبيا. وتعدّ زيارة الرئيس تبون إلى ألمانيا، هي أوّل زيارة خارجية له منذ تنصيبه رئيسًا في 19 ديسمبر (كانون الأوّل) 2019، وأوّل زيارة خارجيّة رسميّة لرئيس جزائري منذ أكثر من ثماني سنوات؛ إذ إنّ الرئيس الجزائري المعزول عبد العزيز بوتفليقة كان قد امتنع عن الزيارات الخارجيّة منذ إصابته بجلطة دماغية سنة 2013، وهو ما جعل الدبلوماسيّة الجزائرية تشهد تراجعًا شديدًا في الفترة الأخيرة. 

وتكتسي هذه الزيارة الخارجية الأولى للرئيس الجديد رمزيّة مُعتبرة لعدّة معطيات، من بينها أنّها تدشّن من جهة عودة الدبلوماسيّة الجزائرية للواجهة بعد غياب طويل من بوّابة الساحة الليبية من خلال المشاركة في «قمّة برلين» التي تناقش حلول الأزمة الليبية. وأن هذه الزيارة لألمانيا، غريمة فرنسا – المستعمِر القديم – ومنافستها الاقتصاديّة في الجزائر تأتي بعد أشهر طويلة من شحن أجهزة النظام الإعلاميّة لأنصارها ضدّ فرنسا باعتبارها مسؤولة عن الفساد الذي عرفته مرحلة النظام السابق.

Embed from Getty Images

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

في الوقت نفسه يعتزم نشطاء من الجالية الجزائرية في أوروبا التظاهر في العاصمة الألمانية ضد النظام الجزائري من أجل إيصال مطالب الحراك الشعبي الذي تشهده البلاد منذ فبراير (شباط) الماضي.

توتّر العلاقات الجزائرية مع فرنسا.. هل يستفيد الألمان؟

استثمرت السلطة الجزائرية قُبيل الانتخابات في التسويق لفكرة أنّ الجيش يعمل على إنهاء النفوذ الفرنسي في الجزائر، وذلك من أجل تقويض الحراك الشعبي المُعارض لها ومحاصرته إعلاميًّا وتشويهه باعتباره مخترقًا من طرف جهات قريبة من الفرنسيّين، كذلك شهدت العلاقات بين الطرفيْن مُشادّات إعلاميّة فور تنصيب تبون رئيسًا جديدًا للبلاد. 

«لقد سمعت خبر فوز السيد تبون في الانتخابات الرئاسية من الدور الأوّل، كما تعلمون أنا أتابع عن كثب الوضع في الجزائر وطموحات الشعب الجزائري التي يعبر عنها بالكثير من المسؤولية والشرف منذ أشهر. ليس في مقدرتي التعليق أو إعطاء نقاط إيجابية أو سلبية أو توقّعات مستقبلية، ما أتمناه أن الآمال التي عبّر عنها الشعب الجزائر ستحقق في الحوار المزمع عقده بين السلطات والشعب. أقول لهم بكل احترام وصداقة، بأنّه في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخهم، فرنسا تقف إلى جانبهم».

كان هذا تعليق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على خبر فوز الرئيس تبون في انتخابات الرئاسة الجزائرية في ديسمبر 2019. وفي أوّل مؤتمر صحافي للرئيس الجديد عبد المجيد تبون، أجاب عن سؤال أحد الصحافيين حول تعليق الرئيس الفرنسي ماكرون على خبر فوز تبون بالرئاسة، بقوله: «فيما يخص الرئيس الفرنسي، لن أجيبه. هو حرّ أن يسوّق البضاعة التي يريدها في بلاده، وأنا انتخبني الشعب الجزائري، لا أعترف إلا بالشعب الجزائري».


بعد ذلك بأيّام قليلة فقط من وصول تبون إلى الرئاسة، شهدت العلاقة بين الرئيس الجديد والرئاسة الفرنسيّة مُشادة على المستوى الإعلامي، وذلك بعد أن نشرت «وكالة الأنباء الجزائريّة» عن بيان للرئاسة الجزائرية، بأنّ الرئيس ماكرون قدّم «تهانيه الحارّة» للرئيس تبون، لتنشر الرئاسة الفرنسيّة بيانًا رسميًا يكذّب ذلك، ويوضّح بأنّ ماكرون نقل للرئيس تبون «تمنياته بالنجاح»، وليس «تهانيه الحارّة» كما نقلت «وكالة الأنباء الجزائريّة».

وقد اتّجهت السلطة إلى تقليص النفوذ الفرنسي في العديد من المجالات، من بينها قطاع التعليم العالي، إذ تتّجه وزارة التعليم العالي عن تخلّيها عن نظام «LMD» الفرنسي واتجاهها ولأنظمة أنجلوسكسونيّة، بالإضافة إلى اتجاهها إلى تكثيف الاعتماد على اللغة الإنجليزية في برامج الدكتوراه بالشراكة مع السفارة الأمريكية، وذلك دون شكّ على حساب الفرنسيّة التي تعتمدها الجامعة الجزائريّة لغةً للتعليم في أغلب التخصصات. 

وقد بلغت الاستثمارات الفرنسيّة المباشرة في السوق الجزائرية 2.5 مليار دولار في نهاية 2017 موزّعة على حوالي 500 مشروع، وتتركّز أساسًا على قطاع الطاقة والصناعات الميكانيكية والصيدلانية والخدمات. ويحظى الفرنسيّون بإدارة العديد من منشآة البنية التحتية والنقل، من بينها مؤسّسة مترو الجزائر والترامواي، بالإضافة إلى إدارة المياه «آلستوم».

هل يتّجه تبون إلى تقوية الشراكة الاقتصادية مع ألمانيا؟ 

زارت المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل الجزائر في سنة 2018، وبينما كان يُتوقّع أن تقدّم هذه الزيارة دفعة في ملفّ الشراكة الاقتصاديّة بين الطرفين؛ إلا أنّ الزيارة مثّلت خيبة أمل على مستوى الملف الاقتصادي بعدم توقيع أي اتفاقيّة ذات أهميّة في هذا الجانب، والذي قد يرجع إلى الظروف السياسية الضبابية التي كانت تشهدها الجزائر آنذاك بسبب مرض الرئيس المعزول عبد العزيز بوتفليقة.

وتعتزم السلطات الجزائريّة تقوية العلاقات الاقتصاديّة مع الشريك الألماني، خصوصًا في مجال الطاقة الشمسيّة من خلال إعادة بعث مشروع «ديزارتيك» الذي كان محلّ مفاوضات بين الطرفين قبل 10 سنوات لإنتاج الطاقة الشمسية في الصحراء الجزائرية، والذي يقدّر بتكلفة هائلة تصل إلى 400 مليار لتوفير 20% من احتياجات أوروبا من الطاقة، والذي كان سيعطي دفعة كبيرة للشراكة بين الجزائر وألمانيا، إلا أن المشروع لم ير النور في نهاية المطاف، وقد اكتنف شيء من الغموض سبب تخلّي الألمان عنه.

فقد أشارت بعض التقارير إلى أنّ جدواه الاقتصادية منعدمة؛ ممّا دفع الألمان لصرف النظر عنه إلى مصادر طاقة أخرى، لتعلن ألمانيا وفاة المشروع نهائيًّا. الجزائر من جهتها كانت لها تحفّظات معتبرة على المشروع بسبب تكلفته العالية، بالإضافة إلى اختلافات مع الجانب الألماني حول تقسيم نسب الطاقة التي تحصل عليها كل من الجزائر وأوروبا.

وتشير إحصاءات وزارة المالية الجزائرية إلى أنّ التواجد الاقتصادي الألماني في السوق الجزائرية بدأ يهدّد المكانة الفرنسية التي كانت منذ الاستقلال تحظى بحصّة الأسد من الواردات الجزائرية، خصوصًا في السنوات الأخيرة التي تراجعت فيها فرنسا في قائمة المورّدين من المرتبة الأولى سنة 2010 من 6 مليار دولار إلى المرتبة الثانية خلف الصين بـ4.2 مليار دولار.

في حين زادت الواردات الألمانية للجزائر من 2.3 مليار دولار سنة 2010 إلى 3.2 مليار دولار في 2017، والتي تحتلّ بموجبها المرتبة الرابعة بعد كل من الصين، وفرنسا، وإيطاليا؛ إذ تشهد السنوات الأخيرة ارتفاع الواردات الألمانية مقابل انخفاض مثيلاتها الفرنسيّة. وتتمثّل الصادرات الألمانية في غالبيتها في الماكينات الصناعيّة بمختلف أنواعها، بالإضافة إلى وسائل النقل المختلفة كالشاحنات والسيارات والطائرات، بالإضافة إلى الأدوية والكيمياويات المختلفة.

ويشهد التعاون الاقتصادي الفرنسي الجزائري تعثّرًا ملموسًا؛ إذ كان يعوّل دائمًا على الزيارات الخارجية للمسؤولين الفرنسيين من أجل توقيع اتفاقيات تجارية جزائرية، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تغيّرًا في هذا السلوك، خصوصًا  بعد زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في أواخر 2012 وبعده رئيس وزرائه للجزائر سنة 2013، وما تبع ذلك من اتفاقيات تجارية وُصفت بالهزيلة، اشتملت على إنشاء مصانع لمواد استهلاكيّة لا تستفيد الجزائر من خلالها من نقل للتكنولوجيا أو تكوين المهندسين في مجالات تقنيّة حديثة؛ ممّا يسمح باكتساب الخبرة العلمية.

وتواجه الشراكة الجزائرية الألمانية عدّة عوائق، أبرزها العلاقات السياسية الجزائر الفرنسية الاستثنائية؛ مما يسمح لفرنسا بنيْل عدّة مشاريع اقتصادية وصفقات يطغى عليها الجانب السياسي أكبر من الاقتصادي؛ إذ تشير تقارير إلى أنّ الجزائر ساهمت في إنقاذ عدّة شركات فرنسيّة من كابوس الكساد والإفلاس بفضل المشاريع التي حازت عليها، كشركة «ألستوم» للقطارات و«لافارج» للأسمنت وغيرها.

بالإضافة إلى ذلك فإن مشكل اللغة يبقى مطروحًا بالنسبة للألمان؛ إذ إنّ اللغة الفرنسية، بالرغم من كونها ليست رسميّة في الجزائر، إلا أنّها مسيطرة في التعاملات الإدارية والأكاديمية، بالإضافة إلى ميدان الأعمال، لذلك يتّجه الكثير من رجال الأعمال الجزائريين بصفة تلقائية إلى الشراكة مع مؤسسات فرنسيّة نظرًا للجانب اللغوي، مع الإشارة إلى أنّ هذه الظاهرة بدأت في التراجع مع توسّع اللغة الإنجليزية في عالم الأعمال.

سياسة

منذ سنتين
ألمانيا قد تهدد مصالح فرنسا في الجزائر قريبًا.. ما موقف الجيش الجزائري؟

المصادر

تحميل المزيد