1,788

«لو لم أكن فيزيائيًا؛ لأصبحت موسيقيًا! أنا أفكر عادةً في الموسيقى، أعيش أحلام يقظتي في الموسيقى، أرى حياتي بمصطلحات الموسيقى، إنني أحصل على المُتعة الأكبر في حياتي من الموسيقى».

بهذه الكلمات البسيطة عبر عالم الفيزياء الشهير «ألبرت أينشتاين» عن مكانة الموسيقى في حياته وتأثيرها عليه، ولم يكن «أينشتاين» الوحيد الذي آمن بعظمة الموسيقى، فقد شاركه في ذلك العديد من العلماء العرب، في مقدمتهم الفيلسوف المسلم «أبو نصر محمد الفارابي» الذي اشتهر بنظريتي: «الفيض»، و«معاني الفكر»، اللتين ناقش فيهما الآثار العلاجية للموسيقى، وعملها في الروح.

لم تقتصر النظرة إلى الموسيقى كعلاج عند العرب على وجودها في نظريات مُدونة في صفحات الكتب، إنما انتقلت إلى الواقع العلمي، فهناك أطباء عرب مشاهير قدامى استخدموا الموسيقى في العلاج، ومنهم العالم «أبو بكر الرازي» الذي كان يرى أن للموسيقى آثارًا سحرية تقي المرضى من تأجج أزماتهم النفسية، وأيضًا «يعقوب بن إسحاق الكندي» الذي كان يؤمن بأن للألحان الموسيقية آثارها الإيجابية على صحة الجسم، وخص آلة العود التي من وجهة نظره لها قدرة فائقة على التخلص من جميع الآلام.

أما فيما يخص العلاج النفسي، فقد ورد في رسائل «إخوان الصفا» استعمال الموسيقى في مشافي المجانين التي كانت قائمة في القرن الثالث الهجري، إذ لجأ الأطباء العرب إلى استخدام الموسيقى لتخفيف الآلام عن المجانين، مؤكدين على أن النغمات الموسيقية تحقق السكينة الكاملة لدى هؤلاء المرضى.

لذلك ليس من العجيب أن نلجأ عندما نشعر بالإرهاق النفسي إلى الاستماع لألحان عُزفت بإتقان وإبداع، وفي عالمنا العربي نجد العديد من الموسيقيين تميز كل واحد منهم في العزف على آلة موسيقية بعينها، وأخرج منها أفضل ما يمكن من مقطوعات لفتت إليه الأنظار، وفي هذا التقرير سنتعرف عليهم ونستمع إلى أروع ما أنتجوه.

1- إبراهيم معلوف: عازف البوق اللبناني

أول الموسيقيين الذين نتحدث عنهم من مفضلي العزف منفردًا، إذ يعبر عن ذلك بقوله: «أكون مرتاحًا أكثر بكثير حين أكون في الاستوديو وحيدًا حيث أفعل كل شيء بمفردي»، انطلق عازف «البوق» اللبناني/ الفرنسي «إبراهيم معلوف» في مسيرته الموسيقية بين سن الثامنة والتاسعة متأثرًا بوالده «نسيم معلوف» الذي كان عازفًا على نفس الآلة أيضًا، ومخترع أول بوق يمكنه أن يعزف ربع الصوت الذي تتميز به مقامات الموسيقى الشرقية، ويتذكر «معلوف» الابن بداياته، ويؤكد موهبته منذ الصغر، بقوله: «لم أكن أفهم ما يجري لي، كنت أعزف إلى جانب والدي في عروضه بكل ثقة، وما أن ينتهي العرض حتى كنت أذهب للعب، لكني فيما بعد أدركت أن الحضور كانوا يهتمون بالاستماع إلى عزفي».

يتباين الانطباع الذي تتركه موسيقى «معلوف» عند الجمهور فيقول عن ذلك: «عندما أعزف في بلدان عربية يُقال لي إن الموسيقى التي أعزفها تبدو غربية، وعندما أعزف في بلدان غربية يقال لي إنهم يسمعون تأثيرات عربية».

لكن السبب في ذلك ربما يعود إلى أن العازف اللبناني المولود عام 1980 ورث عن والده موهبة العزف على نغمة الربع على آلة بوق مُعدلة تتميز بصماماتها الأربعة، بدلًا عن البوق التقليدي ذي الثلاثة صمامات؛ ليستخلص أسلوبًا متميزًا للغاية يجاوز المعايير الأكاديمية الغربية.

من الألبوم الأول لمعلوف «دياسبوارا» الصادر عام 2007، نستمع إلى هذه المقطوعة الموسيقية:

ومن نفس الألبوم أيضًا يمكنك الاستماع إلى رائعة موسيقية أخرى:

تفوق «معلوف» يظهر في عزفه لموسيقى أغنية «أم كلثوم» الشهيرة «ألف ليلة وليلة»، وبالرغم من صعوبتها، إلا أنه أجاد ببراعة عزفها، دون أن يستعين بنوتة موسيقية، إذ يلعب عادة لفترات طويلة مغلقًا عينيه، ويبدو أن السر يكمن في عشق «معلوف» لأم كلثوم، التي يرى أنها قدمت للأغنية العربية أهم مما قدمته «فيروز»، مفسرًا ذلك بأن «أم كلثوم» قدمت الكثير للمرأة العربية، فأن تكون امرأة ريفية، وتعيش في مجتمع شرقي، وتقف أمام الرجال لتغني وتبهرهم بصوتها، فهذا إنجاز أكبر من أي شيء آخر.

2- مروان أنور: عازف الكمان المصري

هل يمكن أن تعشق الاستماع إلى موسيقى أغنية بمفردها أكثر من الاستماع إلى الأغنية ذاتها؟ ربما يكون الجواب بالإيجاب، إذا كانت هذه الموسيقى من عزف الموسيقار المصري الشاب «مروان أنور»، البالغ من العمر 27 عامًا، والذي اشتهر بعزف موسيقى الكثير من أغاني مشاهير المغنيين المصريين، وفي مقدمتهم «عمرو دياب» على آلة الكمان، ومن أفضل ما عزف له نستمع إلى موسيقى «قصاد عيني»:

ربما يعود النضج الفني الواضح في موسيقى «أنور» إلى بدايته المبكرة؛ إذ ظهر حبه للموسيقى في الخامسة من عمره، وكانت البداية بتعليم والده إياه المبادئ الأساسية للعزف على آلة العود، وفي عمر الثانية عشر تعلم العزف على البيانو، وانتقل بعدها ليدرس الموسيقى بشكل متخصص في دار الأوبرا والبيت العربي للعود، ولم يتوقف شغفه عند هذا الحد فانطلق في تعلم العزف على الناي والكمان الذي تميز عن غيره فيه، ويظهر ذلك في المقطوعات التالية:

3- عبدالله حلمي: عازف الكَولة المصري

يمكن بسهولة تمييز عزف الموسيقار عبدالله حلمي على آلة «الكَوّلة» عن بقية الموسيقيين، فإبداعاته الموسيقية رافقت أغاني مطربين متميزين، أمثال «نجاة الصغيرة»، و«علي الحجار»، و«حسين الجسمي»، و«محمد عبده»، بالإضافة إلى «محمد منير» الذي يصف علاقته معه بالتاريخية، حتى أن «منير» قدمه في إحدى حفلاته قائلًا للجمهور: «نحن فخورون أنه يوجد عندنا في مصر عازف الكَولة العظيم عبد الله حلمي»، فالكثير من أغاني «الكينج» مثل «الليلة يا سمرا»، و«الدنيا ريشة في هوا»، و«شمندورة» لم تكن لتحظى بهذا الانتشار، لولا نغمات «حلمي»، وفي المقاطع التالية نشاهد سويًا عزفه على «الكَولة» في بعض الأغنيات:

تمثلت الانطلاقة الفنية للموسيقار المصري بمولده لأب كان يعزف الناي والعود والكَوّلة والكمان، لكبار المغنيين المصريين الشعبين القدامى أمثال «شادية»، و«جمالات شيحة»، و«محمد الكحلاوي»، و«خضرة محمد خِضر»، وربما كانت تجربة الوالد الفنية سببًا في أن يدعو ابنه إلى البعد عن العزف والاتجاه للغناء؛ لأن المطربين أوفر حظًا من العازفين، لكن وجهة نظره تغيرت بعدما شاهد تميز «عبد الله» الشديد في العزف على «الكَولة» ليدعم مشواره الفني بالنصح والإرشاد، بل يتعلم منه.

من أهم المحطات في رحلة «عبدالله حلمي» الفنية مرحلة التجنيد الإجباري في أواخر السبعينات، إذ انضم فيها للفرقة الموسيقية الخاصة بالجيش، وكان المسؤول عن موسيقى مسرحية غنائية كبرى باسم «عاشق المداحين»، والتي تعاون فيها مع مجموعة من الفنانين المصريين الذين كانوا يقضون فترة تجنيدهم أمثال الموسيقار «جمال سلامة»، والمغني «هاني شاكر»، و«محمد منير»، بالإضافة إلى «علي الحجار»، الذي استمر تعاون «حلمي» معه حتى اليوم، وظهر معه في الكثير من الحفلات لافتًا إليه الحضور بروعة لمساته على آلة «الكَولة».

4- عمر بشير: عازف العود العراقي

ليس بغريب أن يُظهر عازف العود العراقي «عمر بشير» المولود عام 1970، براعة فنية متناهية النظير، فوالده العازف العراقي الشهير «منير بشير»، الذي جدد مجد آلة العود وأدخلها إلى العالمية، وكان أول ظهور لولده عمر في سن التاسعة عندما قدم أول عزف منفرد على العود في قاعة الخلد في بغداد، بعزفه مقطوعة موسيقية لوالده بعنوان «سماعي نهاوند»، والتي أثارت إعجاب الجمهور لدرجة أن الصحافة العراقية كتبت عنه «ولادة الطفل المعجزة».

واصل العازف العراقي بعدها دراسة الموسيقى على يد أساتذة معروفين، منهم: الموسيقار العراقي «عدنان محمد صالح»، والذي حببه في آلة العود، بالإضافة إلى ذلك كان والده يتولى تعليمه عليها في المنزل لأربع أو خمس ساعات يوميًا، لذلك لم يحظ بفرصة اللعب مثل بقية الأطفال، لكن ذلك لم يزعجه أبدًا فيقول: «أتمنى لو كنت أقضي عشرات الساعات لأتعلم العود من والدي، فقد جعلني أتقن التكنيك العالي وقوة العزف»، ويظهر ذلك في هذه المقطوعة الموسيقية:

استطاع «منير بشير» عام 1986 أن يُشكل فرقة «البيارق» الموسيقية، التي تعتبر أول فرقة عربية ضخمة تعزف موسيقى شرقية بآلات شرقية دون أي تدخل لآلة غربية، وكانت نموذجًا يحتذى لبقية الفرق العربية، وسافر «منير» بصحبة فرقته إلى الأردن ليحصل هناك على درع مهرجان «جرش» للثقافة والفنون، كما عزفوا في دار الأوبرا المصرية، وحصلوا على أوسمة من دول غربية، مثل فرنسا وروسيا.

غادر الموسيقي «منير بشير» العراق عام 1990 م متجهًا إلى «هنغاريا» وهناك استكمل دراسة الموسيقى، لكنه شعر بفجوة كبيرة بسبب اختلاف المناهج الموسيقية، ونجح في تجاوزها بالاستماع إلى الموسيقى الهنغارية واختلاطه بالفنانين الغربيين وتأسيسه لأسلوب جديد خاص به، فمنذ صغره كان يؤمن بمبدأ أن الطالب لا يجوز له أن يقلد معلمه، بل يجب أن يتعلم منه ويطور نفسه.

يتدرب العازف العراقي على العود بشكل يومي لمدة أربع ساعات، لذلك يرى أنه يلازمه أكثر من أي إنسان، مؤكدًا أن طريقة الإمساك بالعود وملامسته لمنطقة قلب العازف تجعله الأكثر احتضانًا وقربًا للنفس، ومن هنا ينظر إليه على أنه أقرب من محبوبته.

لكنه من جانب آخر يلفت النظر إلى وجود مؤامرة في العالم العربي للقضاء على الموسيقي الراقية؛ وذلك عبر إدخال آلات غربية إلى التخت الشرقي متناسيين آلات شرقية أصلية، مثل العود والناي، في حين أن الفرق السيمفونية الغربية لا تستخدم العود ولا الموسيقى الإلكترونية، ومن السلبيات الأخرى التي تزعج الموسيقار العراقي عدم وجود مسارح خاصة بالموسيقى العربية توازي بمواصفاتها المسارح الغربية، وإن وُجدت فلا يتوافر بها أجهزة الصوت المتطورة، ولا الكوادر البشرية المتخصصة.

من أهم الإنجازات الفنية التي حققها العازف العراقي «منير بشير»، دخول ألبومه «تقاسيم عود» في كتاب مؤسسة «اليونسكو» للحفاظ على التراث عام 2013، واعتباره أفضل عمل موسيقي في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى ذلك فقد تعاون «بشير» مع الفنان الأمريكي «كوينسي جونز» في حفل «GLOBLA «COMBO ALL STARS عام 2011، وقدمه «جونز» إلى الجمهور واصفًا إياه بأنه «أفضل عازف عود على الكرة الأرضية».

5- محمد عبده صالح: عازف القانون المصري

نشأ الموسيقار المصري «محمد عبده صالح» المولود عام 1912، في بيئة فنية غنية فكان يشاهد جلسات الطرب المشتركة بين والده والشيخ سيد درويش، ودراستهم الموشحات القديمة وترديدها، من هنا تشرب بحب الفن في أولى مراحل حياته، لدرجة أنه في إحدى الأيام أحضر قطعة خشب، وأسلاك ومجموعة مسامير وصنع لنفسه آلة قانون صغيرة، وبالرغم من محاولات والده المتكررة لإبعاده عن المجال الفني، إلا أنه لم ينجح في ذلك، وعندما وجده مصممًا على ترك الدراسة والعزف على آلة القانون نصحه بأن يدرس الموسيقى ويتعلم البشارف والسماعيات.

اشترك عازف القانون المصري في أول حفل موسيقي في نقابة الموسيقيين وعمره 12 عامًا، وأُقيمت في الحفل مناظرة على آلة القانون بينه وبين الموسيقار الراحل «محمد سالم»، ليبدأ بعدها رسميًا رحلة احتراف الموسيقى، فعزف موسيقاه مع الشيخ «سيد درويش»، والمغني «صالح عبد الحي»، و«محمد عبد الوهاب».

ظل «محمد عبده صالح» ينتقل لفترة طويلة بين فرقتي «محمد عبد الوهاب»، و«أم كلثوم»، حتى وقّعت «أم كلثوم» عام 1937 عقد بث حفلاتها الحية مع الإذاعة المصرية في الخميس الأول من كل شهر، فأصبح «صالح»، منذ ذلك التوقيت وحتى وفاته عام 1970، عضوًا أساسيًا في فرقتها الموسيقية.

احتل «محمد عبده صالح» في بداية عمله مع «أم كلثوم» الموقع الثاني في فرقتها الموسيقية؛ إذ كان الموسيقار «محمد القصبجي» هو من يتولى قيادة الفرقة، ومع تقدم «القصبجي» في السن، وتراجع ذاكرته الموسيقية، إلى جانب حدوث أزمة بينه وبين أم كلثوم نتيجة فشل فيلمها «عايدة»، تولى «صالح» قيادة الفرقة الموسيقية في أواخر الأربعينات.

المثير للانتباه أن سيدة الغناء العربي «أم كلثوم»، لم تكن تسمح بالتقاسيم المنفردة وسط أغانيها، إلا لثلاثة عازفين هم: «محمد القصبجي» على آلة العود، و«محمد عبده صالح» على آلة القانون، و«أحمد الحفناوي» على آلة الكمان.

في المقاطع التالية نشاهد الحضور المبهر للموسيقار «محمد عبده صالح» في حفلات «كوكب الشرق»:

6- عبده داغر: عازف الكمان المصري

«أنا ابن الحارة المصرية، تخرجت في مدرسة القرآن الكريم، ومثل أسلافي العظام، تعلمت منه محاسن الصوت ومخارج الإيقاع، وجمال الموسيقى».

هكذا يُعرف الموسيقار العالمي «عبده داغر» المولود عام 1936 م نفسه، فلمساته الساحرة على آلة الكمان كانت السبب وراء أن يُطلق عليه «ملك التقاسيم»، ولم يأتِ هذا اللقب من فراغ؛ فخلفه تكمن مسيرة شاقة وعظيمة، بدأت بتخرجه من مدرسة القرآن الكريم بمدينة طنطا، وفيها خطى أولى خطواته على طريق احتراف الموسيقى التي يصفها بقوله: «شعرت أن هناك ارتباطًا بين الكمان والطقس الديني، فتعلمت إيقاع الكلام واللحن من الروح القرآنية، ووجدتني  منجذبًا إلى الكمان، انكببت عليه وحدي، وأتعلمه وحدي، كما لو كنا في تحاور سري لا يعلمه سوانا، وعندما أصبح عمري 12 عامًا بحثت عن منهج أو طريقة خاصة أتبعها في عزفي على هذه الآلة، لكنني لم أجد إلا هذه الروح الدينية التي تتسق مع الكمان، لذلك أعتقد بأن عزفي يأتي من منطقة قرآنية الروح».

بالرغم من أن والد «عبده داغر» كان موسيقيًا لديه محل لبيع وتصنيع الآلات الموسيقية، إلا أنه رفض أن يتعلم ابنه الموسيقى، أو أن يعمل بها، والسبب في ذلك يرجع إلى أنه واجه في بداية حياته صعابًا نتيجة عدم تقبل المجتمع آنذاك لعمله، فكلما ذهب لخطبة فتاة كان أهلها يرفضونه لطبيعة عمله باعتبار أن الموسيقى حرام شرعًا، لذلك حاول قدر الإمكان ألا تكرر نفس المعاناة مع ابنه «عبده»، حتى لو كان السبيل لذلك ضربه وتعذيبه 7 سنوات، نتج عنها آثار ما زالت حاضرة على جسده حتى اليوم.

تميزت علاقة «داغر» بآلة الكمان منذ صغره بشغف ليس له مثيل، فلم يكن يفارقها إلا عند ذهابه للنوم، بل كثيرًا ما كان يستيقظ من نومه ليعزف ما استمع إليها في أحلامه، وكان يدخر من أجره الذي يحصل عليه من عمله بالحفلات والموالد ليشتري آلة كمان جديدة، لكن فرحته بها كانت لا تكتمل بسبب معارضة والده الذي كان يأخذها منه ليبيعها.

من المواقف الطريفة التي حدثت معه في تلك الفترة المبكرة من عمره أنه في إحدى المرات دعته جارتهم وهي والدة المغني المصري المعروف «محمد فوزي»؛ ليشارك في العزف في حفل أقامته بمنزلها، وعندما وصل صوت الكمان إلى أسماع أبيه علق قائلًا: «سامع صوت كمنجاتي حلو»، ولم يكن يعرف أن هذا الفنان هو ابنه الذي منعه من تعلم الموسيقى، وحينها أخفت «أم عبده» عنه الأمر بقولها له إن هذا العازف قادم من الإسكندرية؛ حتى لا ينقلب الأمر على ولدها.

كعادة الأقاليم تحرم أبناءها من الانتشار والشهرة التي يحظى بهما غالبًا المقيمون في القاهرة، لذلك اتجه «عبده داغر» إلى هناك، واتجه في البداية للعمل في محل «محمد الحفناوي» للأدوات الموسيقية والد الموسيقار الشهير «أحمد الحفناوي»، وتعلم منه صناعة آلة العود، وكان في الليل ينام عند ابن خالة والده الشيخ «عبد الفتاح الشعاعي» القارئ المعروف، وانتقل بعد ذلك للعمل مع المغنية «هنيات شعبان» التي اشتهرت بالمديح النبوي، وكانت «أم كلثوم» تحسب لها حسابًا، وفق تعبير «داغر».

اتجه الموسيقار المصري بعد ذلك للعزف في الحفلات التي كانت تُقام في «مقهى التجارة» في شارع «محمد علي»، ومع الوقت أخذت شهرته في ازدياد؛ حتى أصبح كبار المطربين، مثل «كارم محمود»، و«محمود قنديل»، و«محمد رشدي»، يتسابقون عليه ليعزف في حفلاتهم، وبعد ذلك طلبته «أم كلثوم» ليعمل في فرقتها الموسيقية.

التحق «داغر» بفرقة «أم كلثوم»، لكنه وجد في فرقتها عازف كمان ماهر جدًا، ألا وهو «أحمد الحفناوي»، فشعر بأن هناك مؤامرة على «الحفناوي» سيكون طرفًا فيها، دون أن يشعر، ووفقًا لوجهة نظره فقد دبر هذه المؤامرة موسيقيان، هما: «محمد عبده صالح»، و«محمد القصبجي»، اللذان أقنعا «أم كلثوم» بضمه إلى فرقتها، قائلين لها: إنه عازف معروف بين الموسيقيين، وإن عزفه خلفها سيجعلها تتسلطن بشكل أفضل من «الحفناوي»، وبالرغم من ذهاب «داغر» إلى البروفات، إلا أنه تحجج بانشغاله، ولم يذهب إلى الحفلة، مؤكدًا أن «أم كلثوم» فهمت المؤامرة؛ فقد كانت ذكية جدًا، وقد دفعه إلى التصرف بهذا الشكل علمه أن «الحفناوي» لم يكن مثله يعمل في «النمر الشعبية» ويسجل في الاستديوهات مع العديد من المطربين، فقد كان مصدر دخله الوحيد عمله في فرقة «الست».

من أهم المحطات في حياة الموسيقار «عبده داغر» تعاونه مع القارئ والمبتهل الشيخ «محمد عمران» إذ شكلا سويًا ثنائيًا شهيرًا، وأقاما الكثير من السهرات الفنية بشكل يومي في منزل «داغر»، الذي يتحدث عن هذا التعاون قائلًا: كانت بداية معرفتي بالشيخ «عمران» أثناء عملي مع المطرب «أحمد عدوية» في حديقة الخالدين بالحسين، فقد كنت أقيم هناك سرادق كل أسبوع غنى فيه مشاهير المطربين، وأول مرة قابلت فيها «عمران» أخذته من يده وذهبنا إلى الموسيقار «محمد عبد الوهاب» الذي مكث طوال الليل مغمض العينين من أثر (السلطنة) التي كان يسمعها من «عمران»، وكلما شعر بأننا نغلق التقسيمة يقول: «زيد والنبي يا مولانا».

بعد وفاة الشيخ «محمد عمران» استمرت عادة الموسيقي «عبده داغر» في إحياء الجلسات الفنية بمنزله لكن بمفرده، ومن أبرز روادها الممثل المصري «محمود حميدة»، الذي أثر فيه «داغر» كثيرًا حتى أنه يقول عنه: «وجدت في عبده داغر أستاذًا كبيرًا ومعلمًا في الحياة بشكل عام، فتعلمت منه كيف يؤدي الإنسان عملًا لوجه الله ولا يريد منه أي شيء آخر، فأنا فوجئت أن هذا الرجل القامة الشامخة يتمرن كل يوم على الكمان عددًا كبيرًا من الساعات، أضف إلى ذلك أشياء أخرى، منها: أنه يأتي إليه تلاميذ فيُعلمهم، وكذلك أشخاص سمّيعة فيُسمعهم، فيقول حميدة «نحن نذهب إلى جلسة عم عبده في بيته فيُسمعنا لأنه يحب السمّيعة».

رفض الموسيقار «عبده داغر» تكريمه عام 2008، من مهرجان الموسيقى العربية في مصر؛ لأنه حسب وصفه، جاء متأخرًا، إذ يرى أنه من العيب أن يلقى التكريم من دول العالم، ولا يجده في وطنه، بالإضافة إلى أن ما يُقدم في المهرجان لا يعجبه؛ لعدم وجود مسؤولين حقيقيين عن الموسيقى العربية، ولا أماكن تُدرس فيها بمنهجها وقواعدها الصحيحة، بحسب رأيه.