{لا أستطيع عد المرات التي كنت متخلفًا فيها بالوراء بشكل لا أمل فيه، حيث لا يظن أحد على الإطلاق أنه بإمكاني الفوز، لكنني أخرجت نفسي من مواقف يائسة من قبل، عندما تكون متقهقرًا يصبح لديك استراتيجيتين فقط، إما أن تهاجم بكل ما تملك، أو تدافع بكل ما تملك، ما أجيده هو إيجاد استراتيجية تجمع بين الاثنتين}. ماجنوس كارلسن، بطل العالم الحالي للشطرنج وصاحب أعلى تصنيف نقطي في تاريخ اللعبة.

الشطرنج، من يجهله؟ أحد أهم الألعاب الاستراتيجية في العالم واللعبة الأكثر شعبية تحت هذا التصنيف على الإطلاق، اللعبة التي يستعين بتحليلاتها وطرقها الساسة والعسكريون ورجال الاقتصاد وبالطبع ساكنو فناء الحرب المعلوماتية بين الكيانات أو بين الدول.

على مدار تاريخ الشطرنج اشتهرت بعض المباريات الخاصة جدًا واستمر ذكرها والنقاش حولها والاستعانة ببعض ما فيها وتطويره حتى يومنا هذا، في القادم نستعرض بعضًا من هذه المباريات مع ترك الحرية للقارئ لإكمال الإبحار بنفسه في الإنترنت إن أراد الاستزادة ورؤية مباريات أكثر.

(1) لعبة القرن (The Game Of The Century)

السابع عشر من أكتوبر لعام 1956، نيويورك، نادي مارشال للشطرنج، ليلة من ليالي بطولة Rosenwald Memorial

يجلس السيد دونالد بيرن في انتظار مباراته القادمة والتي ستبدأ في غضون ثوانٍ معدودة. دونالد، أحد أبرز الأستاذة الثلاثة الأمهر في الولايات المتحدة الأمريكية في العقد الخمسيني كاملًا، عضو المنتخب الأمريكي، والحائز على لقب بطولة أمريكا المفتوحة قبل هذه الليلة بثلاث سنوات، سيواجه في هذه المباراة بوبي فيشر، الطفل الذي يبلغ من العمر ثلاثة عشر سنة فقط!

تبدو الأمور مريحة بالنسبة لبيرن، فربما يكون بوبي ماهرًا بشدة لمن في عمره، وظاهرة، لكنه بالتأكيد لن يصمد أمام أحد سحرة الشطرنج في الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الوقت، لذلك لم يتوقع أحد من الحضور أن تستغرق المباراة وقتًا طويلًا.

تبدأ المباراة، افتتاحية قياسية في البداية من اللاعبين، ثم سيبدأ بوبي في لعب ارتجالي مقابل تنظيم وتقدم أفضل للسيد بيرن، قبل أن يفقد هذا التقدم في الحركة الحادية عشرة حيث يكرر اللعب بنفس القطعة (الفيل Bishop) مرتين بدلًا من أن يطور هجومه.

ظلت الأفضلية مع ذلك لبيرن الذي كانت ملكته (الملكة = الوزير) تسيطر على منتصف الرقعة بشكل مميز، ونجا من فخ ارتجالي نصبه بوبي له، في الفخ ضحى بوبي بفارسه (حصان) بلا مقابل، إن قام بيرن بالتهام الطعم وأكل الحصان كان بوبي سيتقدم عليه في استراتيجية اللعبة بخطوتين على الأقل، لم يفعلها بيرن واكتفى بإرجاع الملكة (الوزير) لحمايته.

 

بعدها قام بيرن بمهاجمة الوزير مباشرة، أهم قطعة مهاجمة في اللعبة، توقع الجميع أن بوبي سيقوم بحماية الوزير والفرار به، لكن بوبي عرض حصانه الآخر للخطر بلا مقابل، ولو حمى الوزير فسيخسر اللعبة لإن بيرن سيصبح متقدمًا عليه بأكثر من ثلاث خطوات، لكن بوبي، ووسط دهشة الجميع ترك الوزير لبيرن ليأكله في سهولة تامة!!

 

كان الأمر مغريًا، وزير بقطعة أقل أهمية وهي الفيل، فعلها بيرن ونحى ملكة بوبي خارج اللعبة، نظريًّا، فإن بيرن على بعد دقائق من الفوز، عمليًّا أثبت الطفل بوبي لماذا سيستحق سمعته بعد سنوات عن جدارة!

 

كان على بيرن أن يدرك أنه لا أحد يترك وزيره وأهم قطعة لديه هكذا إلا لو كانت الخطة تستحق تركه، استجابة بيرن للإغراء كانت إيذانًا بإطلاق العنان لهجوم بأربع قطع مختلفة على ملكه الأبيض، في البدء عزل فيشر وزير بيرن وقيد حركته مما حوله من أهم قطعة في اللعبة لقطعة عادية محاصرة بلا احتمالات حركية كثيرة، بعدها بدأ بإطلاق هجوم شامل على ملك بيرن وحوله لدمية حقيقية بلا أي فائدة، مع حصار متتالي أجبره على حركات معينة محدودة حتى قتل بوبي الملك وفاز بالمباراة وسط ذهول الحاضرين!

 

هذه المباراة ساهمت كثيرًا في ارتفاع صيت لاعب سيحصل على بطولة الولايات المتحدة المفتوحة بأحد عشر انتصارًا كاملًا وبلا هزيمة واحدة، وهي المرة الوحيدة في تاريخ البطولة حتى الآن، ثم سيهزم أفضل لاعب في العالم في عام 1972 وأحد أفضل اللاعبين في تاريخ الشطرنج (بوريس سباسكي) ليأخذ منه لقب بطولة العالم، وليصبح بوبي في نظر كثير من محبي اللعبة من اللاعبين الأفضل على مر العصور.

(2) اللعبة دائمة الاخضرار (Ever Green Game)

برلين، العام 1852

–   على جهة نجد أدولف أندرسون، الذي كان يُنظر له على أنه أفضل لاعب في العالم بعد فوزه بأول بطولة دولية في لندن، في المقابل نجد جين دوفرين، أستاذ الشطرنج وصاحب المؤلفات فيه، لاعب على قدر عالٍ من الذكاء، وتلميذ أدولف الأثير!

الأستاذ في مواجهة طالبه المفضل في مباراة غير رسمية، وهو ما ضمن الكثير من المتعة للحاضرين حينها.

 

أندرسون الأبيض ودوفرين الأسود، بدأ أندرسون اللعبة بالافتتاحية الشهيرة (The Evan Gambit)، أحد أشهر الافتتاحيات في القرن التاسع عشر، وما زال البعض يستخدمها لكن بقلة، وفيها يضحي اللاعب بأحد جنوده مقابل أن يحظى بتقدم فعال على خصمه في البداية، وهو ما فعله أندرسون ونجح في تنحية الفيل الأسود لدوفرين جانبًا.

 

بعد قليل سيرتكب دوفرين خطأ بتحريك فيله الأبيض بلا هدف محدد، بالتالي سيساهم ذلك في تأخره بخطوة للخلف، تقدم لأندرسون سيجعله حرًّا في تحريك حصانه وتطوير هجومه بفعالية.أجبر دوفرين على تحريك وزيره لمربع آمن من الهجوم الوشيك عليه، المتوقع في اللعبة أن أندرسون سيقوم بتطويق الملكة حتى يخرجها من اللعبة، ومن ثم تنفتح الأبواب أمامه للفوز السهل، المثير للاهتمام أن أندرسون لم يفعل ذلك، بل قام وبكل سذاجة بتقديم حصانه وخسارة سيطرته على الرقعة وبشكل هستيري!

 

كانت الحركة غريبة جدًا ومجنونة تمامًا، حيث فقدان القطعة غير ضروري الآن، فقدان للتقدم، خسارة مرتقبة، وفوضى عارمة، بالطبع أي لاعب مكان دوفرين كان ليأخذ الحصان، لذلك أكله دوفرين مع إمكانية حماية الوزير فيما بعد، وتوقع الجميع مع حركة كهذه أن يبدأ تسلسل الخسارة بالنسبة لأندرسون وهو ما حدث فعلًا، حيث بدأ دوفرين في محاصرة ملك أندرسون الأبيض.المدهش أن أندرسون لم يتوقف، بل استمر في الحركات العشوائية بلا أي ضابط، وبدلًا من أن يأكل حصان دوفرين المحاصر بلا استطاعة حركة، أو أن يعود بوزيره، أو أن يحمي الملك، قرر أن يحرك قلعته (قلعة = طابية) لمكان آخر، مما عرض قطعة أخرى لديه للفقدان بلا أي مقابل وهي (الحصان).

 

إذا أندرسون يخسر حصانين، وعلى بعد خطوة واحدة من قتل ملكه، ويلعب بعشوائية مخيفة غير مفهومة، يتوقع الأغلب أن الإنسان الطبيعي سيتوقف ويحاول البقاء على قيد الحياة في هذه الفوضى، لكن أندرسون لم يفعل ذلك بل زاد في الجنون وتبرع بطابيته مقابل الحصان المحاصر لدوفرين مما سهل على دوفرين التخلص من قطعة أخرى مهمة لأندرسون.اللعبة تضع أوزارها وعلى وشك الانتهاء، ودوفرين على بعد حركة واحدة فقط من الفوز، ليأتي أندرسون ويفعل أغرب ما يمكن لأي أحد مكانه أن يفعله، يضحي بوزيره بلا أي مقابل من أي نوع!!

 

كانت هذه الحركة قمة في الجنون الحقيقي وتتفوق على كل ما سبق في هذه اللعبة في السذاجة المفترضة، ولأن إغراء التهام الوزير كان أكبر من أي لاعب مهمًا كان، فقد أكله دوفرين، ليعلن خسارة أستاذه للعبة بشكل إكلينيكي لن يلبث أن يتحقق.

 

حسنًا، هذا لم يحدث وحدثت المعجزة، وقع دوفرين في الفخ الذي نصبه له أندرسون، وعرض ملكه للهجوم المجنون الذي أطلق عنانه أندرسون بفيلين وقلعة وهي كل قطع أندرسون الرئيسية التي تبقت من المذبحة العشوائية المتعمدة، بعد ثلاث حركات فقط، وقبل أن يستوعب أي أحد الذي يحدث، خسر دوفرين اللعبة!!

 

هذه اللعبة هي أساس نظرية الفوضى الخلاقة، وتستخدم مع مثيلاتها في شرح كيفية خلق فوضي عارمة غير مفهومة تنتج في النهاية نصرًا عبقريًّا بلا أي احتمالية للخسارة.

 

(3) العبقـري ضـد الآلـة الخارقـة!

امتلاك القدرة على حساب مائتي مليون احتمالية في الثانية الواحدة، مائتان وستة وخمسون معالجًا حاسوبيًّا يعملون في وقت واحد، أربعة آلاف وضعية مختلفة و700 ألف تحليل لمباريات أساتذة سابقين مخزنة في الذاكرة، القدرة على تحديث البرنامج بين المباريات بدراسة حركات المنافس في كل مرة، كيف يمكن مواجهة شيء كهذا؟!

 

هذا هو Deep Blue، حاسوب الذكاء الصناعي الشهير الذي كان مشروعًا طلابيًا حولته (IBM) عملاق الصناعات الحاسوبية في العالم لتحفة فنية تكفي لمواجهة العقلية فائقة العبقرية لبطل العالم في الشطرنج، وأحد أفضل ثلاثة لاعبين في تاريخ الشطرنج (جاري كاسباروف)، اللاعب الذي يراه الكثيرون الأفضل في التاريخ والذي اشتهر في عهده أنه لا يستطيع هزيمته بشر!

 

تاريخ المواجهات بين كاسباروف وديب بلو بدأ في عام 1989، حيث كان الحاسوب في نسخته الأولية، حينها تغلب كاسباروف عليه، طورت أي بي إم الحاسوب لمدة سبع سنوات، في 1996 كان موعد الجولة الثانية بين جاري وديب بلو، الجولة احتوت على ست مباريات، في أول مباراة فاز الحاسوب ليسجل أول فوز لحاسوب ذكاء صناعي على بشر، لكن كاسباروف فاز في الثلاث مباريات التاليات، وتعادل في اثنتين ليهزمه شر هزيمة مرة أخرى.

 

بعدها عكفت IBM على تطوير ديب بلو لمدة عام حتى وصلوا به للمواصفات التي بدأت بها الفقرة، وحان موعد الجولة الثالثة من ست مباريات أيضًا، هذه المرة انتهت الجولة بفوز ديب بلو، لكن الأمر لم ينعدم من الإثارة أيضًا!

 

النقطة الأولى أن كاسباروف بعد كل هذه التحديثات هزم الحاسوب مباراتين فعلًا، وتعادلا في واحدة وهُزم جاري في ثلاث ليفوز ديب بلو بنتيجة ( 2.5:3.5)، الثانية أن كاسباروف اتهم الشركة بالغش، حيث قال إنه لاحظ تخلي الحاسوب عن المنطق ووجود بعض الحركات الإبداعية الخلاقة والمرتجلة، مما يعنيه هذا من تدخل بشري في اللعب وتوجيه الحاسوب، لكن IBM نفت وقالت إن الحاسوب كان يلعب بمفرده بدون مساعدة بشرية، ثم قررت تفكيك الحاسوب بعد ذلك!

 

مواجهة ذكاء صناعي مزود بمئات الآلاف من الألعاب المسجلة والحركات والقدرة فائقة السرعة على النظر إلى الرقعة وحساب احتمالات يقال إنها وصلت لعشرين خطوة للأمام قبل أن تحدث، مواجهة كل ذلك ثم الفوز عليه يستحق الذكر بالتأكيد.

(4) اللعبة الخالدة (The Immortal Game)

هذه المرة ليست لعبة أدولف أندرسون الخالدة الأصلية التي أقيمت في 1951 في لندن، وإنما هذه لعبة كاسباروف، مرة أخرى العبقري يثبت أنه أحد أفضل – إن لم يكن أفضل- من مروا على تاريخ اللعبة.

كاسباروف، بطل العالم المطلق ضد فيسيلين توبالوف، الأستاذ البلغاري وأحد أفضل لاعبي الشطرنج والذي سيكون بطلًا للعالم في عام 2005 ولمدة 27 شهرًا ليحتل المركز الخامس بين أطول لاعبي الشطرنج الذين بقوا في المركز الأول على العالم لفترات طويلة.

لماذا تصنف هذه المباراة على أنها من أفضل عشر مباريات في تاريخ اللعبة؟
حسنًا، بدأت المباراة بداية قياسية عادية، مع تحريك القطع وتطوير أماكنها للسيطرة على منتصف الرقعة، بعد أن خسر كلا اللاعبين حصانًا واحدًا، وكان الأمر تعادلًا وتكافؤًا في السيطرة حتى هذه اللحظة التي أقدم فيها كاسباروف في النقلة الرابعة والعشرين على تضحية مجنونة بقلعته في مقابل عسكري واحد لا أكثر!

 

ما يميز بين أستاذ شطرنج وآخر وبين لاعبي الشطرنج عمومًا ويجعلهم درجات هو قدرتهم على رؤية الحركات للأمام وتحليل الاحتمالات الناتجة من كل حركة، والتي تتضاعف مع كل نقلة، لذلك تقترب هزيمة الحاسوب من حد الاستحالة لكونه قادرًا على تحليل عدد بالغ الضخامة من الاحتمالات مهما تضاعفت وصولًا لديب بلو الذي حلل 200 مليون احتمال.

 

عرف توبالوف حينها أن كاسباروف لن يضحي بقلعته بهذه السهولة إلا لو وراء الأكمة ما وراءها، لذلك، حلل فيسيلين اللعبة ووجد أنه ولتسع حركات كاملة للأمام بكل احتمالاتهم لا يوجد أي خطر عليه، فقام بأكل الطابية التي كانت بمثابة هدية مجانية مجنونة من كاسباروف ستكلفه المباراة فيما بعد.

هذا بالمنطق، لكن جاري كان له رأي آخر تمامًا!!

 

يجمع خبراء اللعبة على أن ما فعله كاسباروف حينها كان إعجازيًّا، فتوبالوف قام بتحليل 9 نقلات للأمام وهو عدد كفيل بتأمين أي لاعب، لكنه كان يواجه كاسباروف الذي حلل خمسة عشر نقلة للأمام، وهو رقم مبهر ولا يمكن تخيله لبشر، وعندما أيقن كاسباروف أن تضحيته ستؤتي ثمارها بعد خمسة عشر نقلة فعلها، وكان كل ما ينتظره هو أن يلتهم توبالوف الطعم الذي لم يتصور أن هناك عقلًا يحلل هذا الكم من الخطوات للأمام.

 

في نهاية المباراة وصف توبالوف ما حدث بأنه كان خارج نطاق تصوراته، وأنه لم يحلل إلا تسع حركات وظن أنه لا يوجد بشري يستطيع تجاوز هذا الرقم.
كانت هذه لمحة عن بعض أفضل مباريات الشطرنج وأكثرها عبقرية على مر التاريخ، اللعبة الاستراتيجية الأكثر شعبية في العالم، وعن قدرة على التخطيط تتجاوز المدى، وعن العقل البشري الذي لا حدود لقدراته حتى هذه اللحظة.

علامات

ألعاب, الشطرنج
عرض التعليقات
تحميل المزيد