1,536

منح تنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيسًا لمصر، المؤسسة العسكرية امتيازات استثنائية لنفوذها الاقتصادي والعسكري في مُعادلة الحكم، إذ تعاظمت إمبراطوريته الاقتصادية، بقرارات رئاسية، شكلت تحولًا نوعيًا في دور الجيش الاقتصادي، عن طريق منحه الحق في استثمار الأراضي التي تقع داخل حدود إمبراطوريته.

هذا التحول النوعي في طبيعة الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، يتوازى معه مساعٍ حميمة من النخبة الرأسمالية لتوسيع نفوذها وسط تبرّمات هامسة من أن تحُد هذه الإجراءات من هذا النفوذ الاقتصادي، وتوقعات بسعي النظام لدمجهم في منظومة المحسوبية بشراكات مع المؤسسة العسكرية.

المؤسسة العسكرية في عهد السيسي.. من مالك إلى مُستثمر للأراضي

خلال عهد االرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، منح قرار رئاسي صادر عنه في عام 1977، حق امتياز إدارة جميع الأراضي غير الزراعية وغير المستثمرة للجيش، بحيث جعل هذا القرار المؤسسة العسكرية، أكبر قيّم على الأراضي الحُكومية في البلاد، والتي تُشير التقديرات إلى أنها تصل إلى 87% من مساحة البلاد.

CAIRO, EGYPT - OCTOBER 5: Sunset over an informal housing site stretching along the Muqattam cliffs in the Manshiet Nasser slums October 5, 2011 on eastern outskirts of Cairo, Egypt. The slum sits near the bulldozed site of a rock slide in 2008 which killed over 30 people. Along with the threat of another rock slide, residents live without basic public services such as water supply and waste management. (Photo by Ann Hermes/The Christian Science Monitor via Getty Images)

القرار الذي منح المؤسسة العسكرية هذه الميزة الاستثنائية، كونها أكبر قيّم على الأراضي، جاء ضمن المُعادلة التي وضعها مبارك لنمط حُكمه؛ إذ كان يسعى من وراء هذا الامتياز، لضمان ولائهم للرئيس، وتحييدهم عن صراع السلطة، لتمرير سيناريو توريث نجله الأصغر جمال مُبارك، بالتزامن مع إجراءات التحوّل الاقتصادي نحو الخصخصة، وسياسة التحرر الاقتصادي بقيادة نجله جمال.

مُعادلة مبارك للحكم، كانت تشمل توازنًا بين حماية سلطات المؤسسة العسكرية المكتسبة، وامتيازاتهم المتراكمة التي تمثلت في منحهم حق امتياز التملك دون الاستثمار، والتي خُصص جزء منها لبناء ما يقرب من 5% من مجموع المساكن التي شُيّدت في البلاد، من قبل الجيش ولأجل الجيش، دون أن يُعمم حق استثمار هذه الأراضي.

خلال عهد السيسي، تبدّلت ملامح هذه المعادلة بإصداره قبل حوالي شهر، قرارًا جمهوريًا رقم 57 لسنة 2016، والذي خصص بشأنه أراضي العاصمة الإدارية الجديدة، وتجمّع زايد العمراني، المزمع إنشاؤهما على ما يناهز 16 ألف فدان، لجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة، كي تضطلع بتنفيذ المشروع. كما نص القرار على إنشاء شركة مساهمة تتولى إدارة اﻷراضي، وتضم مساهمات من جهازي مشروعات أراضي القوات المسلحة، ومشروعات الخدمة الوطنية.

هذا القرار يعني منح المؤسسة العسكرية المصرية، وبالأخص جهاز مشروعات أراضي القوات المُسلحة، ميزة استثنائية، وتحولًا في طبيعة دوره الاقتصادي، الذي كان معهودًا منذ عشرات السنوات، بحيث كان أكبر قيّم على الأراضي دون أن يكون له الحق في استثمارها. هذه الميزة الاستثناية، تتعلق بالنقلة من حق التملك إلى حق الاستثمار، بمنحها حق هذا الأمر بقرار جمهوري، خلافًا لما كان معهودًا خلال حقبة مُبارك.

جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة، تمثّل دوره خلال سنوات مبارك في تحصيل التعويضات المالية من الخزانة العامة للدولة، نظير الأراضي المقام عليها معسكرات أو مواقع عسكرية (أي الأراضي التابعة للقوات المسلحة، بصفة مباشرة)، وهو الدور الذي تبدّل خلال ولاية السيسي، بعد قرار رئاسي صادر عنه منذ شهرين، بمنح الجهاز الصلاحيات ذاتها الممنوحة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، بالسماح له بإنشاء شركات مساهمة هادفة للربح.

يجعل هذا الأمر من المؤسسة العسكرية فاعلًا رئيسيًّا في عملية الاستثمار، بما تملكه من أراضٍ، سواء بتأسيس شركات أو كشريك مع رأس المال العربي، أو الأجنبي، والدخول في مشروعات التنمية العقارية، والصناعية، والخدمات اللوجستية، كما هو الأمر في مشاريع العاصمة الإدارية الجديدة والإسكان المتوسط. وقد جرى تخصيص أراضي كلا المشروعين، لجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة كي تضطلع بتنفيذ المشروع.

أراضٍ بالمجان لرجال الأعمال مقابل الولاء

كان القرار الصادر بحق منح المؤسسة العسكرية امتيازًا في مسألة تخصيص الأراضي، واستخدامها للغرض الاستثماري، مسألة مُثيرة للتبرّم داخل أوساط النخبة الرأسمالية المرتبطة بالسلطة، التي تجد في هذه القرارات مُزاحمة لأنشطتها الاقتصادية، بخاصة الشركات الرأسمالية الكبرى، وليست الشركات المتوسطة التي يعاملها الجيش كمقاول فرعي.

بعد هذا القرار، تتابعت تصريحات رجال الأعمال مُتهمة السلطات المصرية بأنها تقف أمام تشجيع الاستثمار، واتهامات تتراوح بين كونها فاشلة في نموذج التنمية الاقتصادي، وبين كونها السبب الرئيسي وراء أزمة ارتفاع أسعار الأراضي.

هذا الأمر، عبر عنه حسين صبور، رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، في تصريحات لـ«ساسة بوست»، قائلًا إنّ «السبب الرئيسي وراء أزمة ارتفاع أسعار الأراضي، هو استمرار احتكار الدولة لعمليات طرح الأراضي».

وعن كون المؤسسة العسكرية إحدى آليات الدولة لاستمرار هذا الاحتكار، يجيب  صبور: «دعنا من الحديث عن التخصيص. لكن الدولة مُطالبة برفع يدها عن الأراضي، والكف عن لعب دور المقاول، وخلق مساحة لرجال الأعمال لتمكينهم من الاستثمار بشكل حر ومُيسر».

ولفت إلى ضرورة الالتزام بتنفيذ رؤية مصر المستقبلية (2030)، فيما يخص القطاع العقاري، والمشروعات السكنية، والتي تحتاج لطروحات من الأراضي، تصل قيمتها إلى 25 مليار جنيه.

كذلك عزز من هذه التبرمات، وحالة الخوف المسيطرة من المُنافسة مع المؤسسة العسكرية؛ نجيب ساويرس، رجل الأعمال الذي عبر عن ذلك بقوله إن «الجيش له مهام أخرى غير المشروعات، وهي حماية البلاد، والالتفات إلى المصائب التي تحدث في ليبيا والعراق». واعتبر ساويرس، أن الجيش لديه ميزة ليست لدى رجال الأعمال، وهي أنه «لما بينزل مش مهم التصاريح، ولا بيدفع رشوة، وبيقدر يتخطى المشاكل اللي إحنا عايزين نتخطاها كلنا».

أمام هذه التبرمات الهامسة من النخبة الرأسمالية من القرار الصادر، أصدر السيسي، الثلاثاء الماضي، قرارًا جمهوريًا بتحديد بعض المناطق، التي يجوز التصرف فيها بدون مقابل للمستثمرين، استنادًا لنص المادة 74، من قانون ضمانات وحوافز الاستثمار المضافة بالقرار بقانون رقم 17 لسنة 2015.

ونصت المادة الأولى من القرار، الذي حمل رقم 157 لسنة 2016، على أن تسري أحكام المادة 74 من قانون ضمانات وحوافز الاستثمار، الصادر بالقانون رقم ثمانية لسنة 1997، والمعدل بالقرار بقانون رقم 17 لسنة 2015، على الأراضي المملوكة للدولة ملكية خاصة، والمبينة حدودها ومساحتها وإحداثياتها، بقراريْ رئيس الجمهورية، رقمي 158 لسنة 2001 و370 لسنة 2004، وقرار رئيس مجلس الوزراء، رقم 2122 لسنة 2015، والتي لم يتم التصرف فيها حتى تاريخ العمل بهذا القرار.

ونصت المادة الثانية على أن يكون التصرف بدون مقابل في الأراضي المبينة بالمادة السابقة، للمستثمرين المستوفين للشروط الفنية والمالية، التي يصدر بتحديدها قرار من مجلس الوزراء.

هذا القرار يأتي ضمن سلسلة قرارات، أصدرها السيسي في محاولة لتحييد المُنافسة بين النخبة الرأسمالية ورجال الأعمال، والتي شملت كذلك تعديل بعض أحكام القانون رقم 62 لسنة 1975، في شأن الكسب غير المشروع، والتي كان أهمها ما يتعلق بالتحفظ والتصالح مع رموز الأنظمة السابقة، وإصداره قرارًا بقانون يتضمن تعديلًا تشريعيًا على ثلاث مواد في قانون اﻹجراءات الجنائية، يمنع سقوط الدعوى الجنائية عن الموظف العام مختلس مال الدولة، وينظم تصالح الدولة مع المستثمرين في جرائم المال العام.

على المدى البعيد، يُعتقد أن تتحول هذه المُنافسة بين المؤسسة العسكرية، والقطاع الخاص في مصر إلى نمط من أنماط الشراكة، في محاولة من الجيش لاحتواء هذه النخبة التي لديها أدوات سيطرة كبيرة، وكذلك لتحييدها وضمان ولائها له. لكن هذه الشراكة أيضًا، يُثار بشأنها العديد من التساؤلات المرتبطة بطبيعة القوانين الحاكمة لها، وماذا سيكون بشأن الضرائب المفروضة عليهم، وكذلك عن الخلافات المُحتملة بشأن إدارة هذه المشاريع.

تعليقات الفيسبوك